مُنذُ فترةٍ طويلةٍ ظهرَ مُصطلحُ عصرِ السرعةِ. لم نكُنْ نتخيَّلُ أن يبسُطَ علينا هذا المفهومُ الجديدُ ظلالَهُ ويترُكَ أثرَهُ بتلكَ السرعةِ المُذهلةِ، سرعةٍ جعلتْ شبابَنا يتنصَّلُ مِنْ بعضِ قِيَمِهِ التربويَّةِ التي تربَّى عليها، يسخَرُ منها ومِنْ هُدُوءٍ يُصاحبُ حديثَنا معَهُ، يُقلِّلُ مِنْ قيمةِ الاستماعِ والإصغاءِ إلينا، كأنَّنا نُعاديهِ ونُعلِنُ الحربَ عليهِ.
في السنواتِ القليلةِ الماضيةِ كنتُ قد قرَّرتُ الانفصالَ عن هذا الواقعِ الغريبِ الذي نسَجَ خُيُوطَهُ مِنْ حولِنا، اعتكفتُ داخلَ شرنقةِ اللا مُبالاةِ بما يحدُثُ وما يُخالفُ ما تربَّيتُ عليهِ، راضيةً كلَّ الرضا عن قراري، مُعتبرةً أنَّهُ جزءٌ مِنْ سلامي النفسيِّ، سلامٍ أستحقُّهُ بعدَ معاناتي الطويلةِ في مشوارِ حياتي المُثقَلِ بالأعباءِ والمسئوليَّةِ. جدَّتْ أُمورٌ أخرى في حياتي جعلتْني في قلبِ دُنيا التواصلِ الاجتماعيِّ، أَرقُبُ وأُراقِبُ كلَّ ما يدورُ مِنْ حولي، رأيتُ اختلافًا يُسمِّيهِ أَغلَبُنا مِنْ وجهةِ نظرِهِ عَبَثًا مُنحدِرًا مِنْ أثرِ عولمةٍ مُجهِدةٍ ومُرهِقةٍ.
رأيتُ شبابًا يبحثُ عن هويَّةٍ تُمثِّلُهُ، يبحثُ عن قُدوةٍ تدعمُهُ تُسانِدُهُ، وحينَ لم يجِدْ ما يُريدُهُ يلجأُ بعدَها فورًا إلى التَّهكُّمِ، يسخَرُ مِنْ أناسٍ لا يشعُرونَ بهِ ولا يقرأُونَ تفاصيلَ معاناتِهِ، إنَّهُ المُغترِبُ داخلَ حُدودِ نفسِهِ ومُجتمعِهِ، المُقيمُ قسرًا في سجنِ وحدتِهِ وخلفَ قُضبانِ قَدَرِهِ، يُعانِدُ كلَّ شيءٍ وأيَّ أحدٍ بلا سببٍ ودونَ داعٍ. تعِبْنا ونحنُ نُتابِعُ ونرى، ثمَّ نعودُ بلا تفسيرٍ لهذهِ الحالةِ وتلكَ الظاهرةِ.
تَعَمَّدتُ أن أُحادِثَ بعضَهم مِمَّنْ تربطُني بِهِم صِلةٌ ما، قلتُ في نفسي: لعلَّ واحدًا مِنْ هذا الجيلِ سيصدُقُني القولَ، سيطمئنُ لي ويسرُدُ ما يمُرُّ وما يستقرُّ بخاطرِهِ، منحتُهُ وقتًا كافيًا للحديثِ اتفقتُ معَهُ عليهِ، ووعدتُهُ بأنْ أُصغِيَ إليهِ وألَّا أُقاطِعَهُ. تعجَّبَ هو واندَهَشَ، فهلْ هناكَ مَن يهتمُّ بحديثِهِ أو يُفكِّرُ في الاستماعِ إليهِ؟ هلْ هناكَ مَن يتحمَّلُ ذلكَ؟ مَن يمُدُّ إليهِ يدَهُ ليحتويَهُ باتِّفاقٍ غيرِ مشروطٍ؟ إنَّهُ عَجَبُ العُجابِ بالنسبةِ لهُ.
ومِنْ خلالِ حديثِهِ تمكَّنتُ مِنْ وضعِ يدي على مُشكلتِهِ الأُولى، عن سببِ عُزوفِهِ وعُزوفِ الشبابِ -أغلَبُهم- عنِ الحديثِ مع مَن هُمْ أكبرُ منهم سِنًّا، مَن هُمْ أكثرُ منهم خِبرةً. وجدتُ تفسيرًا لسببِ الابتعادِ عن مُناقشتِنا، فهم يرَوْنَ أنَّ حديثَنا المُطوَّلَ المُكتَظَّ بالنصائحِ المُوجَّهةِ والموعظةِ الدائمةِ يُثيرُ حفيظتَهم، فهو بالنسبةِ لهم حديثٌ فارغٌ مِنَ القيمةِ، لا فائدةَ منهُ ولا جدوى، تعرَّفتُ على سببِ صَمِّهمْ آذانَهم عن حديثِ أهلٍ وعائلةٍ.
بدأَ حديثَهُ بشكوى مِنْ أنَّ الكبارَ لا يَرَونَهُ سوى طفلٍ لا يَفقَهُ شيئًا، يُصِرُّونَ على وضعِهِ في موضعٍ لا يُناسِبُهُ، يَصفُونَهُ بالأَرعَنِ غيرِ المسئولِ. ثمَّ استطرَدَ في حديثِهِ وقالَ: "هلْ وضعُوني في زاويةِ الرجالِ ذاتَ مرَّةٍ وراقبُوا ردَّةَ فعلي على شيءٍ، يمكنُهمُ الحكمُ بعدَهُ على تصرُّفاتي تُجاهَ بعضِ الأُمورِ الشائكةِ؟ لقد كانتْ أحكامُهم سابقةً دائمًا لاختباراتِهم، إذَنْ كيفَ أُنبِئُهم بما لَدَيَّ مِنْ عقلٍ راجحٍ يُمكِّنُهم مِنَ الثقةِ بي ومِنَ الاعتمادِ عليَّ؟"
ويستمِرُّ الحديثُ الطويلُ بيني وبينَهُ، بينَ مَن قرَّرتُ أن أَمنَحَهُ الفرصةَ الكاملةَ لسماعِهِ والحكمِ عليهِ بحُكمٍ مُنصِفٍ، أفهمُ مِنْ خلالِهِ أبعادَ شخصيَّتِهِ وأحكُمُ عليهِ بموضوعيَّةٍ دونَ تحيُّزٍ أو مُقارنةٍ. لقد وجدتُ مِنْ بينِ كلماتِهِ حديثَ رَجُلٍ راشدٍ، عاقلٍ، مُدرِكٍ لِما يدورُ حولَهُ، يبحثُ فقط عن فرصةٍ ويَعِدُ بأن يُقدِّمَ كلَّ ما في وُسعِهِ. آفةُ أنفُسِنا هي التعميمُ وإن كانَ في غيرِ موضِعِهِ أو مَحَلِّهِ.
رُبما أخطأنا حينَ أغلقْنا السمعَ عنهم، عن هؤلاءِ الذينَ تُحاوِطُهُمُ الفِتَنُ مِنْ كلِّ جانبٍ، تودُّ أن تَطرَحَهُم أرضًا لِتَعبرَ مِنْ فوقِ أجسادِهم، تتَّبِعُهم مِنْ كلِّ مَنفَذٍ. رُبما كانَ حُكمُنا عليهم جائرًا ونحنُ لا ندري عن حيثيّاتِهِ شيئًا. تعالَوْا نُسمِّي الأمورَ بأسمائِها ونعترفْ بأنَّ هناكَ تقصيرًا مِنَّا تُجاهَ هؤلاءِ الذينَ كانتْ أقدَارُهم أصعبَ وأشدَّ مِنْ أقدَارِنا التي مرَّتْ علينا نحنُ.
تعالَوْا نمنحْهم فرصةً أخرى لفهمِهم كما يجبُ، نُثني على كلِّ فعلٍ سديدٍ يَفعلونَهُ، نُحيِّي بداخلِهمُ الأملَ ولو بكلمةٍ، نُربِّتْ على أكتافِهم المُثقَلةِ بهُمُومِ مُستقبلٍ لم تتَّضِحْ لَهم بعدُ معالمُهُ، إنَّهم في حاجةٍ إلى شفقةٍ ورحمةٍ، في حاجةٍ لالتماسِ أعذارٍ. هُم ليسُوا في حاجةٍ إلى النصائحِ المُباشِرةِ التي نَكيلُها لَهم ليلًا ونهارًا، وليسُوا في حاجةٍ لكلماتٍ مُقتَضَبةٍ.
لن يزيدَهم صُراخُنا إلَّا تَعنُّتًا وعِنادًا، وإعراضًا يليهِ انفصالٌ كاملٌ عن واقعٍ لا يشعُرُ بِهم ولا يرحمُهم، واقعٍ ما زالَ يعكسُ أطلالَ زمنٍ لا ولن يُمثِّلَهم.