على الرغمِ مِنَ الصرخاتِ المؤلمةِ التي يُطلِقُها أصحابُ المعاشاتِ مِنَ انخفاضِ قيمةِ معاشِ الغالبيَّةِ العُظمى منهم، والآلامِ التي تقضُّ مضاجعَهم مِنْ كثرةِ احتياجِهم؛ لأنَّهم عاجزونَ عن تلبيةِ احتياجاتِهم مِنْ دواءٍ وكساءٍ، وقِصَرِ يدِهم عن توفيرِ مُستلزَماتِ مَن يَعُولُونهم في ظلِّ الظروفِ الاقتصاديَّةِ الصعبةِ وحالةِ التضخُّمِ الموجودةِ حاليًّا والأسعارِ المُلتهبةِ في كلِّ السلعِ الغذائيَّةِ وغيرِ الغذائيَّةِ، والزيادةِ في كلِّ أسعارِ رُسُومِ الخدماتِ.
كلُّ ذلكَ لم يجِدْ صدى لَدى المختصِّينَ لرفعِ هذا العبءِ الثقيلِ والكابُوسِ المُزعِجِ عن هؤلاءِ الذينَ أفنَوْا زهرةَ شبابِهم وانقضَى مُعظَمُ عمرِهم في الخدمةِ الوظيفيَّةِ، بالعملِ على رفعِ هذا المعاشِ إلى الحدِّ الذي يضمنُ لَهم حياةً كريمةً تحفَظُ لهم كرامتَهم ويصونُ كبرياءَهم مِنْ ذُلِّ العَوَزِ وأنينِ العجزِ، في مواجهةِ صعوبةِ الحياةِ اليوميَّةِ لتوفيرِ على الأقلِّ مِنْ احتياجاتِهم الأساسيَّةِ.
والكلُّ يَعلمُ أنَّ أصحابَ المعاشاتِ يصلُ عددُهم حتى الآنَ إلى أكثرَ مِنْ 11 مليونَ مُوظَّفٍ سابقٍ مِن كلِّ قطاعاتِ الجهازِ الإداريِّ للدولةِ، ويَعُولُ أكثرُهم أُسرَهم وأولادَهم، وذلكَ في ظلِّ معاشٍ لا يتجاوزُ عدَّةَ آلافٍ مِنَ الجنيهاتِ، لا تسدُّ رَمَقًا ولا يروي عَطشًا ولا يُشبِعُ جوعًا.
وأكثرُهم مَرضى مِنْ ضغطٍ وسُكَّرٍ وقَلبٍ وغيرِها مِنَ الأمراضِ شفاهمُ اللهُ وعافانا اللهُ منها جميعًا، وهُم في أشدِّ الاحتياجِ للعلاجِ والدواءِ الذي أصبحَتْ أسعارُ تكاليفِ عمليّاتِهِ فوقَ طاقتِهم بمراحلَ. ومِنهمُ الكثيرونَ الذينَ لا يَملِكونَ مِنْ مَتاعِ الدنيا إلَّا هذا المعاشَ الضئيلَ، ولا حتى يَدَّخِرونَ جُزءَ المالِ للورثةِ للاستعانةِ بهِ مُقابلَ لمواجهةِ تكاليفِ دفنِهم ووداعِهم للدارِ الآخرةِ.
كما الأكثريَّةُ منهم يستعينونَ على قضاءِ مُتطلَّباتِهم بِالسَّلَفِ والدَّيْنِ، وهُناكَ مَن يَعملُ في وظائفَ مُتدنِّيةٍ لا تتناسبُ مع مكانتِهم في وظيفتِهِ السابقةِ، ومِنهم مَن يَمُدُّ يدَهُ بالسؤالِ للأقرباءِ والغرباءِ حتى يُوفِّرَ القليلَ والقليلَ جدًّا مِنْ احتياجاتِ أُسَرِهم. وهُناكَ فئةٌ أخرى تَلتزمُ الصمتَ ولا يُسمَعُ أنينُها المكتومُ، وتُشيرُ إليهمُ الآيةُ الكريمةُ: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) صدقَ اللهُ العظيمُ.
وأصحابُ المعاشاتِ الآنَ كلُّهم أمَلٌ ورجاءٌ أن يكونَ هناكَ لهم نظرةٌ مِنَ المختصِّينَ كلُّها رحمةٌ، وأنَّ هُناكَ بُشرى خيرٍ مع بدايةِ العامِ الجديدِ أن يتمَّ زيادةُ المعاشاتِ بالقدرِ الذي يَكفي مُواجهةَ مُتطلَّباتِ المعيشةِ اليوميَّةِ، ويُعينُهم على صعوبةِ الحياةِ، ويُوفِّرُ لهم الأمانَ والسكينةَ فيما تبقَّى لهم مِنْ أيَّامِهم المعدودةِ في الدنيا.
وعلى الكلِّ أن يُدركَ أنَّ السنينَ تمضي سريعا وأنَّ الأيامَ دُوَلٌ، وما لم يقضِ اللهُ أمرًا كانَ مفعولًا. وغفرَ اللهُ لمَن سبقُونا إلى دارِ الحقِّ، وأعانَ مَن أمدَّ في عمرِهِ على صعوبةِ المعيشةِ ومتاعبِ الحياةِ.
[email protected]