الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي وتأثيرها

13-12-2025 | 12:41

مع كل بداية حقبة رئاسية جديدة في الولايات المتحدة، يضع الرئيس المنتخب رؤيته لإستراتيجية الأمن القومي. حدث ذلك مع أوباما في عام 2012، ثم مع ترامب في 2017، وبعده بايدن في 2022، وأخيرًا ترامب مجددًا في نوفمبر 2025.

لكن لم تُثر أي إستراتيجية سابقة عاصفة من الجدل والنقد كما أثارتها الوثيقة الأخيرة. وربما يعود السبب إلى انحرافها عن ثوابت السياسة الأمريكية الممتدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ إذ تبدو أوروبا للمرة الأولى وكأنها عبء على واشنطن، بينما لم تعد روسيا تُصوَّر كعدو أمني مباشر، وتحولت الصين إلى مجرد منافس اقتصادي وتكنولوجي. 

وفي الوقت ذاته، تُصوِّر الإستراتيجية أمريكا اللاتينية باعتبارها مصدر تهديد للأمن القومي، فيما تبدو الولايات المتحدة وكأنها تميل إلى الانسحاب وتقليل انخراطها في أزمات الشرق الأوسط.

سابقًا، كان الخطاب الأمريكي يضع نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والقيم الليبرالية في مُقدّمة أولوياته، باعتبارها أدوات لتعزيز النفوذ الأمريكي عالميًا. إلا أن الوثيقة الجديدة تُعلن –وبعبارات صريحة غير مُعتادة– التخلي عن التدخل في شئون الحكم داخل الدول الأخرى، أيًا كانت طبيعة أنظمتها، ما دامت لا تتعارض مع المصالح الأمريكية المباشرة. وبدلًا من التركيز على الشرق الأوسط أو آسيا، تُوجّه الإستراتيجية بوصلتها نحو أمريكا اللاتينية باعتبارها مصدر التهديد الأخطر، مُركِّزة على ثلاثة ملفات تراها الإدارة الحالية تهديدًا مباشرًا للأمن القومي: الهجرة غير الشرعية، وتجارة المخدرات، وتصاعد الجريمة المُنظَّمة.

وبعدما كانت أوروبا الحليف الإستراتيجي الأول للولايات المتحدة لعقود، تأتي الوثيقة لتُوجِّه لها نقدًا لاذعًا، واصفةً القارة العجوز بأنها تُواجه أزمة هوية وتحديات ديموغرافية عميقة نتيجة موجات الهجرة المُتَسارِعة. 

وتُشدِّد الإستراتيجية على أن على الدول الأوروبية تحمُّل مسئولياتها الدفاعية وعدم الاتكال الدائم على المظلّة الأمريكية. وفي الاتجاه نفسه، تعكس الوثيقة رغبة واضحة في تقليص الالتزامات العسكرية الواسعة في الشرق الأوسط؛ إذ تفضّل واشنطن اليوم التعاون مع دول المنطقة في ملفات الأمن والاستقرار والتجارة، دون الانجرار إلى مُغامرات عسكرية جديدة أو الانخراط المباشر في صراعات طويلة.

يعكس هذا التحوُّل الجذري في رؤية واشنطن للعالم إعادة تقييم شاملة لأولويات القوة الأمريكية. فمع تصاعد الأعباء الاقتصادية الداخلية، ورغبة الإدارة في توجيه الموارد نحو الصناعة والبنية التحتية والتنافس التكنولوجي مع الصين، باتت الولايات المتحدة أقل استعدادًا لتحمُّل كُلفة دور شرطي العالم. كما أسهمت تجربة العقدين الأخيرين — من العراق وأفغانستان إلى التدخلات غير المباشرة — في ترسيخ قناعة لدى صانع القرار الأمريكي بأن النفوذ يمكن تحقيقه بأدوات اقتصادية وتكنولوجية أكثر مما يتحقق عبر التدخلات العسكرية التقليدية. وإلى جانب ذلك، فرضت موجات الهجرة والتهديدات القادمة من أمريكا اللاتينية على الإدارة اعتبار الحدود الجنوبية أولوية أمنية تفوق ملفات بعيدة جغرافيًا مثل الشرق الأوسط أو أوروبا.

تضع هذه الإستراتيجية مصر أمام واقع دولي جديد، يقوم على شراكات عملية لا أيديولوجية. فبينما قد يعني تقلُّص الانخراط الأمريكي في ملفات الشرق الأوسط تراجع الضغط السياسي المُرتبط بملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإنّه في المُقابل يرفع من أهمية الدور الإقليمي لمصر في ملفات مثل أمن البحر الأحمر، استقرار غزة، وممرات الطاقة والتجارة. كما يفتح هذا التحوّل الباب أمام تعددية أكبر في العلاقات الدولية، حيث يمكن للقاهرة أن توازن في علاقاتها بين واشنطن وبكين وموسكو دون الاصطدام بالموقف الأمريكي القديم. عالميًا، ستؤدي الإستراتيجية إلى عالم أكثر اعتمادًا على توازنات القوى الإقليمية، ما قد يمنح فُرصًا لدول صاعدة، لكنه يخلق أيضًا بيئة أكثر تقلُّبًا وتنافسًا على النفوذ.

ختامًا، يجدر التأكيد على أن هذه الوثيقة تُمثل رؤية سياسية وإستراتيجية للرئيس الأمريكي وليست التزامًا قانونيًا، مما يفسّر الانقسام الواضح في موقف الكونغرس منها. فبينما يعتبرها الأعضاء الديمقراطيون أنها تُضعِف الدور الأمريكي التقليدي وتُقلّل من التزامات واشنطن تجاه الحلفاء، يرى قطاع من الجمهوريين في الكونغرس أنها تعكس صياغة أكثر بِرَجماتية وواقعية للمصالح الأمريكية المباشرة على الصعيدين الداخلي والدولي. 

وفي كل الأحوال، تؤكد هذه الوثيقة أن أمريكا تتجه نحو إعادة ترتيب أولوياتها العالمية، وهو ما سيترك أثرًا ملموسًا على الحلفاء والإقليم والدول الفاعلة في المشهد الدولي، بما في ذلك مصر.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة