هي بحق دعوة خالصة مُخلِصَة، تضرُّعًا إلى الله عز وجل، مع كل المتيمين بحب اليابان، أن تنجو المناطق الشمالية والشرقية من بلاد الشمس المشرقة، من أسوأ كارثة زلزالية مُحدِقَة، تُشيرُ كل التوقعات إلى إمكانية حدوثها، بين عشية وضحاها.
ففي أحدث توصية بتوخي الحذر، أفادت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية باحتمال وقوع زلزال مميت، مماثل للزلزال الذي ضرب شمال شرقي اليابان قبل نحو 15 عامًا، وأسفر، وقتها، عن مقتل وفقدان 18500 شخص، وألحق أضرارًا بمحطة فوكوشيما النووية. ونصحت الوكالة سكان المناطق الممتدة من هوكايدو -في أقصى الشمال- إلى محافظة تشيبا على حدود العاصمة طوكيو، بتوخي الحذر الأيام المقبلة.
جيولوجيًا، تقع اليابان على أربع صفائح تكتونية رئيسية، على طول الطرف الغربي لـ"حزام النار"، وهي في مقدمة بلدان العالم ذات النشاط الزلزالي الأعلى. ويشهد الأرخبيل -الذي يسكنه حوالي 126 مليون نسمة- نحو 1500 هزة سنويًا. وفيما يُعَدُّ معظمها خفيفًا، فإن الأضرار الناجمة عنها تتباين بحسب مواقعها وعمقها.
ومع صعوبة توقع الزلازل عمومًا، إلا أن لجنة حكومية يابانية كشفت عن احتمالات وقوع هَزَّة قوية بأخدود "نانكاي" المجاور خلال السنوات الثلاثين المقبلة، بنسب تتراوح فيما بين 75 و82 في المائة.
ولاحقًا، أصدرت الحكومة اليابانية تقديرًا جديدًا، جاء فيه أن زلزالًا مدمرًا كهذا، والتسونامي الذي قد يعقبه، يمكن أن يتسببا في مقتل ما يصل إلى 298 ألف شخص، وبأضرار تصل قيمتها إلى تريليوني دولار.
بالنسبة للوضع في العاصمة اليابانية، تُشيرُ أحدث التقديرات الحكومية بخصوص الأضرار المحتملة في حالة وقوع زلزال مُدَمِّرٍ بمنطقة طوكيو الكبرى إلى توقع انخفاض عدد الوفيات بشكل طفيف ليصل إلى نحو 20 ألف شخص، بدلًا من 23 ألفًا، بفضل التقدم المُحْرَزِ في بناء مساكن مقاومة للزلازل، وبافتراض وقوع زلزال بقوة 7.3 درجة على مقياس ريختر، أسفل منطقة جنوبي طوكيو مباشرة.
كذلك، تُشيرُ التقديرات إلى أن الأضرار الاقتصادية المتوقعة ستبلغ حوالي 80 تريليون ين، أي ما يعادل 515 مليار دولارًا، فيما بلغت التقديرات السابقة نحو 95 تريليونًا.
كما تُشيرُ التقديرات إلى أن عدد الأشخاص الذين سيُخْلُونَ منازلهم أو لن يتمكنوا من العودة قد يرتفع إلى عدة ملايين في منطقة طوكيو الكبرى. لذلك، المجتمع الياباني مدعو للاستعداد، واتخاذ تدابير لمكافحة الحرائق، وتحسين مقاومة المنازل للزلازل، مع دعوة الشركات للنظر في سبل نقل مقارّها مؤقتًا.
أحدث زلزال شهدته اليابان وقع الإثنين الماضي، وضرب ساحل محافظة آوموري، وكان مركزه على عمق 54 كيلومترًا. وأصدرت السلطات تحذيرًا وقتها، من احتمال وقوع تسونامي في محافظتي إيواتيه وهوكايدو، وأبقته سارياً لأكثر من 3 ساعات.
المسئول الحكومي الياباني موريكوبو تسوكاسا، كشف عن احتمال وقوع زلزال خطير، وقال: "بناءً على إحصاءات الزلازل التي وقعت حول العالم حتى الآن، هناك احتمال وقوع زلزال واسع النطاق بقوة 8 درجات أو أكثر على مقياس ريختر خلال أسبوع (من الآن— مساء الإثنين 8 ديسمبر) كزلزال لاحق، على طول خندق اليابان، وخندق تشيشيما، قبالة هوكايدو، ليس من الواضح ما إذا كان سيحدث زلزال واسع النطاق، لكني آمل أن تتخذ التدابير الوقائية من الكوارث حفاظًا على الأرواح".
قد يتسبب مثل هذا الزلزال المدمر في حدوث موجات تسونامي، على طول الساحل الياباني المطل على المحيط الهادئ، من هوكايدو إلى تشيبا. ويحث المسئولون السكان على التحقق من طرق الإخلاء، وإعداد تجهيزات الطوارئ، وتثبيت أثاث المنازل، والتأكد من وجود مخزون احتياطي من الطعام والماء والمراحيض النقالة.
التوصيات المتتالية للسكان بتوخي الحذر من قرب وقوع زلزال مدمر تسببت في حدوث حالة غير اعتيادية من التوتر، في المجتمعات القاطنة بالمناطق الشمالية والشرقية اليابانية، وهي المناطق نفسها التي تأثرت بالزلزال الأخير وتوابعه، مما دفع بـ مسئولي وكالة الأرصاد الجوية إلى محاولة التخفيف نسبيًا من حجم الخسائر البشرية والمادية المتوقعة، بأن السيناريو الأسوأ سيكون مماثلًا لزلزال عام 2011.
البروفيسور إمامورا فوميهيكو، الأستاذ بجامعة توهوكو اليابانية، طالب مواطنيه بأن يكونوا مستعدين لكل الاحتمالات، في أثناء ممارسة حياتهم اليومية، وقال: "استعدادًا لتسونامي ينبغي على الناس تحديد أقرب مركز إخلاء لهم وتحديد كيفية إخلائهم، حتى يتمكنوا من الحفاظ على هدوئهم واتخاذ إجراءات سريعة ومناسبة".
هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية، NHK، بثت شرحًا تفصيليًا عن المقصود بالاستعدادات الواجبة لمواجهة كارثة متوقعة لزلزال وتسونامي، وهي كالتالي: التأكد من مواقع وطرق الإخلاء، تجهيز حقائب الطوارئ لتسهيل الإخلاء السريع، تثبيت أثاث المنزل، والتحقق من وجود مخزون من الطعام والماء والمراحيض المتنقلة، مع التأكيد بأن التحذير لا يدعو للإخلاء الفوري، ولكن توخي الحذر.
بثت الهيئة تصريحًا للأستاذ بكلية الدراسات العليا بجامعة طوكيو، سيكيا ناويا، جاء فيه: "لو أننا أولينا مزيدًا من الاهتمام للهزة الأرضية التي حدثت قبل يومين من وقوع الزلزال المميت عام 2011، لكان من الممكن إنقاذ أرواح أكثر بكثير، وبعد التعلم من الدرس، تم استحداث نظام الإنذار للتنبيه باحتمال وقوع زلزال مدمر، وضرورة اتباع الاستعدادات، حتى لا يصل عدد الضحايا إلى 200 ألف شخص".
بقي أن أُشيرَ إلى مشاعر هائلة من التعاطف والمؤازرة، انتابتني -شخصيًا- تجاه الأصدقاء في اليابان، خاصة، وهم يواجهون محنة التحذيرات المتتالية والجادة من احتمالات وقوع كارثة زلزال وتسونامي، وأتفهم عاليًا حالة التوتر التي يمرون بها.
على مدار أكثر من عقدين وحتى وقت قريب -لم يَمْضِ عليه سوى الشهر- كنت زائرًا ومقيمًا، مفعمًا بالمحبة لليابان، بكل ما تنعم به من مظاهر الإبهار والمتعة والرقي الحضاري. ومن القلب أتمنى السلامة لشعبها العظيم، تحديدًا، بالمناطق والتجمعات السكانية، على طول الساحل الياباني المطل على المحيط الهادئ، من هوكايدو شمالًا، وحتى طوكيو، المهددة -جميعها- بمخاطر الزلزال والتسونامي، لا قدر الله.
[email protected]