جورباتشوف أمريكا؟!

10-12-2025 | 12:00

يَحلو للبعضِ في الغربِ وروسيا المقارنةُ بينَ الرئيسِ الأمريكيِّ دونالد ترامب والزعيمِ السوفييتيِّ الأخيرِ ميخائيل جورباتشُوفَ، فكلاهُما جاءَ بسياسةٍ إصلاحيَّةٍ طموحةٍ للغايةِ، وكلاهُما رأى أنَّ بلادَهُ لا يمكنُها الاستمرارُ في تحمُّلِ أعباءٍ باهظةٍ في الخارجِ، والتحرُّرِ مِن مُحاولاتِ "الهيمنةِ العالميةِ". واختارَ كلاهُما إصلاحَ الداخلِ، وبينما يرفعُ ترامبُ شعارَ "جعلِ أمريكا عظيمةً ثانيةً"، فقد رفعَ جورباتشُوفُ شعارَ "بِيريسترُويكا"، أيْ إعادةَ الهيكلةِ. وذهبَ البعضُ للقولِ بأنَّ ترامبَ سوفَ يلقى مصيرَ جورباتشُوفَ، ومثلما فكَّكَ الأخيرُ الاتحادَ السوفييتيَّ وتسبَّبَ لاحقاً في انهيارِ حلفِ وارسُوَ، فإنَّ ترامبَ سوفَ يُنهي حلفَ الناتو. وأنَّ جهودَ كلاهِما لاستعادةِ بلديهِما مِن "الانحدارِ المحتُومِ" محكومٌ عليهِ بالفشلِ.

وكشفتِ الإستراتيجيةُ الأمنيَّةُ الوطنيَّةُ الأمريكيَّةُ للأعوامِ المقبلةِ، عن التزامٍ، "بالتخفُّفِ لأقصى درجةٍ مِن الأعباءِ وتكاليفِ توفيرِ الأمنِ للحلفاءِ والشُركاءِ، بل مُحاولةِ التخلُّصِ مِن "الزَبائنِ المُكلِفينَ"، مثلما فعلَ جورباتشُوفُ عندما جاءَ إلى السلطةِ، وأنهى "الالتزاماتِ الماليةَ" وصفقاتِ الأسلحةِ المجانيَّةِ بدواعي إيديولوجيَّةٍ.

ولقد تبنَّى جورباتشُوفُ لإصلاحِ الاتحادِ السوفييتيِّ سياسةً ارتكزتْ على برنامجينِ رئيسيينِ هما الـ"غلاسنُوُست"، أيْ "الشفافيَّةَ والانفتاحَ" الذي منحَ حريةَ التعبيرِ وفتحَ بابَ النقدِ للنظامِ، والـ"بِيريسترُويكا"، أيْ إعادةَ الهيكلةِ، التي هدفتْ إلى إصلاحاتٍ اقتصاديَّةٍ وسياسيَّةٍ، مع السعيِ لإنهاءِ الحربِ الباردةِ وتحسينِ العلاقاتِ مع الغربِ، لكنَّ هذهِ السياساتِ أدَّتْ إلى تفكُّكِ الاتحادِ السوفييتيِّ بسببِ كشفِها للعيوبِ النظاميَّةِ، وتأجيجِ المطالبِ بالاستقلالِ.

وفي اللحظةِ الراهنةِ كشفَ ترامبُ في إستراتيجيَّةِ الأمنِ الأمريكيَّةِ الجديدةِ عن توجُّهٍ بتخفيفِ نَزعةِ الهيمنةِ على العالمِ، وتفعيلِ "مبدأِ مُونرُو" لحمايةِ أمريكا اللاتينيَّةِ، وجعلِ مُكافحةِ الهجرةِ على رأسِ الأولويَّاتِ. ويرى الخبراءُ أنَّ هذهِ الإستراتيجيَّةَ الجديدةَ للأمنِ القوميِّ، تُشكِّلُ تحوُّلاً جذريًّا، ينقلُ التركيزَ مِن الساحةِ العالميَّةِ إلى الجوارِ الإقليميِّ، وتُحدِّدُ رؤيةً خارجةً عنِ المألوفِ للعالمِ، تتصدَّرُ فيهِ أمريكا اللاتينيَّةُ الأجندةَ الأمريكيَّةَ، في تحوُّلٍ جذريٍّ عن دعوتِها تاريخيًّا للتركيزِ على آسيا في مُواجهةِ صعودِ الصينِ، مع تسجيلِ تراجعٍ كبيرٍ في اهتمامِ الإدارةِ الحاليَّةِ بالشرقِ الأوسطِ.

وركَّزتِ الوثيقةُ على توسيعِ نُفوذِ واشنطنَ في النصفِ الغربيِّ مِنَ العالمِ وتقليلِ انخراطِها المُباشِرِ في الشرقِ الأوسطِ. وأشارتْ إلى أنَّ سياسةَ "التلقينِ" التي انتهجتْها الولاياتُ المتحدةُ خلالَ العقودِ الماضيةِ لم تُحقِّقْ أهدافَها، فيما ستعتمدُ المرحلةُ المقبلةُ على التعاملِ المُباشِرِ مع الأنظمةِ المحليَّةِ دونَ فرضِ إملاءاتٍ بملفَّاتٍ مثلِ حقوقِ الإنسانِ، إلَّا في حالِ حدوثِ تغييراتٍ جوهريَّةٍ داخلَ تلكَ الدولِ.

كما شدَّدتِ الإستراتيجيَّةُ على منعِ أيِّ قوَّةٍ أجنبيَّةٍ مِنَ الهيمنةِ على الشرقِ الأوسطِ، مع تقليصِ الحروبِ المُباشِرةِ، والاعتمادِ على الشراكاتِ الاقتصاديَّةِ، إضافةً إلى تحويلِ الأولويَّاتِ نحوَ التكنولوجيا والذكاءِ الاصطناعيِّ وتقليلِ الارتباطِ بالمنطقةِ في ملفِّ الطاقةِ. ورغمَ تناولِ الوثيقةِ لعددٍ مِنَ القضايا الإقليميَّةِ، ومِنها الملفُّ السوريُّ، فإنَّها خَلَتْ مِنْ ذِكرٍ للعراقِ، رغمَ أنَّ العراقَ "شريكٌ إستراتيجيٌّ" لواشنطنَ، ممَّا يُثيرُ تساؤلاتٍ حولَ رؤيةِ واشنطنَ لبغدادَ في المرحلةِ المُقبلةِ.

ويقولُ ترامبُ في تمهيدٍ للوثيقةِ بوضوحٍ إنَّهُ "في كلِّ ما نفعلُهُ، نضعُ أمريكا أوَّلاً"، وفي قطيعةٍ مع عقودٍ مِنَ المساعي الراميةِ إلى الانفرادِ بموقعِ القوَّةِ العُظمى، تؤكِّدُ الإستراتيجيَّةُ أنَّ "الولاياتِ المتحدةَ ترفضُ أن تنتهجَ بنفسِها المبدأَ المشئومَ للهيمنةِ على العالمِ". وإنْ كانتْ تُشيرُ إلى أنَّ الولاياتِ المتحدةَ ستمنعُ قُوىً أخرى، لاسيَّما الصينُ، مِنَ الهيمنةِ أيضاً، فهي تؤكِّدُ أنَّ "ذلكَ لا يعني هدرَ الدماءِ والأموالِ للحدِّ مِنْ نُفوذِ جميعِ قُوى العالمِ العُظمى والمُتوسِّطةِ".

وتعهَّدتِ الإستراتيجيَّةُ بـ "تعديلِ حُضورِنا العسكريِّ العالميِّ للتعاملِ مع التهديداتِ العاجلةِ في الجزءِ الذي نحنُ فيهِ مِنَ الكُرةِ الأرضيَّةِ، بدءاً مِنَ الهجرةِ". كما تؤكِّدُ الإستراتيجيَّةُ أنَّ "عصرَ الهجرةِ الجماعيَّةِ يجبُ أن ينتهيَ". كما توضِّحُ أنَّ الولاياتِ المتحدةَ في عهدِ ترامبَ سوفَ تسعى لتحقيقِ أهدافٍ مُشابِهةٍ في أوروبا، تتوافقُ مع أجنداتِ أحزابِ اليمينِ المُتشدِّدِ. وفي لغةٍ غيرِ مألوفةٍ عندَ مُخاطبةِ حُلفاءَ مُقرَّبِينَ، تُشيرُ الإستراتيجيَّةُ إلى أنَّ الإدارةَ الأمريكيَّةَ ستعملُ على "تنميةِ المقاومةِ لمسارِ أوروبا الراهنِ داخلَ البلدانِ الأوروبيَّةِ نفسِها".

وتُشيرُ الإستراتيجيَّةُ إلى تراجعِ حِصَّةِ أوروبا في الاقتصادِ العالميِّ، وهو أمرٌ ناجمٌ إلى حدٍّ كبيرٍ عن صعودِ الصينِ وغيرِها مِنَ القُوى، وتقولُ إنَّ "التراجعَ الاقتصاديَّ يَطغى عليهِ احتمالٌ حقيقيٌّ، وأكثرُ وضوحاً، يتمثَّلُ بالمَحوِ الحضاريِّ إذا استمرَّتِ الاتجاهاتُ الحاليَّةُ، فلنْ يعودَ مِنَ الممكنِ التعرُّفُ إلى القارةِ في غُضونِ عشرينَ عاماً أو أقلَّ".

وفي وقتٍ يسعى ترامبُ لوضعِ حدٍّ للحربِ في أوكرانيا بموجبِ خطَّةٍ تَمنحُ روسيا مزيداً مِنَ الأراضي، تتَّهمُ الإستراتيجيَّةُ الأوروبيِّينَ بالضعفِ، وتؤكِّدُ أنَّ على الولاياتِ المتحدةِ أنْ تُركِّزَ على "مَحوِ الانطباعِ بأنَّ الناتو حلفٌ يتمدَّدُ بلا انقطاعٍ، والحيلولةِ دونَ تجسُّدِ ذلكَ على أرضِ الواقعِ". وتتحدَّثُ الإستراتيجيَّةُ الجديدةُ صراحةً عن تعزيزِ هيمنةِ الولاياتِ المتحدةِ في أمريكا اللاتينيَّةِ، حيثُ تستهدفُ إدارةُ ترامبَ مُهرِّبي مُخدِّراتٍ مُفترضِينَ في البحرِ، وتتدخَّلُ ضدَّ قادةٍ يساريينَ، وتسعى علناً للسيطرةِ على مواردَ رئيسيَّةٍ مثلِ قناةِ بنما.

وتُظهرُ الإستراتيجيَّةُ ترامبَ على أنَّهُ يعملُ على تحديثِ "مبدأِ مُونرُو" القائلِ بأنَّ أمريكا اللاتينيَّةَ منطقةٌ محظورةٌ على القُوى المُنافِسةِ. وفي المُقابلِ، تُولي الإستراتيجيَّةُ اهتماماً أقلَّ بالشرقِ الأوسطِ، وتنُصُّ الإستراتيجيَّةُ على أنَّ "هدفَ أمريكا التاريخيَّ للتركيزِ على الشرقِ الأوسطِ سيتراجعُ". ومع التذكيرِ بأنَّ أمنَ إسرائيلَ أولويةٌ بالنسبةِ لواشنطنَ. وأمَّا بالنسبةِ للصينِ، فتكرِّرُ الإستراتيجيَّةُ الدعوةَ لتكونَ منطقةُ آسيا والمحيطِ الهادئِ "حُرَّةً ومفتوحةً" مع التركيزِ على بكينَ كمُنافِسٍ اقتصاديٍّ في المقامِ الأوَّلِ.

وبعدَ تكهُّناتٍ عديدةٍ بشأنِ ما سيكونُ عليهِ موقفُ ترامبَ مِنْ تايوانَ التي تُطالبُ بها بكينُ، توضِّحُ الإستراتيجيَّةُ أنَّ واشنطنَ تُؤيِّدُ الوضعَ القائمَ منذُ عقودٍ. وكما هو مُتوقَّعٌ، تُرَكِّزُ الإستراتيجيَّةُ بدرجةٍ أقلَّ على إفريقيا.

ويَبقى أنَّ توصيفَ جورباتشُوفَ وترامبَ للمشهدِ الراهنِ صحيحٌ، إلَّا أنَّ أسلوبَ المُعالجةِ كانَ كارثيًّا في الحالةِ السوفييتيَّةِ، والآنَ يرى البعضُ أنَّ الإمبراطوريَّةَ الأمريكيَّةَ في مرحلةِ الغروبِ، وربما ترامبُ هو جورباتشُوفُ أمريكا.

الزمنُ وحدَهُ يعرفُ الإجابةَ؟!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: