سانا: قسد تشن هجوما بطائرة انتحارية على الأحياء السكنية في قرية الطيبة بمدينة الميادين شرق دير الزور | حظك اليوم وتوقعات الأبراج.. الأحد 18 يناير 2026 مهنيًا وماليًا وعاطفيًا واجتماعيًا | رويترز عن بلومبرج: ترامب يطالب الدول التي تريد البقاء في مجلس السلام بشأن غزة بدفع مليار دولار | عمرو مصطفى يتوج بالجائزة الفخرية في Joy Awards ويشكر مصر والسعودية | ماجد الكدواني يفوز بجائزة أفضل ممثل في Joy Awards ويشيد بأحمد مالك والجمهور السعودي | محمد ثروت لـ«بوابة الأهرام»: أدوار متنوعة في رمضان وفيلم "شمس الزناتي" مع محمد عادل إمام| فيديو | سارة وفيق لـ «بوابة الأهرام»: ترشيح "ريستارت" لجائزة Joy Awards يضيف نجاحاً جديداً للفيلم| فيديو | أكسيوس عن مسؤول أمريكي: لم يتم التشاور مع نتنياهو بشأن تشكيل لجنة إدارة غزة لأنه أمر لا يخصه | عصام عمر يروج لمسلسله الجديد "بطل العالم" قبل العرض المرتقب | سفير مصر بجنوب إفريقيا يهنئ الأقباط بعيد الغطاس والميلاد من جوهانسبرج |
11-12-2025 | 15:08

ظاهرة التحرش هي واحدة من أخطر الآفات الاجتماعية والسلوكية التي تفتك بأمن وسلامة الأفراد، وتترك ندوبًا عميقة في نسيج المجتمع. إنها ليست مجرد مضايقة عابرة، بل هي اعتداء صارخٌ على الحقوق الأساسية للإنسان في الكرامة، والأمان، والخصوصية. تتطلب محاربة هذه الظاهرة تضافر الجهود القانونية، الدينية، الاجتماعية، والتربوية لإحداث تغيير جذري في الوعي والسلوك العام.

فالتحرش يعرف بأنه أي شكل من أشكال السلوك غير المرغوب فيه، الذي يتسم بالطبيعة الجنسية أو العنصرية أو القائمة على التمييز، ويُحدث إزعاجًا أو مضايقة أو إهانة للطرف الآخر، أو ينتهك كرامته ويخلق بيئة معادية ومخيفة أو مهينة. الأهم في تعريف التحرش هو أنه فعل غير متبادل أو غير مرحب به من قبل الضحية، ويعكس استغلالاً للقوة أو السلطة في كثير من الأحيان.

وللتحرش أشكال وصور عدة، منها على سبيل المثال: التحرش اللفظي، التحرش غير اللفظي أو البصري، التحرش الجسدي، التحرش الإلكتروني من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية لملاحقة الضحية أو من خلال نشر الشائعات أو الصور المسيئة أو التهديدات على الإنترنت، وأيضًا التحرش البيئي الذي يحدث عادة في بيئة العمل أو الدراسة، حيث يتم ربط الحصول على ميزة أو الترقية بالاستجابة لطلب جنسي (المقايضة).

وللتحرش أحكام قانونية ودينية، فقد وقفت كل من القوانين الوضعية والأديان السماوية، وخاصة الإسلام، موقفًا حاسمًا ورافضًا للتحرش، واعتبرته جريمة تستوجب العقاب الرادع.

فمن الناحية القانونية تعمل معظم الدول على تجريم التحرش بجميع أنواعه. وتهدف القوانين إلى حماية الضحايا وتوفير البيئة الآمنة لسلامة المواطنين واستقرار بُنْيَةِ المجتمع. أما الأحكام الدينية فنجد مثلًا أن الإسلام ينظر إلى التحرش على أنه منكر واعتداء على حدود الله وحرمات الآخرين. يستند التجريم الديني إلى مبادئ حفظ الأعراض، وصيانة الكرامة، وغض البصر، ومنع الفساد في المجتمع.

ومن ناحية أخرى نجد أن التحرش يترك آثارًا سلبية مدمرة لا تقتصر على لحظة وقوع الجريمة، بل تمتد لتطال الجوانب النفسية والاجتماعية والمهنية للضحية؛ فيصيب الإنسان بالقلق والاكتئاب، اضطراب ما بعد الصدمة، الخوف وانعدام الثقة في الآخرين. ويترتب على كل ما سبق أن الضحية أصبحت بعد وقوع الجريمة تميل إلى العزلة والانسحاب، وتراجع الأداء المهني والعملي والدراسي بالنسبة للطلاب. كما يترتب على التحرش أيضًا تغيير نمط الحياة؛ فقد تضطر الضحية إلى ترك العمل أو المدرسة أو تغيير مسكنها هربًا من المتحرش أو من الذكريات المرتبطة به.

ولمكافحة مثل هذه النوعية من الجرائم البشعة، وأَقْصِدُ هنا التحرش، يتطلب ذلك الأمر إستراتيجية متكاملة تهدف إلى تغيير الثقافة السائدة من ثقافة "لوم الضحية" إلى ثقافة "مساءلة المتحرش". ولابد أن يكون لتطبيق ذلك آلية محددة وواضحة لجميع أفراد المجتمع من خلال: التربية والتعليم في المناهج الدراسية منذ مراحل الطفولة المبكرة، الوعي الإعلامي واستخدام وسائل الإعلام والدراما لتقديم رسائل واضحة تناهض التحرش وتظهر آثاره المدمرة، وكذلك خلق البيئة الآمنة؛ فعلى المؤسسات العامة مثل المدارس، الجامعات، أماكن العمل إنشاء آليات للإبلاغ السري والآمن عن حوادث التحرش، وتقديم الدعم النفسي والقانوني للضحايا.

ولكي يتم تطبيق الأمور سالفة الذكر، لابد من وجود جهات مختصة لتنفيذ ذلك مثل: الجهات التشريعية والقضائية من خلال سن وتعديل القوانين لتكون أكثر ردعًا وحماية للضحايا، وضمان سرعة وفاعلية تطبيق الأحكام، وزارة التربية والتعليم لإدراج برامج توعية إلزامية حول السلوكيات الآمنة وحقوق الأفراد واحترام الحدود، المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية من خلال المساجد والكنائس وتوجيه الخطاب الديني نحو التوعية بخطورة التحرش باعتباره ذنبًا واعتداءً، والتأكيد على حماية المرأة والطفل، كذلك المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية لابد من تقديم الدعم النفسي والقانوني للضحايا، وإطلاق حملات التوعية، وتوفير خطوط ساخنة للإبلاغ والمشورة، وأيضًا وسائل الإعلام والمنصات الإلكترونية الهادفة عليها الالتزام بمدونة سلوك أخلاقية لنشر المحتوى، ومحاربة الصور النمطية، والتعاون في ملاحقة المتحرشين إلكترونيًا.

إن أخطر أشكال التحرش وأكثرها فتكًا بالمجتمع هو التحرش بالأطفال. فالطفل هو الكيان الأضعف والأكثر هشاشة، ولا يمتلك الأدوات المعرفية والنفسية الكافية لفهم ما يحدث له أو كيفية التعامل معه.

إن خطورة التحرش بالأطفال تكمن في عدة صور وأشكال مثل: الدمار النفسي طويل الأمد، حيث تتحول الصدمة في الطفولة إلى اضطرابات سلوكية وشخصية مزمنة (كالقلق الحاد، العزلة، السلوكيات المدمرة للذات) تستمر مع الطفل حتى البلوغ، وتعيق قدرته على تكوين علاقات صحية، وهز كيانَ المجتمع؛ فعندما يفقد أفراد المجتمع الثقة في الأمان الذي توفره البيئة المحيطة، فإن الترابط الاجتماعي يتفكك، وتسود ثقافة الخوف والريبة بين الأسر والجيران.

لذا بات على كل فرد في المجتمع أن يدرك تمامًا أن التحرش ليس سلوكًا عابرًا، بل هو إرهاب نفسي وجريمة متكاملة الأركان، فيجب أن نزرع في أطفالنا ثقافة "الجسد لي وحدي" وأن نُعلمهم التمييز بين اللمسة الآمنة وغير الآمنة. على الأهل والمربين والمشرعين أن يكونوا الحصن المنيع الذي يحمي براءة الأجيال القادمة.

صمتنا يعني مشاركتنا في الجريمة. فلنرفع أصواتنا وننبذ التحرش بجميع أشكاله، ليكون مجتمعنا آمنًا وكريمًا للجميع؛ لأن مثل هذه النوعية من الجرائم، ونحن نعيش في الألفية الجديدة، أصبحت وصمةَ عارٍ.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة