الحكاية التي تخفيها منصات التتويج

11-12-2025 | 18:12

حين تلمع ميدالية على صدر لاعب، تتجه صوبها العيون قبل أن تلتفت إلى صاحبها، كأن القطعة المعدنية تختصر الحكاية كلها، مع أن القليل فقط يدركون أن هذا اللمعان صُهر من رحلة طويلة امتلأت بالتعب والحرمان والصلابة. 

فالحقيقة أن ما يلمع أمام الناس ليس سوى آخر سطر في قصة بدأت منذ سنوات، قصة حملت في طياتها إرادة طفل لم يبلغ بعد عمر الأحلام الكبيرة، لكنه يعيشها بكامل طاقته، وتعب أب وسهر أم، وميثاق شرف غير مكتوب عقدته أسرة كاملة مع حلمها.

خلف كل تتويج حكاية لا يراها معظم الناس، فهناك أم قد يغلبها النوم في صالة التدريب من شدة الإرهاق، لكنها تقاوم لتظل قريبة من صغيرها، تمنحه ابتسامة صغيرة كلما التفت إليها، وتخفي في داخلها قلقًا يكفي لإضاءة ليل كامل. 

وهناك أيضًا أبٌ يخرج من عمله مرهقًا لكنه لا يذهب إلى بيته، بل يبدّل طريقه ليصل إلى النادي قبل أن يفوته التدريب، يركض بقلبه قبل قدميه، كأنه يخشى أن يتأخر حلم ابنه لحظة واحدة. 

وهناك طفل يعود من المدرسة بوجه باهت وجسد مرهق، تلقمه أمه طعامه على عتبة البيت كي يلحق تدريبه، يحمل حقيبته على كتفين صغيرين يشبهان بوابة يخرج منها المستقبل، يصل إلى النادي فينسى التعب ويستعيد حلمه، يكتب واجباته بين التمارين، ويكرر حفظ درس لم يجد وقتًا لاستيعابه في المدرسة، يعيش نصف طفولته على الطريق والنصف الآخر في صالة التدريب.

وحين يأتي يوم البطولة، يتبدل كل شيء، الطفل الذي اعتاد أن يركض نحو حلمه، يركض اليوم وهو يحبس خوفه في قلبه حتى لا يراه أحد.. أمه تقف بجانبه، وعلى وجهها ابتسامة ثابتة تخفي اضطرابًا يشبه تقلب صفحة في مهب الريح، وأب يراقب بصمت، يمسك بالأمل في داخله كمن يمسك بقبضة من الضوء. 

لحظة الفوز ليست لحظته وحده، بل لحظة الأسرة كلها، لحظة تلتقي فيها الدموع بالفخر، ويتحول فيها الزمن إلى مكافأة.

وفوق كل منصة تُتوِّج بطلًا يقف المدرب خلفها، وهنا أتكلم عن المدرب الحقيقي- ذلك المهندس الذي صقل الإرادة وحول الطاقة الخام إلى أداء احترافي، الرجل الذي أرهق صوته في التوجيه وأتعب قلبه في الانتظار، مؤمنًا بأن كل خطوة يخطوها هذا الطفل تحمل جزءًا من روحه هو أيضًا.

كل خطوة، كل منصة، كل ميدالية، تتحول إلى شهادة تقدير غير مكتوبة لأم وأب ومدرب وطفل عرفوا جميعًا أن الطريق أثمن من الذهب نفسه. 

وعندما ينتهي كل شيء ويُعلّق الطفل ميداليته، يقف الناس أمام الصورة، ويتمنون لأنفسهم ما يرونه من لمعان، بينما اللمعان الحقيقي كان في الأيام التي لم يروها.. لذلك، حين ترى طفلًا يحمل ميدالية، قل بصدق «بسم الله ما شاء الله، وتمنَّى له ولأهله البركة»، فربما تصل إليك نعمة تمنيتها لغيرك بقلب نقي. 

البطل هنا ليس طفلًا فقط، بل أسرةٌ أعادت ترتيب حياتها لتصنع لحظة فخر واحدة، لحظة يلمع فيها العرق قبل المعدن، والجهد قبل التتويج، والحب قبل كل شيء، ولأن الحكايات العظيمة لا تُكتب بالمعدن، بل بالقلوب، تبقى هذه الحكاية أكبر من أي منصة وأعمق من أي ميدالية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
وليمة في بطن الحوت

تلتقط عدسات المصورين صورًا، لجثث أو ناجين من قوارب قديمة أو متهالكة مكتظة براغبي الهجرة، وروايات مبكية يسطر فصولها الناجون من الموت لذويهم ووسائل الإعلام..