«بين قشتمر وقصر الزعفران والسرايا الصفرا».. كيف ظهرت «العباسية» في روايات نجيب محفوظ؟| صور

13-12-2025 | 11:06
;بين قشتمر وقصر الزعفران والسرايا الصفرا; كيف ظهرت ;العباسية; في روايات نجيب محفوظ؟| صورقصر الزعفران ـ أشهر قصور العباسية ومقر جامعة عين شمس
محمود الدسوقي

«العباسية في شبابها، واحة في قلب صحراء مترامية، في شرقيها تقف السرايات، وفي غربيها تتجاور البيوت الصغيرة المزهوة بحدائقها الخلفية، العباسية في ذلك الزمن كانت محاطة بأشجار النخيل والحناء وغابات التين الشوكي، تعيش بهدوء وسكينة يقطعها فقط أزيز الترام الأبيض في مسيرته ما بين مصر الجديدة والعتبة الخضراء، وصوت عازف الرباب المتسول الذي يطوف بشوارعها بجلباب حافياً وهو يشدو قائلاً: "آمنت لك يا دهر ورجعت خنتني».. بهذا التوصيف البديع والرائع لحي العباسية، استهل أديب نجيب روايته "قشتمر"، متحدثًا عن أحد أهم أحياء القاهرة. 

بدورها كشفت الدكتورة نادية طه عبد الفتاح، فى بحثها «العباسية لنجيب محفوظ: عدسة أدبية على التطور الحضري وإمكانيات السياحة»، عن أهمية أدب نجيب محفوظ فى في التوصيف الجغرافي والأثري لأحياء القاهرة، وقد نال حي العباسية نصيبه الوافر من رويات أديب نوبل العالمي. 

وقالت نادية طه عبد الفتاح، فى دراستها التى قدمتها فى مؤتمر «المدن التراثية....رؤية جديدة بين الأصالة والابتكار» والتي نظمته كلية الآثار بجامعة عين شمس، أن القاهرة ظلت عاصمةً خالدةً لمصر عبر عصورها الإسلامية المتعاقبة، وهي مكانةٌ حافظت عليها منذ نشأتها الفاطمية، بغض النظر عن تغيرات مقر الحكم، ويمثل امتدادها العمراني الحالي نسيجًا من عواصم تاريخية متعددة، منها: «الفسطاط» التي أسسها عمرو بن العاص عام ٢١ هـ/٦٤٢ م؛ و«العسكر» التي أسسها العباسيون عام ١٣٢ هـ/٧٥٠ م؛ والقطائع التي أسسها أحمد بن طولون عام ٢٥٦ هـ/٨٧٠ م.

وقد استطاع نجيب محفوظ أن يستفيد من سحر وتراث القاهرة، فتمكن من رسم صورة واقعية للوسط الشعبي المصري، مستخدمًا أحياء الحسين وخان الخليلي والجمالية والموسكي والعباسية، لتسليط الضوء على تراث القاهرة المادي والمعنوي، ونظرًا للدور المحوري للمواقع المرتبطة بالشخصيات المعروفة في صناعة التراث، فإن مواقع ميلاد الكُتّاب ومساكنهم ومواقع إبداعاتهم الأدبية الشهيرة تُعدّ ذات قيمة تراثية هامة، ومن الممكن ان تكون من المعالم السياحية القيّمة، كونها جزءًا لا يتجزأ من التراث الثقافي.

وتوضح نادية طه عبد الفتاح، أن نجيب محفوظ كان تركيزه الشديد على هذه المساحات الحضرية للقاهرة وأماكنها بالغ الأهمية، لدرجة أن رواياته التي تتناول هذا الموضوع دفعت النقاد إلى صياغة عبارات مثل "قاهرة نجيب محفوظ" أو "القاهرة كما رآها نجيب محفوظ".


مقهى قشتمر التاريخي

قشتمر 

فى رواياتيه  "قشتمر" و"مرايا"، كشف نجيب محفوظ أثر البيئة العمرانية الفريدة للعباسية على شخصيات رواياته الأدبية واهتماماته الموضوعية، فالعباسية ليست  حي تاريخي فحسب، بل لوحة فنية حية تتألق بعبقرية محفوظ الأدبية. 

إحياء العباسية من خلال التراث الأدبي

وتوضح نادية طه، أن الهدف الأساسي من البحث هو الاستفادة من التوثيق الأدبي لنجيب محفوظ للعباسية لاقتراح استراتيجيات قابلة للتنفيذ للحفاظ على التراث الحضري وتنمية السياحة الأدبية لحي العباسية، مع إبراز التراث المعماري المميز للعباسية والدفاع عنه، وتحديد المباني ذات الطراز الفريد لإدراجها في قوائم الحماية والحفاظ، واقتراح رؤية لتطوير وإعادة تأهيل شوارع العباسية والأماكن العامة بشكل استراتيجي، بما يضمن تنفيذ جميع مشاريع التجديد الحضري بما يتناسب مع مكانة الحي التاريخية والثقافية، ووضع إطار عمل لجعل جامعة عين شمس ومتحف قصر الزعفران من ضمن المقاصد الرئيسية للسياحة الأدبية التي تركز على إرث نجيب محفوظ في حي العباسية، مع تحديد دور كلية الآثار بجامعة عين شمس في مجال الترميم، وتشجيع مشاركتها الفعالة في البحث والتوثيق والحفاظ على التراث العمراني المادي للعباسية.

وأوصت نادية طه بضرورة تشجيع إحياء التراث الفكري للعباسية من خلال تشجيع إقامة الصالونات الثقافية والفعاليات الأدبية، في المقاهي التراثية مثل مقهى "قشتمر"، وذلك من خلال حثّ أعضاء هيئة التدريس في الجامعة خاصة أساتذة كلية الآداب في أقسام اللغات على إطلاق برامج تُعزز تقدير الطلاب للتراث الاجتماعي والثقافي لمقاهي الأحياء كمواقع تاريخية حيوية للتبادل الفكري، بدلًا من كونها مجرد أماكن اجتماعية.


رواية قشتمر لنجيب محفوظ

تاريخ التغير العمراني لحي العباسية

عندما بدأ السلطان الظاهر بيبرس تسيير أول محمل حاملاً كسوة الكعبة للأراضي الحجازية عام 675هـ، وكان المحمل يخترق شوارع القاهرة بداية من القلعة، وينتهي هذا السير في هذه المنطقةـ التي كانت تحمل اسم ممنطقة الحصوة، ثم أصبحت المنطقة تحمل اسم ميدان الكسوة، وكان المحمل ومعه الحجاج يبيتون ليلتهم الأولى في منطقة الحصوة، ثم تنتقل إلى البحر الأحمر حاملاً الكسوة، وذلك من أيام الظاهر بيبرس حتى أيام الملك فؤاد الأول، وعن سبب اسم المنطقة بالحصوة لأنها كانت تحتوي على الحصى أى الزلط ليقيموا به مباني القاهرة.

وتوضح نادية طه ، أن الفضل يعود في إنشاء حي العباسية بعد اكتشافها إلى ثالث ولاة مصر من أسرة محمد علي باشا، بعد المؤسس ثم إبراهيم باشا، وهو عباس حلمي الأول.


رواية المرايا لنجيب محفوظ

العباسية.. الاسم القديم والدلالة

اكتسبت المنطقة المعروفة في البداية باسم «الحصوة»، أهميةً كبيرةً عندما أمر محمد علي باشا ببناء سراي الحصوة (قصر الحصوة).

وقدشكّل هذا القرار بداية التطوير الرسمي للمنطقة، مما جعلها موقعًا محتملًا للتوسع خارج حدود القاهرة التقليدية.

رؤية عباس حلمي الأول.. حيّ جديد في القاهرة

كان الدافع لتأسيس هذا الحي نُصح عباس حلمي بالبحث عن هواء الحصوة الجافّ لعلاج مشاكله الصحية، مما دفعه إلى التردد على المنطقة لتمتعه بهواء جاف وسهولة الوصول إلى الموقع من القلعة (مركز السلطة)، وفي عام ١٨٥١م قرر بناء حي جديد سُمي العباسية فأصدر مرسوماً ببناء قصور على طراز معماري حديث بعيدًا عن "المباني القديمة والهواء غير الصحي" في القاهرة القديمة، كما أمر بأن تكون جميع المباني قصورًا أو منازل واسعة مخصصة للتوريث العائلي (وليس مجرد مساكن مؤقتة).

أنشأ عباس أيضًا ثكنات ومدارس عسكرية في المنطقة، وشق طرقًا سريعة تربطها بالقاهرة، وأمر بحفر قنوات مائية لتوفير المياه، مما سمح بالبناء السريع.

اشتهر الحي بمبانيه الفخمة، وفي مقدمتها المساكن الملكية، فقد بنى عباس حلمي الأول هذا المجمع وزيّنه، وبعد وفاة عباس حلمي الأول عام ١٨٥٤م، انتقلت الممتلكات (بما فيها سراي الحصوة وسراي العباسية) إلى ابنه إلهامي باشا، والجدير بالذكر أن فرديناند ديليسبس زار هذا القصر عام ١٨٥٥م لمناقشة مشروع قناة السويس.


عباس حلمي الأول مؤسس حي العباسية

وقد اشترى الخديو إسماعيل لاحقًا مجموعة "السرايات الخمس" من ورثة إلهامي باشا، مواصلاً بذلك تقاليد التواجد الملكي ببناء سراي الجبل الفاخر الخاص به وقصر لوالدته، هوشيار هانم، في المنطقة.

كانت السرايات الخمس الفخمة منفصلة عن قصر إلهامي باشا الخاص، وأصبح يُعرف فيما بعد بالبيت الأحمر (كما ذكره الجبرتي عام ١٨١٤)، حُوِّلت حديقته الرائعة، الأورمان، لاحقًا إلى مستشفى للأمراض النفسية، وهو تغييرٌ هامٌّ يُجسّد التطور العمراني للمنطقة.

وتضيف نادية طه ،التى قدمت خريطة تعود إلى عام 1901م تبين موقع قصر العباسية الذي تحول إلى مستشفى للأمراض النفسية والعصبية، بأنه لم يتبق من تلك القصور في حي العباسية غيرقصر الزعفران، وقد تحدث عنه علي باشا مبارك عند حديثه عن شغف الخديو إسماعيل بالبناء، والذي أمر بتشيد قصر الزعفران في العباسية عام ١٨٦٩م لوالدته خوشيار هانم، وفقًا للمؤرخ الرافعي  أقامت الوالدة باشا فيه مع حاشيتها الكبيرة، ثم غادرته بعد أن شيّد قصورًا فسيحة وفخمة مطلة على النيل في حي جاردن سيتي، كما يضم القصر ملحقًا يقع في الجهة الجنوبية من القصر الكبير، كان للأميرة نشئلة دل هانم، وهي إحدى زوجات الخديوي إسماعيل.


العباسية مطلع القرن العشرين

انتقال نجيب محفوظ لحي العباسية

وُلِد نجيب محفوظ (نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا)، الحائز على جائزة نوبل، في درب قرمز بحي الجمالية بالقاهرة عام 1911م، وشهد ثلاثة مناظر حضرية مميزة طوال حياته، ترك كل منها علامة لا تُمحى على أعماله الأدبية.

وبينما كانت الجمالية مسقط رأسه، كان انتقاله إلى العباسية عام 1920م، بعد ثورة 1919، هو الذي شكل خلفية حاسمة لفترات مهمة من حياته وكتاباته.

استقرت عائلة محفوظ في البداية في 9 شارع رضوان شكري، وامتلكوا منزلاً جديدًا في العباسية، والسبب في الإنتقال كما روى للناقد رجاء النقاش أيضاً أن العائلات الكبيرة في درب قرمز بدأت النزوح من المنطقة عائلة وراء الأخرى وبعد إنتقال الأعيان فقدت الحارة بهجتها وروحها، حيث عاشوا في 9 ش رضوان شكري بالعباسية وكانوا يملكون بيتاً جديداً، ولكن بعد وفاة والده قاموا ببيعه وتحول إلى عمارة.

ويذكر طارق الطاهر في كتابه «نجيب محفوظ بختم النسر.. سيرة تروى كاملة للمرة الأولى» أنه أثناء جمعه لأوراق رسمية خاصة بنجيب محفوظ وجد أن عنوان بيته قد تغير إلى 12 ش رضوان شكري بالعباسية، حيث أضطروا لتغيير مسكنهم بعد رحيل والده ويبيعوا بيتهم الذي اشتراه والده عام 1920م بألف جنيه، وذلك كما روى محفوظ للأديب جمال الغيطاني أن أسباب  البيع تتعلق بالإنفاق المالي، ومع ذلك، بعد وفاة والده، انتقلوا إلى شقة في 12 شارع رضوان شكري، واستمروا في إقامتهم في المنطقة.


العباسية مطلع القرن العشرين

المدرسة الحسينية 

تعلم محفوظ فى المدرسة الحسينية في العباسية، وقد وصف نجيب محفوظ حي العباسية، وعن وصفة لحي العباسية الذي انتقلوا إليه وتحديداً في الجهة الغربية من حي العباسية أن بيوتها نمطية صغيرة كل بيت له دور واحد وفي خلفيته حديقة صغيرة، وبجانب تلك البيوت الحقول الخضراء حتى منطقة حدائق القبة، وكان شارع أحمد سعيد المزدحم حالياً خالياً من أي نوع من العمران، وكله عبارة عن حدائق وأشجار.

وقد وفرت هذه الفترة الطويلة في العباسية لمحفوظ فهمًا عميقًا لشخصية الحي المتطورة وشوارعه وسكانه وديناميكياته الاجتماعية، حيث إنعكس ذلك على شخصية نجيب محفوظ الأدبية من خلال رواية قشتمر والتي يتحدث فيها عن فترة طويلة من تاريخ مصر من عام 1915- 1985م حيث يبدأ بتعارف مجموعة الأصدقاء في مدرسة البرامون الأولية في عام 1915م، وتنتهي بإحتفالاتهم في مقهى قشتمر بذكرى صدقاتهم السبعين، ونجد في هذه الرواية أن الراوي يقدم  العباسية ومقهى قشتمر والعلاقة المتينة بين الأصدقاء من خلال ضمير الغائب.


العباسية مطلع القرن العشرين

وتوضح نادية طه، أن قشتمر حالياً  يقع في ميدان قشتمر بحي الظاهر بالقرب من جامع السلطان الظاهر بيبرس البندقداري الذي استمد منه الحي اسمه، ويذكر المؤرخ المقريزي أن هناك أميراً اسمه سيف الدين قشتمر العجمي الذي قام باستئجار قطعة الأرض الموجودة خلف مسجد السلطان الظاهر بيبيرس من ديوانه التي هي ميدان قشتمر الآن فربما يرجع أسم الميدان والمقهى إلى هذا الأمير.

 كما وصف نجيب محفوظ  حي العباسية  بدقة في رواية«المرايا» أثناء حديثة عن شخصية جعفر خليل، وتقول نادية طه ،إنه من خلال سرد نجيب محفوظ  يعكس لنا الشكل الذي أسس عليه هذا الحي حيث لم يكن تأسيس حي العباسية مجرد صدفه، ولكن كان عملاً استراتيجياً للإبتكار الحضري بدافع من حكام أسرة محمد علي الذين سعوا إلى التحديث والتوجه نحو ابتكار حي جديد يتمتع بمناخ صحي أفضل من أحياء وحواري القاهرة القديمة.

وتضيف نادية طه أن حي العباسية يتمتع بقيمة تاريخية وأدبية عالية، وهو ثراءٌ جسّدته روايات نجيب محفوظ بدقة، والعباسية ليست مجرد مكان، بل هي سرديةٌ محوريةٌ في التاريخ والأدب المصري الحديث، وتؤكد الأدلة أن العباسية تزخر بثروة من الطرز المعمارية المميزة، وهي هياكل تُشكل روابط ملموسة، ويجب حمايتها.


السرايا الصفرا أو مستشفي الأمراض النفسية والعصبية

قصر الزعفران

يتمتع شارع رضوان شكري بقيمة أدبية عميقة، حيث كان المقر الثاني المحوري لنجيب محفوظ، ومصدر إلهام أساسي لارتباطه الوثيق بالحي، أما قصر الزعفران فمن أهم المعالم التاريخية في العباسية، لما يتمتع به من قيم وعظمة ويمكن الاستفادة منه كواجهة مركزية للسياحة الأدبية والمعمارية بجانب دوره كمتحف تعليمي.

وأوصت نادية طه عبد الفتاح فى بحثها، بضرورة االعمل على تطوير شارع رضوان شكري وسهولة الوصول إليه والاهتمام بجودته الجمالية، بما يتناسب مع أهميته التاريخية كمقر رئيسي لنجيب محفوظ ، مع تفعيل دور كلية الآثار وكذلك كليةالهندسة بجامعة عين شمس لإجراء مسح شامل لحصر وتوثيق جميع المباني ذات الطراز المعماري المميز في العباسية، حيث يجب أن يُشكل هذا التوثيق أساسًا لحفظ و حماية النسيج العمراني للحي.

وأكدت ضرورة العمل على تعاون جامعة عين شمس مع متحف نجيب محفوظ من أجل تطوير برامج مشتركة لزيادة وعي الطلاب والباحثين بأدب محفوظ وسياق حي العباسية في رواياته، وتشجيع زوار المتحف على استكشاف المقر الثاني لنجيب محفوظ مثل شارع رضوان شكري، ومقهى قشتمر، وقصر الزعفران، والتجول في حي العباسية للتعرف على المباني ذات الطراز المعماري المتميز، والاهتمام بزيادة الرقعة الخضراء بحي العباسية من أجل توفير هواء وتحسين الصورة الجمالية للحي من خلال إعادة إدخال المساحات الخضراء، لا سيما بين المباني الحديثة والمنازل والمحلات التجارية، فقد تأسست العباسية تاريخيًا على مبدأ توفير هواء نقي ومساحات مفتوحة بعيدًا عن مركز المدينة المزدحم، وعمل مسار لنجيب محفوظ يبدأ من محطة مترو عبده باشا وينتهي عند مقهى قستمر.


خريطة لمستشفى الأمراض النفسية والعصبية

العباسية في ذاكرة نجيب محفوظ

العباسية في ذاكرة نجيب محفوظ

الدكتورة نادية طه خلال إلقاء ورقتها البحثية
 

كلمات البحث