دعوة امرأة عمران لابنتها خلدها القرآن الكريم، وقد نذرت في دعائها أن يكون ما في أحشائها عابدًا خالصًا لوجه الله تعالى، وأن يكون خادمًا للبيت المقدس. ولذا كل من يعيش في أكناف بيت المقدس يتوحد مع جلال روحانياته، ويصبح جزءًا لا يتجزأ منه. وهذا العشق يحرره من أي شائبة في نفسه تقف حائلًا أمام صدق نيته مع خالقه. هكذا صار دعاء أم مريم ورسالات الأنبياء في رحاب الأرض المقدسة وقودًا للمرابطين.
ولا يجد المحتل مفرًا بعد مرور 75 سنة، ويقر بقدسية هذه العلاقة الوطيدة بين شعب وأرضه، وجسدها في عنوان افتتاحية صحيفة هآرتس الإسرائيلية، أكبر صحف دولة الكيان، ويقول العنوان: "الفلسطينيون أفضل شعوب الأرض في الدفاع عن وطنهم".
ويضع كاتب الافتتاحية يديه على مأساة دولته خلال عامين من نضال شعب، ويكشف أن خسارة الكيان كانت وقت الحرب على غزة تتعدى الـ 912 مليون دولار كل ثلاث أيام، وتشمل ضربات الطيران وثمن صواريخ الباتريوت وغير الذخائر والأسلحة الذكية، فضلًا عن شلل الحركة التجارية وتعطيل معظم المؤسسات الإسرائيلية.
وتعترف الصحيفة بشكل علني أن الفلسطينيين فعلًا أصحاب أرض، وأعقبت اعترافها بأن السبب يرجع إلى بذل دمائهم يوميًا، وتقديم أموالهم وأولادهم في سبيل أرضهم بشراسة وكبرياء. ويردف الكاتب قائلًا: "أنا كيهودي أتحدى أن تأتي دولة إسرائيل برمتها بمثل هذا الانتماء"، وإذ بنا نشاهد هجرة اليهود بأعداد كبيرة في المطارات، بينما الجيش الإسرائيلي يذيق الفلسطينيين ويلات القتل والتشريد والحصار، ولم يقتصر على هذا بل أغرقهم بكل أنواع المخدرات.
ولكن الشعب الفلسطيني صمد كعادته، فقد واجه على مدار التاريخ غارات من شَتَّى الأعداء على أرضه، وخرجوا منها، وظل شعبها شامخًا، وهو ما يعلمه العدو الإسرائيلي ويحاول غض الطرف عنه. والسر أن دعوات أم مريم وأنبياء الأرض المقدسة ظلت وقودًا يلهم الفلسطينيين على مدار 75 عامًا، وتحدوا المشروع الصهيوني المخطط له بطردهم وهدم المسجد الأقصى، وزادتهم حروب الإبادة تمسكًا بأرضهم، ولم تَلِنْ عزيمتهم عن الصلاة في المسجد الأقصى. وما يثير أيضًا العقل والرأي العام العالمي صمود المرأة الفلسطينية أمام مشهد نعوش أبنائها الشهداء.
ولن تَكُون افتتاحية هآرتس الإقرار الوحيد بانتهاء الحلم الإسرائيلي. في عام 2008 تحدث إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل الأسبق خلال اجتماع حكومته عن انتهاء فكرة أرض إسرائيل الكبرى، وقال: "من ينفي ذلك يوهم نفسه". وتتوالى النبوءات عن حتمية سقوط الكيان.
ولا يعني أن تلك النبوءات تجعل حكماء إسرائيل وقادتها تستسلم، لكنهم يسابقون الزمن، ويدمرون منازل ومساجد ومتاجر سكان الضفة الغربية والاعتداء عليهم، ويقلعون أشجار الزيتون، لكي يتسنى لهم التوسع في بناء المستوطنات، ويتخطون القرار الأمريكي الخاص بوقف التوسع الاستيطاني.
ونعود إلى افتتاحية صحيفة هآرتس، ويختم كاتبها بقوله: "من الأفضل التخلي عن حلمنا الزائف بإسرائيل الكبرى.. وعلينا السعي لإقامة دولة جارة للفلسطينيين.. مما قد يطيل عمر بقائنا إلى وقت بعث الفلسطيني من جديد"، ونقول له: عسى أن يكون بعثه قريبًا تحت ظلل من دعوات أم مريم والرسل.
[email protected]