في حديثه عن حرفته وأدواته الداخلية، وصل أنتوني هوبكنز إلى جوهر فلسفته في التمثيل وهو السيطرة الكاملة على الخشبة.
موضوعات مقترحة
وبعد أن استعاد تجاربه الأولى مع الخوف والارتباك، في ندوة حوارية أقيمت ضمن فعاليات الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، كشف السير أنتوني هوبكنز أن سر قوته يكمن في الإعداد الصارم والمعرفة الكاملة بالدور، ليصل إلى اللحظة التي يقول فيها بثقة مطلقة: «عندما أكون على المسرح… أكون ملكا.»
وتحدث أنتوني هوبكنز عن جانب شخصي وعميق من تكوينه النفسي، موضحا أن جزءًا من “التحفظ” أو “الكتمان” الذي يميز أداءه يأتي من داخله، قائلاً: "لطالما شعرت بعدم ارتياح داخلي… أفكر في والدي في ويلز، وأدرك أنني كنت دائما متأثرا بالحزن، الكبت لا يعني أنني سأفقد السيطرة أو أمرض، لكنه نوع من الاحتواء… وأنا أجيد ذلك."
وأوضح أنه منذ طفولته كان يلجأ إلى الصمت والقوة الهادئة كوسيلة للبقاء:"عندما كنت طفلا في المدرسة، كان المدرسون وقتها مسموحا لهم أن يضربونا. لم أكن جيدا في الدراسة، وكانوا يدفعونني ويصرخون… وكنت فقط أحدق في أعينهم، وهذا كان يجننهم. حتى البلطجي الكبير في المدرسة، وضعني في الزاوية، وكنت أحدق فيه بينما يهزني… وقلت له: هل تشعر بتحسن الآن؟"
ويرى هوبكنز أن هذا النوع من “الثبات” هو جزء من البقاء، وهو ما طبقه لاحقا على شخصية هانيبال ليكتر.
ثم استعاد نصيحة تلقاها أثناء تحضيره لشخصيات تعتمد على الحضور الصامت، مشيرا إلى رجل كان يعمل كبير خدم لدى ملكة بريطانيا، وكان مستشارا في أحد الأفلام: "قال لي: سر مهنة كبير الخدم أن تكون غير مرئي… أن تتصرف وكأنك لست موجودا، فقط تراجع خطوة، ودع الآخرين يتوقعون حضورك دون أن تفرضه."
وأضاف أن هذا الأسلوب يمنحك قوة لأنها تثير جنون من أمامك حين لا يحصلون منك على رد، مستشهدا بمقطع شعري يحبه: "لا تتكلم… اختبئ ودع أفكارك مشتعلة داخلك مثل نجوم في سماء صافية. لا تكشف شيئًا… الصمت ذاته متعة."
وقال هوبكنز إن هذا المبدأ لازمه طوال مسيرته، قبل أن ينتقل إلى ذكر ذكريات بداياته في السينما: "أول فيلم شاركت فيه كان مع بيتر أوتول وكاثرين هيبورن… لا أعرف لماذا اختاروني، لكنها كانت أول مرة أسمع فيها من هيبورن نصائح حقيقية عن التمثيل والحضور".
وتطرّق أنتوني هوبكنز إلى بداياته في المسرح، موضحا كيف شكلت مشاعره وانعدام ثقته بنفسه جزءا أساسيا من تكوينه الفني: "عندما كنت شابا في المسرح، كانت لدي الكثير من الهواجس… كطفل وشاب تعرض للتنمر والانتقاد، كنت دائما أشعر بأن علي أن أثبت نفسي."
وأضاف أنه واجه مخرجين قساة وغير صبورين، وكان رد فعله في بداياته حادا، لكنه تعلم درسا مهما غير مساره: "كنت أشارك في مسرحية (Major Barbara) لبرنارد شو، في دور لم أكن مستعدا له لأنني كنت أصغر من الشخصية بكثير. لكن المخرج منحني الدور. وفكرت: الطريقة الوحيدة للنجاة هي أن أحفظ الدور بالكامل، حرفيا."
وأوضح هوبكنز أن إتقان النص بالكامل أصبح “الحيلة الذهبية” في مسيرته:"عندما تعرف ما تفعله… لا يمكن لأحد أن يهاجمك. قد يحاولون، لكنك تعرف عملك. لذلك كنت أراجع النص مئات المرات، أكتبه وأعيد كتابته، حتى يصبح في ذاكرتي بالكامل."
وأشار إلى أن هذا الإتقان يمنح الممثل حرية كاملة أثناء الأداء: "حين يصبح النص جزءا منك، يصبح العقل والجسد والجهاز العصبي قادرين على الانسياب… هذه هي الطريقة التي صنعت بها مسيرتي."
واختتم بمقولة يستشهد بها دائما من عازف البيانو الشهير فلاديمير هورويتز:"سأله المذيع: أنت تعزف بلا أخطاء تقريبا… كيف ذلك؟ فأجاب: أنا بشر، أخطئ، لكن عندما أكون على المسرح… أكون ملكا."
أنتوني هوبكنز: إتقانك لدورك يحولك لملك على الخشبة ولا أحد يجرؤ على انتقادك