لا يزالُ حديثُنا موصولاً حولَ هؤلاءِ السبعةِ الذينَ يستظلُّونَ بظلِّ الرحمنِ يومَ القيامةِ، وفي هذا المقامِ، سنتحدَّثُ عن صنفٍ منَ الناسِ الذينَ سينالونَ حظوةَ القربِ والأمنِ مِن حرِّ شمسِ يومِ القيامةِ، هذا الصنفُ هُمْ: رجالٌ قلوبُهم مُعلَّقةٌ بالمساجدِ.
انظرُوا واعتبرُوا المعنى: قلوبُهم، ولم يقُلْ أجسادُهم، لأنَّ القلبَ هو مَلِكُ الأعضاءِ والمُهيمنُ عليها، ولا تستطيعُ أن تتحرَّكَ الأعضاءُ دونَ أن يَمُدَّها بالوقودِ الذي يحفَظُ عليها بقاءَها. والوقودُ هنا هو التقوى: (وتزوَّدُوا فإنَّ خيرَ الزادِ التقوى واتَّقُونِ يا أولي الألبابِ). فالقلبُ إذا تعلَّقَ بشيءٍ عشقَهُ وهواهُ واستهواهُ ولا يريدُ أن يفارقَهُ أبدًا.
وحتى إنِ اضطرَّ إلى الافتراقِ لظروفٍ ما، إلا إنَّهُ سيظلُّ على عهدِهِ بمعشوقِهِ. هكذا حالُ عشَّاقِ المساجدِ، أولئك الذينَ قلوبُهم دائمًا توَّاقةٌ إلى المساجدِ. بمجرَّدِ أن يُؤدُّوا الصلاةَ، تتحرَّكُ مواجيدُهم إلى الصلاةِ الأخرى، وتسيلُ دموعُهم مِن مُقَلِهم على خدودِهم بمجرَّدِ سماعِ النداءِ. لماذا؟ لأنَّهُم مُنتظِرونَ لقاءَ حبيبِهم اللهِ تعالى. فما أروعَ مَنْ أسعدَهُمُ اللهُ بمودَّةِ القربِ وقربِ المودَّةِ!
يقولُ تعالى عن هؤلاءِ وعن حالِ علاقتِهم بالمساجدِ: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38))
إذَنْ، البيوتُ هذهِ هي المساجدُ، مصداقاً لقولِ اللهِ تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا). وهذا ما صدَّقَهُ حديثُ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (مَنْ بنَى للهِ مسجِداً بنَى اللهُ لهُ بيتاً في الجنَّةِ). فبيوتُ اللهِ في الأرضِ المساجدُ، وعُمَّارُها زوَّارُها، وحقٌّ على المَزُورِ أن يُكرِمَ زائرَهُ.
فما بالُنا إذا حلَلْنا ضيوفاً على أصدقائِنا، أقاربِنا، مُحِبِّينا، فماذا سيقدِّمونَ لنا؟ سيقدِّمونَ لنا كلَّ جميلٍ وعزيزٍ وغالٍ. فما بالُكمْ مِنْ أن نَحُلَّ ضيوفاً على الرحمنِ، فماذا سنجِدُ عندَهُ؟ بالتأكيدِ سنجِدُ عندَهُ الخيرَ العميمَ. يقولُ تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
فالرجالُ الذينَ تعلَّقَتْ قلوبُهم بالمساجدِ فقدِ اصطفاهمُ اللهُ تعالى مِنْ بينِ عبادِهِ أن يكونُوا مِنْ عُمَّارِ المساجدِ، فأهلُ المساجدِ أهلُ محبَّةِ اللهِ تعالى.
ماذا قالَ عنْهُمُ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ تعالى؟ عندما نظرَ في الأسواقِ فوجدَها مُفعَمةً بعمَّارِها والمساجدُ خاويةً على عروشِها، انتفضَ قائلاً: مالَكُمْ كيفَ تحكمونَ؟ تلهَوْنَ وتلعبونَ وتعبثونَ وميراثُ رسولِ اللهِ يُقسَمُ في المسجدِ! فهرولُوا مُسرعينَ، فوجدُوا الساجدينَ، الراكعينَ، الحامدينَ، الذاكرينَ اللهَ كثيراً. فقالَ لهمْ: هذا هو مِيراثُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.
هذهِ إشارةٌ ودلالةٌ صريحةٌ على أهميةِ المسجدِ لِما فيهِ صلاحُ وفلاحُ الأمةِ. وفلاحُها يكونُ مِنْ خلالِ إقامةِ حدودِ اللهِ، وتعظيمِ شعائرِهِ: (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، ومِنْ إقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ مَنِ استطاعَ إليهِ سبيلاً، ومِنْ قبلِ هذهِ الأمورِ الإقرارُ بوحدانيةِ اللهِ تعالى.
وهذهِ دلالةٌ ثبوتيةٌ على تعظيمِ الركنِ الأعظمِ في الإسلامِ، إقامةِ الصلاةِ والمواظبةِ عليها في جماعةٍ، مصداقاً لقولِهِ تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا).
وأنَّ الهلاكَ كلَّهُ في الابتعادِ عن منهجِ اللهِ تعالى، والضربِ بهِ عَرضَ الحائطِ، واللهاثِ خلفَ الشهواتِ، والانغماسِ بالكليةِ في مُغرياتِ الحياةِ الدنيا. يقولُ تعالى: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا).
إنَّ مَنْ تعلَّقَتْ قلوبُهم بالمساجدِ فأولئكَ هُمْ أولو الألبابِ، أولئك الذينَ نظرُوا إلى الدنيا فوجدُوها لا تساوِي عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ، فوظَّفُوهَا توظيفاً صحيحاً وسخَّرُوهَا لخدمةِ دينِ اللهِ، فكانَ حقًّا على اللهِ تعالى أن يصطفيَهُمْ ويهبَهُمْ هذهِ الهبةَ الربانيةَ، هبةَ الاصطفاءِ، فصارُوا ربَّانيِّينَ جَمَعَ في قلوبِهمْ توحيدَ الربوبيةِ وتوحيدَ الألوهيةِ. أولئك الذينَ هداهُمُ اللهُ تعالى.
أستاذُ الفلسفةِ بآدابِ حلوانَ