«البلو هول» بين جمال الطبيعة وجاذبية الموت.. لغز «الحفرة الزرقاء» في دهب| صور

13-12-2025 | 11:42
;البلو هول; بين جمال الطبيعة وجاذبية الموت لغز ;الحفرة الزرقاء; في دهب| صور البلو هول مكان أسطوري يجذب عشاق المغامرة
دينا المراغي

في قلب البحر الأحمر، وعلى بعد أمتار قليلة من شاطئ دهب الهادئ، تكمن واحدة من أعجب الظواهر الجيولوجية underwater وأكثرها إثارة للجدل: "البلو هول" أو الحفرة الزرقاء. مكان أسطوري يجذب عشاق المغامرة من جميع أنحاء العالم، ليس فقط بجماله الفريد، بل بتاريخه الذي يمتزج بالتحدي والمخاطرة.. إنها قصة عن توازن هش بين جاذبية الموت التي سمتها "مقبرة الغطاسين"، والحياة الزاخرة التي تحتضنها، وصراع صامت من أجل الحفاظ على هذا الكنز البيئي والتنوع البيلوجي في وجه زحف السياحة المتزايد.

موضوعات مقترحة


البلو هول مكان أسطوري يجذب عشاق المغامرة

جاذبية الموت والجمال: ما الذي يجعل "البلو هول" فريداً؟

بعكس بلوهولات أخرى حول العالم، يتميز «بلوهول دهب» بأنها متصل بالشاطئ مباشرة. "أي شخص بمجرد نزوله الماء فهو يسبح في قلب البلوهول". 

بدوره يوضح صدام كيلاني، مدرب غوص محترف -حاصل على ألقاب في موسوعة جينيس للأرقام القياسية-.. إن هذا التكوين النادر، عبارة عن حفرة طولها 30 متراً وعرضها 100 متر، يمنحها ميزة لا مثيل لها، ويحولها إلى أيقونة تسويقية سياحية، حيث يُعتبر تحديًا للغواصين المحترفين لما يتميز به من طبيعة جيولوجية معقدة تعرف بـ"القوس"، وهو ممر عميق يصل البلوهول بالبحر المفتوح.

يتحدث كيلاني عن أسباب جاذبية «بلوهول دهب»، فيقول:«يكمُن التحدي الأكبر في عمقها الذي يتجاوز 55 متراً، حيث تقع منطقة "القوس"، وهو نفق طويل وصعب المرور يجتازه الغواصون المخضرمون للمغامرة في الأعماق.. كوسيلة للتسويق السياحي، من خلال كتابة إعلانات ترويجية تحمل طابع المغامرة.. "نبيعها ونسوقها سياحياً بسؤال: هل تجرؤ على الغوص في مقبرة الغطاسين؟ هل لديك الشجاعة أن تتحدى الموت؟"، مشيراً إلى أن البشر بطبعهم يحبون التحدي، وهذا ما جعل الموقع وجهة عالمية لتسجيل الأرقام القياسية.


البلو هول مكان أسطوري يجذب عشاق المغامرة

صدى «مقبرة الغطاسين»: سطور كُتبت لكن بماء

لم يأت لقب «مقبرة الغطاسين» من فراغ.. فعلى الصخور المحيطة بالبلوهول، كانت الأسماء تُكتب كشهادة على الشجاعة عن رحلة لغطاس فقد حياته وهو يغوص في "البلوهول"، لكن الظروف الجوية محتها مع الوقت، ليتم استبدالها بـ«شاهد رخامي»، شبيهة بشواهد القبور، ومن هنا أُطلق اللقب عليها «مقبرة الغطاسين».

عدد الوفيات كبير، لكن لا توجد إحصائية دقيقة. "فبعض الجثث تم انتشالها، وبعضها لا يزال في الأعماق"، هكذا يؤكد كيلاني، ويحلل الأسباب خلف هذه الكوارث، فيقول:«أحيانًا تحدث حالات الغرق بسبب بعض الخلل في معدات الغطس، إلى جانب الحماس الزائد، فهناك بعض الشباب غير المحترفين، يتجاوزون حدود قدراتهم في الغطس لمسافات أعمق بحثاً عن المغامرة».

أما أغرب الأسباب وأكثرها رهبة فهي ظاهرة «سُكر الأعماق ـ Nitrogen Narcosis»، حيث يؤثر الغاز المستنشق تحت الضغط على خلايا المخ، مُسبباً فقدان السيطرة.


البلو هول مكان أسطوري يجذب عشاق المغامرة

أشهر ضحايا «البلو هول»

ابتلع «البلو هول» العديد من عاشقي الإثارة والمغامرة، لكن أكثرهم شهرة كان «ستيفن كينان» البالغ من العمر 39 عامًا، وهو من دبلن عاصمة أيرلندا، فأثناء إشرافه على غطسة قامت بها «أليسيا زيكيني» حاملة الرقم القياسي العالمي في الغوص الحر، وبينما كانت تحاول عبور "قوس" الحفرة الزرقاء الشهيرة في البحر الأحمر باستخدام نفس واحد فقط، فقدت الشابة الإيطالية البالغة من العمر 25 عامًا اتجاهها. سارع كينان لنجدتها وساعدها على الصعود إلى السطح. تمكنت من الخروج سالمة، لكنه فقد وعيه ووُجد طافيًا على وجهه على مسافة ما.


البلو هول مكان أسطوري يجذب عشاق المغامرة

سياحة تتحدى الموت وتُنشِّئ الحياة: الفرصة الذهبية

رغم الخطورة، شهدت الفترة الأخيرة تحولاً نوعياً.. حيث "بدأت السياحة الداخلية تنشط بين الشباب المصريين"، يعلق كيلاني على هذه الظاهرة، قائلا:"بدأنا نستقبل طلبات تدريب كثيرة منهم، وهذا فتح مجالاً جديداً للاقتصاد المحلي".

يُكمن السبب الآخر في أن مسابقات الغوص الحر التي تُنظم على مدار العام، بالإضافة إلى الميزات التنافسية لمصر (الطقس المعتدل على مدار السنة، صفاء المياه والرؤية التي تصل لـ30 متراً، والتكلفة المعقولة)، ساهمت في تنشيط السياحة الرياضية بشكل كبير.

نظام أمان متكامل

يؤكد كيلاني أن معدلات الأمان في دهب عالية جداً مقارنة بمناطق أخرى.. كما أن وزارة السياحة والصحة، يوفرا سيارات إسعاف مجهزة طوال الوقت، بالإضافة إلى أن مدربي الغطس ملزمون بالحصول على دورة إسعافات أولية، مما يتيح لنا الإنقاذ الفوري قبل وصولنا إلى المستشفى".


البلو هول مكان أسطوري يجذب عشاق المغامرة

الكنز الحقيقي: حماية التنوع البيئي في وجه التحدي

بعيداً عن المغامرات البشرية، يكمن كنز البلوهول الحقيقي: تنوعه البيولوجي الفريد. "البحر الأحمر مليء بالكنوز"، وعن هذا يقول كيلاني: "نقاء المياه ودفئها سمح بوجود تنوع هائل من الكائنات البحرية النادرة".

لكن هذا الكنز يواجه تحديات حقيقية. "في السابق، لم تكن لدينا ثقافة بيئية بأهمية الحفاظ على المنطقة"، ويعترف كيلاني:"التحدي الأكبر يأتي من اختلاف ثقافات الزوار، فبعضهم لا يهمه الحفاظ على البيئة".


البلو هول مكان أسطوري يجذب عشاق المغامرة

رسالة من تحت الماء.. «البلو هول» مقبرة الغطاسين وجنة البحر الأحمر

تحولت منطقة البلوهول إلى علامة مميزة للسياحة في دهب، فهي تجمع بين سحر الطبيعة البحرية ومتعة الاستكشاف وروح المغامرة. ومع استمرار مشروعات التطوير البيئي، من المتوقع أن تصبح نموذجًا عالميًا في التوازن بين استغلال الموارد الطبيعية وصونها.

فالمنطقة تتميز بتنوع بيولوجي فريد؛ حيث تضم أنواعًا متعددة من الأسماك الملونة والكائنات البحرية، ما يجعلها مقصدًا للغواصين والمصورين تحت الماء، كما أن صفاء المياه وهدوء الطبيعة المحيطة يضفيان على المكان أجواءً مميزة تجعله لوحة طبيعية ساحرة.

وتسعى الحكومة المصرية بالتعاون مع المجتمع المحلي إلى تطوير المنطقة بما يحافظ على مقوماتها البيئية والسياحية، بالإضافة إلى رفع وعي الزوار بأهمية حماية الشعاب المرجانية، بجانب دعم مشروعات البنية التحتية والخدمات بما يوفر تجربة آمنة وممتعة للسائحين.


البلو هول مكان أسطوري يجذب عشاق المغامرة

التنوع البيولوجي في البلو هول أساس الجذب السياحي بدهب


 أكد الدكتور مجدي علام، الخبير البيئي، أن منطقة البلو هول بمدينة دهب تُعد واحدة من أهم المواقع البيئية الفريدة على مستوى البحر الأحمر والعالم، لما تتمتع به من تنوع بيولوجي نادر يشمل الشعاب المرجانية الصلبة واللينة، وأنواعًا متعددة من الأسماك والكائنات البحرية، إلى جانب تكوينها الجيولوجي الاستثنائي.

وأوضح علام أن هذا التنوع البيولوجي لا يمثل فقط قيمة علمية وبيئية، لكنه يشكل ركيزة رئيسية لدعم السياحة البيئية وسياحة الغوص في جنوب سيناء، حيث تُعد المنطقة مقصدًا عالميًا للغواصين والباحثين ومحبي السياحة الطبيعية، ما ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد المحلي وفرص العمل المرتبطة بالأنشطة السياحية.

وأشار الخبير البيئي إلى أن الحفاظ على التوازن البيئي داخل البلو هول يضمن استمرارية الجذب السياحي على المدى الطويل، مؤكدًا أن أي تراجع في صحة الشعاب المرجانية أو فقدان للتنوع الحيوي سينعكس سلبًا على سمعة الموقع عالميًا وعلى العائد السياحي لمصر.

وشدد الدكتور مجدي علام على أهمية تطبيق مفاهيم السياحة المستدامة داخل المنطقة، من خلال تنظيم أنشطة الغوص، والحد من الضغوط البشرية غير المنضبطة، وزيادة وعي الزائرين بأهمية حماية الشعاب المرجانية وعدم الإضرار بالنظام البيئي البحري.

واختتم علام تصريحاته بالتأكيد على أن البلو هول نموذج حي يثبت أن حماية التنوع البيولوجي ليست عائقًا أمام التنمية، بل هي الطريق الحقيقي لتعظيم الاستفادة الاقتصادية والسياحية، مع الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة في موارد طبيعية سليمة ومستدامة.


إجراءات متكاملة لحماية البلو هول بدهب


من جانبها، أكدت الدكتورة منال عوض، القائم بأعمال وزير البيئة، أن وزارة البيئة تولي منطقة البلو هول بمدينة دهب اهتمامًا خاصًا ضمن خططها لحماية النظم البيئية البحرية ذات القيمة العالمية، باعتبارها أحد أهم مواقع التنوع البيولوجي في البحر الأحمر وأحد أعمدة السياحة البيئية في مصر.

وأوضحت عوض أن الوزارة تعمل على تطبيق منظومة متكاملة لإدارة الموقع تشمل تنظيم أنشطة الغوص والزيارات السياحية، ووضع ضوابط واضحة لممارسة الأنشطة البحرية بما يحد من الضغوط البيئية على الشعاب المرجانية، مع الالتزام بالطاقة الاستيعابية الآمنة للموقع.

وأضافت القائم بأعمال وزير البيئة أن الوزارة تنفذ برامج رصد ومتابعة دورية للحالة البيئية للشعاب المرجانية والكائنات البحرية بالمنطقة، لرصد أي تغيرات أو ضغوط قد تؤثر على النظام البيئي، بما يضمن التدخل المبكر والحفاظ على استدامة الموارد الطبيعية.

كما أشارت الدكتورة منال عوض إلى أهمية رفع الوعي البيئي لدى الزائرين والغواصين وأصحاب الأنشطة السياحية، من خلال حملات توعوية وإرشادات بيئية، والتنسيق مع مراكز الغوص والجهات المحلية لتعزيز السلوكيات المسؤولة داخل الموقع.

وأكدت أن الوزارة تعمل بالتعاون مع الجهات المعنية على تعزيز تطبيق القوانين البيئية ومنع أي ممارسات ضارة، إلى جانب دعم جهود السياحة البيئية المستدامة التي تحقق التوازن بين حماية البيئة وتعظيم العائد الاقتصادي للمجتمعات المحلية.

وأكدت على أن الحفاظ على منطقة البلو هول يمثل استثمارًا طويل الأجل في ثروة طبيعية فريدة، ويعكس التزام الدولة بحماية التنوع البيولوجي ودعم السياحة المستدامة وفق المعايير الدولية.

مجهودات شبابية لحماية البلوهول

وفي سياق متصل، قال أرساني مجدي، أحد الشباب المقيمين بمدينة دهب والمشاركين في تنظيم حملات تطوعية لتنظيف الشواطئ، إن منطقة البلو هول تمثل جزءًا أساسيًا من هوية المدينة وطبيعتها التي يعيش عليها السكان ويعتمد عليها النشاط السياحي.

وأوضح أرساني أن حملات تنظيف الشاطئ التي ينظمها مع مجموعة من المتطوعين تهدف إلى تقليل المخلفات البلاستيكية والحفاظ على نقاء البيئة البحرية، مؤكدًا أن أبسط الممارسات اليومية يمكن أن يكون لها تأثير مباشر على صحة الشعاب المرجانية والكائنات البحرية.

وأضاف أن مشاركة الشباب والمجتمع المحلي في حماية البيئة تُعد عنصرًا مكملًا لجهود الدولة، مشيرًا إلى أن وعي الزائرين واحترامهم لطبيعة المكان يساهمان بشكل كبير في الحفاظ على جمال المنطقة واستمرارها كوجهة سياحية عالمية.

وأكد أرساني مجدي أن دهب تمتلك نموذجًا إيجابيًا للتعايش بين الإنسان والطبيعة، لافتًا إلى أن استمرار المبادرات التطوعية، إلى جانب دعم الجهات الرسمية، يساعد في نقل صورة حضارية عن السياحة البيئية في مصر.

الحل من الداخل

يكمن الحل في مبادرات أهالي دهب أنفسهم. "نحن كسكان المنطقة، نحاول حمايتها وإنقاذ الشعاب المرجانية". يتم ذلك عبر توعية الزوار "بأسلوب راقي"، موضحين لهم أن الحفاظ على البيئة هو مصدر دخلهم واستدامة سياحتهم. "الرغبة في التعلم كانت سريعة وملاحظة، وهذا ما جعل المنطقة تحافظ على تنوعها رغم زيادة أعداد الزوار".

مستقبل بين الجمال والمسؤولية

البلو هول في دهب ليست مجرد حفرة في قاع البحر، بل هي مختبر مصغر لتحديات عصرنا: كيف نستغل جمال الطبيعة دون أن ندمرها؟ هي قصة عن كيف يمكن للسياحة أن تكون سلاحاً ذا حدين، تدمر إذا تم إدارتها بعشوائية، وتنمي وتحمي إذا تم توجيهها بوعي ومسؤولية.

الشاهد الرخامي على الصخور لا يخلد فقط أسماء الغطاسين الذين رحلوا، بل يجب أن يكون تذكيراً لنا جميعاً بأن الحفاظ على كل شعاب مرجانية، وكل كائن بحري، هو الحفاظ على الروح التي تجعل من هذا المكان جنة تستحق الزيارة... جنة تبقى للأجيال القادمة.


البلو هول مكان أسطوري يجذب عشاق المغامرة

البلو هول مكان أسطوري يجذب عشاق المغامرة

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة