"إعلان القاهرة" يواجه الإبادة البيئية

9-12-2025 | 15:59

تطورانِ مُهمانِ في مجالِ البيئةِ حدثا معَ بدايةِ ديسمبرَ الحاليِّ، الأولُ هوَ اختتامُ أعمالِ مؤتمرِ الأطرافِ لاتفاقيةِ حمايةِ بيئةِ البحرِ المتوسطِ "اتفاقيةِ برشلونةِ - COOP 24"، بإصدارِ إعلانِ القاهرةِ، والذي حملَ تحولًا مفصليًا في مسارِ حمايةِ المتوسطِ، وعلى مستوى العملِ البيئيِّ المحليِّ والعالميِّ. والتطورُ الثاني هوَ إصدارُ محكمةِ العدلِ الدوليةِ في لاهاي أولَ سياسةٍ تعتبرُ "الإبادةَ البيئيةَ" جريمةً دوليةً ومفهومًا عالميًا لا يقلُّ ضررًا عن "الإبادةِ الجماعيةِ"، وحملَ هذا الاعترافُ الدوليُّ بأنَّ التدهورَ البيئيَّ الشديدَ يهددُ بقاءَ الإنسانِ.

لماذا شكّلَ إعلانُ القاهرةِ الصادرُ عن "COOP 24"، المنتهيَ الجمعةَ الماضيةَ، وثيقةً فائقةَ الأهميةِ للشأنِ البيئيِّ؟ فقدِ استعرضَ وعالجَ قضايا رئيسيةً عديدةً، مثلَ الاقتصادِ الأزرقِ، والتنوعِ البيولوجيِّ، والتلوثِ البحريِّ، والإدارةِ الساحليةِ، والحوكمةِ البيئيةِ، وصولًا إلى الدفعِ نحو تبنّي "إعلانِ القاهرةِ" كوثيقةٍ تحددُ أولوياتِ المرحلةِ المقبلةِ، واعتمدتْها 21 دولةً متوسطيةً برئاسةِ مصرَ، لتؤكدَ دورَها المتصاعدَ كقوةٍ بيئيةٍ إقليميةٍ، محورًا للتعاونِ المتوسطيِّ، في ظلِّ التحدياتِ المتفاقمةِ التي يواجهُها المتوسطُ، الأكثرُ سخونةً مناخيًا، والأكثرُ حركةً وتفاعلًا، والأعظمُ تهديدًا مقارنةً ببحارِ العالمِ.

لم يأتِ انعقادُ المؤتمرِ الدوليِّ بالقاهرةِ من فراغٍ، حيثُ تشكلُ مصرُ طرفًا ولاعبًا رئيسيًا في مستقبلِ المتوسطِ، إضافةً إلى سواحلَ لأكثرَ من 3 آلافِ كيلومترٍ، تجعلُ من حمايةِ النظمِ البيئيةِ الساحليةِ ضرورةً وطنيةً وإقليميةً، ما يتطلبُ جهودًا جماعيةً مشتركةً لإنقاذِهِ، كما نبهَ ميتيا بريسيلي، ممثلُ سلوفينيا ورئيسُ الدورةِ السابقةِ، مشيرًا إلى أنَّ العامَ الجاريَ يشهدُ "مرورَ 50 عامًا على اتفاقيةِ برشلونةِ، و30 عامًا على خطةِ عملِ المتوسطِ"، ومؤكدًا أنَّ أمامَ الدولِ "مسئوليةً تاريخيةً للحفاظِ على البحرِ الذي يجمعُ ثلاثَ قاراتٍ"، كما نبهتْ تاتيانا هيما، منسقةُ برنامجِ الأممِ المتحدةِ للبيئةِ "UNEP"، وخطةِ عملِ المتوسطِ، إلى أنَّ المنطقةَ تواجهُ "تدهورًا واضحًا في التنوعِ البيولوجيِّ وتلوثًا متصاعدًا" المتكاملةَ للمناطقِ الساحليةِ.

لقدِ اعتمدَ "إعلانُ القاهرةِ"، كما أوضحتِ الوزيرةُ، قراراتٍ مهمةً مثلَ منعِ التلوثِ البحريِّ من السفنِ، والتقاريرِ الفنيةِ الخاصةِ بربطِ قضايا المناخِ والماءِ والطاقةِ والغذاءِ والنظمِ البيئيةِ، وتحديثِ نموذجِ الإبلاغِ عنِ التلوثِ من المصادرِ البريةِ، واعتمادِ النهجِ البيئيِّ للرصدِ حتى عامِ 2035، والتقريرِ النهائيِّ الخاصِّ بالتقاريرِ الوطنيةِ.

"مشروعُ التكيفِ معَ المناخِ في دلتا النيلِ" المهمُ، عرضتْهُ د. هبةُ شعراوي المسئولةُ عن الإدارةِ الخاصةِ بـ البحارِ والبحيراتِ بوزارةِ البيئةِ، ويعدُّ أحدَ أهمِّ النماذجِ الإقليميةِ في مواجهةِ مخاطرِ ارتفاعِ مستوى سطحِ البحرِ وتأثيراتِهِ على المواردِ الطبيعيةِ والمجتمعاتِ الساحليةِ، حيثُ يعتمدُ على الدمجِ بينَ بناءِ القدراتِ، وتطويرِ أدواتِ الرصدِ، وتنفيذِ تدخلاتِ حمايةٍ مباشرةٍ على الأرضِ، إضافةً إلى إعدادِ وتدريبِ 120 من سفراءِ المناخِ من المجتمعاتِ المحليةِ والشبابِ والكوادرِ الفنيةِ، بهدفِ تعزيزِ الوعيِ بالتغيراتِ المناخيةِ ونشرِ ثقافةِ الإدارةِ المستدامةِ للسواحلِ، فضلًا عن تطويرِ أنظمةٍ للرصدِ البيئيِّ المبكرِ لرصدِ درجاتِ الحرارةِ، وارتفاعِ مستوى سطحِ البحرِ.

وقد حظيتْ مصرُ بالعديدِ من المكاسبِ خلالَ المؤتمرِ، على مدى 4 أيامٍ، برئاسةِ د. منالِ عوضَ وزيرةِ التنميةِ المحليةِ والقائمِ بأعمالِ وزيرِ البيئةِ، حيثُ تولتْ رئاسةَ المكتبِ التنفيذيِّ للاتفاقيةِ إلى جانبِ رئاستِها الدوريةِ للاتفاقيةِ لمدةِ عامينِ، إضافةً إلى قراراتٍ مهمةٍ، شملتْ اعتمادَ المعاييرِ المرجعيةِ لمركزِ الأنشطةِ الإقليميِّ للتغيراتِ المناخيةِ المقررِ استضافتُهُ في تركيا، ودعمَ المناطقِ ذاتِ الأهميةِ المتوسطيةِ وخططِ التنوعِ البيولوجيِّ.

وكأنَّ مداولاتِ نتائجِ مؤتمرِ القاهرةِ الجادةِ، قد ألهمتْ قضاةَ محكمةِ العدلِ الدوليةِ في هولندا، بتجريمِ وملاحقةِ المتسببِ في تلوثِ البيئةِ ومعاقبتِهِ، وهوَ القرارُ التاريخيُّ، والذي صدرَ في الرابعِ من ديسمبرَ الحاليِّ 2025، معتبرًا "الإبادةَ البيئيةَ" بمثابةِ خسارةٍ وضررٍ وتدميرٍ واسعِ النطاقِ للنظمِ البيئيةِ. وهوَ تطورٌ يعتمدُ على إصدارِ المدعي العامِّ للمحكمةِ الجنائيةِ الدوليةِ أولَ سياسةٍ مخصصةٍ بشأنِ معالجةِ الأضرارِ البيئيةِ من خلالِ نظامِ روما الأساسيِّ، وهوَ إطارٌ شاملٌ يوضحُ بالتفصيلِ كيفَ يمكنُ للتدميرِ البيئيِّ الشديدِ أنْ يشكلَ أو ينجمَ في كثيرٍ من الأحيانِ عن جرائمَ تقعُ بالفعلِ ضمنَ اختصاصِ المحكمةِ الجنائيةِ الدوليةِ، وهوَ تحولٌ ملحوظٌ في كيفيةِ تعاملِ العدالةِ الدوليةِ معَ الضررِ البيئيِّ.

والأهمُ من ذلكَ، أنَّ المحكمةَ تحددُ بالتفصيلِ كيفَ يمكنُ للأضرارِ البيئيةِ الجسيمةِ أنْ تدعمَ بعضَ الجرائمِ التي تقعُ بالفعلِ ضمنَ اختصاصِ المحكمةِ الجنائيةِ الدوليةِ، بما في ذلكَ الإبادةُ الجماعيةُ والجرائمُ ضدَّ الإنسانيةِ وجرائمُ الحربِ والعدوانِ، وهوَ توجهٌ دوليٌ جديدٌ، يخلقُ مسارًا قانونيًا واضحًا لمعالجةِ أنواعٍ مختلفةٍ من التدميرِ البيئيِّ واسعِ النطاقِ طبقًا للقانونِ الجنائيِّ الدوليِّ الحاليِّ، كما يعززُ الأسسَ الأوسعَ التي يمكنُ من خلالِها الاستمرارُ في بناءِ جريمةٍ أساسيةٍ مخصصةٍ للإبادةِ البيئيةِ، ويمنحُ الدولَ فهمًا أكثرَ وضوحًا لكيفيةِ تشكيلِ الدمارِ البيئيِّ بالفعلِ أو الناتجِ عنِ الجرائمِ الدوليةِ القائمةِ بالفعلِ.

قرارُ المحكمةِ الجنائيةِ لم يأتِ من فراغٍ، كانَ وراءَهُ جهودٌ مضنيةٌ قامتْ بها مؤسساتُ المجتمعِ المدنيِّ مثلَ منظمةِ "أوقفوا الإبادةَ البيئيةَ – Stop Ecocide International"، في هولندا، وساهمتْ في التحولِ نحو الوقايةِ الهادفةِ والردعِ للوصولِ إلى عالمٍ أكثرَ أمانًا. تستطيعُ منظماتُ المجتمعِ المدنيِّ أنْ تفعلَ الكثيرَ وقد حدثَ وسيحدثُ.

للتواصلِ: [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: