عبارة أثارت انتباهي، أطلقها أحد الأصدقاء المقربين بنبرة لا أنساها ونظرة من عينين عاشقتين للحظات الحنين بكل ما أُوتيَت من القوة والصدق، وربما عاتبتين على الأيام التي انقضت كسحابة صيف. كانت عبارة صديقي تقصد مقالًا قديمًا طرحت فيه تساؤلًا عن سبب البكاء وكثرة الدموع كلما تقدمنا في السن؟ أخبرني صديقي أنه يبحث عن هذا المقال كلما داعبت لحظات الشجن والحنين أوتار قلبه، فيلتقطه كما يلتقط قيثارته ويترك كلماته تعزف لحنها المنفرد حتى تُرضيه شجنًا وحنينًا.
عدت إلى المقال بعد أن سمعت كلمات صديقي، قرأته متأملًا وباحثًا عن سبب توقفي عند هذا السؤال. ووجدت أن أولى وقْفاتي معه عندما لاحظت أبي يجهش بالبكاء على أمور لم تكن ولم أتصور يومًا أن تُصبح سببًا في بكائه! والمُحير أن أراه يبكي أحيانًا كثيرة بدون سبب! لو حدث ذلك من شخص آخر لما توقفت عنده، لكنه أبي الذي أعرفه جيدًا، رجل قوي، شهد الحروب بأهوالها على مدى تسع سنوات، رأى الأجساد تتناثر من حوله، جمع أشلاء زملائه ودفنها في رمال سيناء بيديه.
كيف يبكي هذا الوحش الذي سار أيامًا في الصحراء بلا طعام ولا شراب؟ كيف يبكي هذا الرجل الذي كان بَحبوحًا إلى حد الجنون، لا يبالي للحياة وما بها من مشكلات، مبدأه الراسخ "اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب"، يعشق الضحك ويُجيد اختطاف لحظات السعادة فيعيشها بمنتهى المهارة حتى لو كانت قليلة. لكنه كبُر كما يكبر الجميع، ورأيته يبكي بحرارة على أمور لم أظنها يومًا قد تبكيه.
لم يكن أبي فقط هو السبب في حيرة عقلي وبحثه عن إجابة لهذا التساؤل.. لماذا الدموع؟ بل خالي أيضًا الذي كانوا يُلقبونه "عدو الحزن"، مستحيل أن تجده في أماكن الحزن إلا للضرورة القصوى، وإن فعل فما هي إلا دقائق ثم ينصرف. قالها لي صريحة: أنا لا أُطيق التواجد في مكان يملؤه الحزن والدموع.
وتمر الأيام وأعلم بمرضه في شيخوخته فأزوره لأجده ينظر نحوي ويبكي بشدة، بكى عندما تذكر أبي الذي كان تلميذًا عنده في مدرسته الثانوية، وكانت تجمعهما صداقة قوية على مر السنين انتهت بزواج كل منهما من أُخت الآخر، بكى لوفاة أبي، بكى بشدة لم نعهدها عليه من قبل.. بكى عدو الدموع.
أنا أيضًا كنت مَحلًا للتساؤل.. فقد أصبحت كثير البكاء.. لماذا؟
لا أُنكر أنني كنت في الماضي طفلًا حساسًا كما يقولون، بل ربما شديد الحساسية.. مريض بها، طفل تبكيه نظرة متجهمة من أبيه أو أمه، "تكشيرة" من أستاذ في المدرسة، وربما كلمة غير مقصودة من أحد الأصدقاء. نعم كنت هذا الطفل وكانت دموعي هي وسيلتي الوحيدة الأقرب والأسرع للتعبير عن حزني.
لكن جاء عمي ذات يوم وعلى وجهه نظرة حاسمة واثقة وأخبرني أن "البكاء للحريم" وليس للرجال. قالها وكررها كثيرًا حتى نجح في قطع صلتي نهائيًا وإلى الأبد بدموعي! نعم تحجرت الدموع وأصبح من المستحيل الوصول إليها حتى في أصعب الأوقات التي اشتقت إليها فيها. وهل هناك أصعب من وفاة الأم ولحظة دفنها؟ كادت الدموع تجد طريقها في تلك اللحظة مرة أخرى لتعود الأمور إلى مجاريها وتتجدد الصداقة التي قطع العم أواصرها، لكن جاء ابن الخال ليتدارك الموقف سريعًا ويُعلن بكل صراحة أن الأخ الكبير لا يجوز له البكاء، وماذا يفعل إخوته الصغار إذن!
وكأنها فهمت وأدركت أن وجودها أصبح غير مرغوب فيه.. رحلت الدموع وقد قررت ألا تعود إليه مرة أخرى. لكنه قرر أن يختلي بدموعه بعيدًا عن هؤلاء الكهنة حملة الأسرار المقدسة الذين كانوا السبب في انقطاع صلته بالبكاء، فذهب إلى قبر أمه وحده وظل يبكي طويلًا، يشكو إليها مرارة الأيام وغربتها بعد رحيلها عنهم، بكى حتى هدأت نفسه ثم انصرف بهدوء قبل أن يراه أو يعاتبه أحد.
وزادتني حيرة سؤالي عندما رأيت الوحش يبكي، أقصد عمي الذي أخبرني يومًا بكل ثقة وقوة وحزم ويقين أن البكاء للحريم، وجدته يبكي منافسًا في بكائه كل من رأيت من الحريم والرجال. كبُر الرجل وانسابت دموعه شاء ذلك أم أبى ونسي عبارته الشهيرة التي زرعها في نفسي منذ زمن بعيد.. البكاء للحريم فقط.
من أسوأ العادات أن يخبروك أن البكاء عيب، أن دموعك لها حُرمة ولا يجب أن تنكشف على أحد!
أخبروا أبناءكم أن يبكوا وقتما شاءت دموعهم أن تأتي.. ولو أمام كل الناس، أخبروهم أن يلجأوا إلى البكاء إن وجدوا فيه خلاصهم وراحتهم، إن كان هو سبيل النجاة من همومهم، لا تجعلوا دموعهم تختفي فيعتادوا غيابها، أخبروهم أن من يبكي ليس ضعيفًا.
الغريب وما يستوقف العقل أن يأتي البكاء بدون سبب! ربما كان البكاء الوحيد الذي أعرف له سببًا هو بكائي وأنا أقرأ القرآن الكريم. بكاء الخشية والخوف من الله، بكاء الندم والخوف من التقصير في حقوق الله، بكاء الرجاء في رحمة الله وعفوه.
لكن ما يُحيرني هو سبب بكائي الآن وأنا أكتب تلك السطور؟ هل هو بكاء الحنين إلى الماضي؟ أم بكاء على العمر الذي انقضى ولا سبيل لعودته؟ أم هو بكاء نهاية الرحلة؟