ما وراء الكواليس.. مصر في قلب العاصفة!

13-12-2025 | 12:10

فيما تتصدع خرائط العالم القديم، وتتصارع قوى كبرى على جسد شرق أوسط مُنهَك، تقف مصر بثقل تاريخها التليد الممتد في عمق الزمان، وبإرادة حاضرها الواعي، لتسأل السؤال المصيري: كيف نُحوّل التحديات الوجودية إلى فرصة تاريخية لنستعيد زمام المبادرة، ونرسم بأيادينا ملامح النظام الإقليمي الجديد؟

هذا هو جوهر الرحلة الفكرية الجريئة التي قادها اللواء إيهاب لطفي، في أطروحته العلمية العميقة "الرؤية المستقبلية للدور المصري نحو صياغة نظام إقليمي جديد".

نالت هذه الأطروحة تقدير لجنة علمية رصينة مُكوّنة: من اللواء أشرف فارس واللواء عمر محمد الشيخ، والدكتورة دلال السيد، ومنحته درجة الدكتوراه، لكنها ورغم جفافها الأكاديمي وصياغتها العلمية، تجاوزت كونها بحثًا جامعيًا لترسم خريطة طريق حية، إنها تغوص في أعماق المرحلة الحرجة الممتدة من عام 2011 حتى أفق عام 2030، ساعية إلى تحويل التحديات المصيرية التي تُواجه الأمة إلى فرصة تاريخية ذهبية لاستعادة زمام المبادرة. كل ذلك في شرق أوسط يُعاني من فراغ قيادي خطير، وتتصاعد فيه مطامع مشاريع الهيمنة الإقليمية بشكل مُطّرِد.

العاصفة والفراغ

أدركت القيادة المصرية بحسها الإستراتيجي الرصين وبُعد نظرها الثاقب أن المعادلات قد تغيّرت جذريًا. لم تعد الخرائط التي عرفناها هي ذاتها. لقد شهدت المنطقة تقلبات جذرية، سقطت معها أنظمة تقليدية، ونهضت قوى إقليمية غير عربية، تشكّلت منها ما يُشبه بـ"المحور الثلاثي" ذي النفوذ المتنامي.

هذا المحور يتكون من إيران بطموحاتها الواسعة وأدواتها غير التقليدية التي تمتد ظلالها عبر المنطقة، وتركيا بمشروعها التوسعي الذي يبحث عن مَجد إمبراطوري غابر تحت قيادة أردوغان، وإسرائيل بتفوقها العسكري والتكنولوجي المُطّرِد واستمرارها في سياسة الاستيطان التي تلتهم الأرض الفلسطينية وتُغيِّر من الوقائع على الأرض يومًا بعد يوم.

وفي الخلفية من هذا المشهد المُلتَهِب، تستمر القوى الكبرى (الولايات المتحدة وروسيا والصين) في صراعها الخفي والعلني لملء الفراغات وترسيم مناطق النفوذ في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

أمام هذا المشهد المُتشابك والخطير، تبرز الفرضية المِحورية لتلك الرسالة كحقيقة إستراتيجية مُلحة: لم يعد هناك مُتَّسَع للتردد أو التواكل، يجب على مصر أن تُعيد صياغة دورها القيادي لتُصبح قاطرة بناء نظام إقليمي عربي جديد، قادر على إعادة التوازن المفقود وكسر الحلقة المُفرَغة من التهديدات التي تُحيط بالأمن القومي العربي برمته.

وَصفة الخروج..

بعد التشخيص الدقيق للأوضاع، تخطو الرسالة خطوة أبعد لتُقدِّم وَصفة شاملة للخروج من الدائرة المُفرَغة، عبر ثلاثة مسارات إستراتيجية رئيسية مُتكاملة. يأتي في مُقدّمتها مسار الاحتواء الاستباقي والذكي، وهو المسار الدفاعي الذي يُركّز على تطويق الأزمات عند الحدود ومنع تفاقمها، عبر جهود دبلوماسية وأمنية مُكثّفة. فالجهود المبذولة لإعادة ترتيب أوزان القوى في القرن الإفريقي وحوض النيل، وبناء تحالفات مع دول الجوار الإفريقي، هي تجسيد عملي لهذا المسار الذي يعترف بثِقل التهديدات ويسعى لكسب الوقت والمساحة لحشد الموارد وبناء القوة.

ثم يأتي مسار القيادة الإقليمية الفاعلة والمبادرة، حيث تنتقل مصر من موقع المدافع الذي يتفاعل مع الأحداث، إلى موقع المُبادِر الذي يصنع الأحداث ويقود التحالفات. فالمشاركة النوعية والفاعلة في التجمعات الاقتصادية الإقليمية مثل "الكوميسا"، وطرح مبادرات تكاملية في المجالات الرقمية والاقتصادية واللوجستية، يُعبّر عن هذا التوجه الطموح الذي يهدف إلى تحويل مصر إلى قُطب جاذب وفاعل في محيطها الإقليمي والإفريقي.

ولتحويل هذه الرؤية الكبرى إلى واقع ملموس، يرى الباحث إيهاب لطفي ضرورة تحديث مجموعة من الأدوات الفاعلة. في مُقدّمتها دبلوماسية استباقية خلاقة تنتقل من منطق رد الفعل إلى منطق صناعة الحدث واستباق الأزمات. فالمشاركة المصرية المُتجدّدة في بعثات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي، بعد غياب عقود، تُمثل إشارة واضحة على هذا التحول في الفكر الدبلوماسي الذي يبحث عن الفاعلية بدلًا من الشَّكلية.

وتأتي بعد ذلك شراكات إستراتيجية ذكية ومرنة تقوم على أساس حسابات المصالح الدقيقة والمنفعة المُتبادَلة، بعيدًا عن الأيديولوجيات الصلبة والعصبيات الضيقة. وتطوير العلاقات التاريخية مع دول مثل إريتريا وتشاد، وتحويلها إلى شراكات إستراتيجية عملية، يُعدّ نموذجًا لهذا الذكاء السياسي الذي يعرف كيف يُحوّل الجغرافيا إلى فرص والعلاقات إلى تحالفات.

كما يجب إحياء القوة الناعمة وتجديدها، فاستعادة الدور الثقافي والحضاري والإعلامي لمصر ليس تَرَفًا فكريًا، بل هو استثمار في القوة والتأثير. فالرصيد الحضاري الهائل الذي تمتلكه مصر هو سلاح لا يُقدَّر بثمن في معركة الهوية وصياغة الرواية والجذب الناعم للشعوب، وهو ما يَغفُله الكثيرون في مُعادلات القوة الصلبة.

التحدي الأعظم

بيد أن التحدي الأكبر والأكثر إلحاحًا يظل كامنًا في ساحة التنفيذ العملي. كيف تُترجَم هذه التوصيات الذكية - من سياسة التوازن الدقيقة مع إيران وتركيا، إلى إحياء محور التعاون المصري السعودي الإماراتي، وبناء قوة رَدع شاملة - إلى سياسات يومية في بيئة إقليمية مُعقّدة وحادّة التنافس؟

كيف نُوفِّق بين مُتطلّبات الطموح الإقليمي الواسع، والاحتياجات التنموية الداخلية المُلحة للمواطن المصري؟ وكيف نُطوّر النموذج الاقتصادي ليكون أكثر إنتاجية وابتكارًا وقُدرة على تحمّل أعباء دور إقليمي طموح؟ هذه أسئلة مصيرية تحتاج إلى إجابات عملية تترجم الحبر على الورق إلى وقائع على الأرض.

رحلة الصعود الشاقة

هذه الرؤية، في نهاية المطاف، هي بيان إستراتيجي وجودي. تُعبّر عن إرادة مصر في لحظة تاريخية فارقة، أن تتحول من كائن في العاصفة إلى صانع للطقس. إنها تُقدّم نموذجًا لدولة مِحورية تملأ الفراغ ببَراجماتية ذكية، تبني قوتها من الداخل، وتَعقد الصفقات مع الجميع، ولا تتردد في استخدام كل أدوات القوة الناعمة والصلبة لحماية مصالحها وصياغة مُحيطها.

رحلة الصعود إلى القمة، شاقة تحفها المخاطر، لكنها الرحلة الوحيدة التي تضمن لمصر مكانتها اللائقة تحت شمس التاريخ.. شمس لا تشرق إلا على من يصنع مصيره بإرادته، ويكتب تاريخه بيده، ومصر بصانعي قرارها وبشعبها، تملك إرادة اليد التي تكتب.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة