لم يعدِ المشهدُ الدوليُّ يتشكلُ عبرَ قراراتٍ سياسيةٍ أو تفاهماتٍ دبلوماسيةٍ بقدرِ ما تصوغُهُ اليومَ صراعاتٌ ممتدةٌ وتوتراتٌ جيوسياسيةٌ تتسعُ رقعتُها عامًا بعدَ عامٍ. في هذا المناخِ المضطربِ، تقدِّمُ الصناعاتُ الدفاعيةُ نفسَها لاعبًا رئيسيًا، بعدما تحوّلَ الإنفاقُ العسكريُّ إلى محرِّكٍ اقتصاديٍّ تُبنى عليهِ إستراتيجياتُ الدولِ وتعيدُ الشركاتُ بفضلِهِ رسمَ خرائطِ عملِها واستثماراتِها. إنّهُ عصرٌ يمكنُ تسميتُهُ – دونَ مبالغةٍ – بعصرِ اقتصادِ الحربِ.
خلالَ الأشهرِ التسعةِ الأولى من عامِ 2025، تدفقتْ استثماراتٌ غيرُ مسبوقةٍ في تكنولوجيا السلاحِ، بعدَ أنْ ارتفعَ الاستثمارُ الأجنبيُّ المباشرُ في هذا القطاعِ إلى نحوِ 4.2 مليارِ دولارٍ، وهوَ رقمٌ يقتربُ من ضعفِ ما تحققَ في العامِ السابقِ، وفقًا لبياناتٍ أوليةٍ صادرةٍ عن fDi Markets. وما بينَ مصانعَ للذخائرِ والطائراتِ المسيَّرةِ، ومراكزَ بحثيةٍ، ومكاتبَ جديدةٍ لشركاتِ البرمجياتِ الدفاعيةِ، بدا المشهدُ وكأنَّ العالمَ يسابقُ الزمنَ لتعزيزِ قوتِهِ العسكريةِ، أو على الأقلِّ لضمانِ موطئَ قدمٍ في هذا السباقِ المتسارعِ.
اللافتُ أنَّ شركاتِ الدفاعِ لم تعدْ تنتظرُ الفوزَ بعقودِ الحكوماتِ كما كانَ الحالُ سابقًا، بل تبادرُ من تلقاءِ نفسِها إلى التوسعِ، وكأنَّ الطلبَ المؤكَّدَ باتَ هوَ القاعدةَ وليسَ الاستثناءَ. هذا التحولُ الجذريُّ يعكسُ إدراكًا بأنَّ دورةَ التصعيدِ الجيوسياسيِّ لن تهدأْ قريبًا.
إِنْفَاقٌ يَتَضَخَّمُ… وَتَوَتُّرٌ يَتَّسِعُ
لطالما ارتبطَ الإنفاقُ الدفاعيُّ تاريخيًا بظروفِ الحربِ، لكنَّهُ اليومَ أصبحَ سمةً عالميةً مستقرةً أكثرَ منْهُ استثناءً. إذ ارتفعَ الإنفاقُ العسكريُّ العالميُّ إلى 2.68 تريليونَ دولارٍ في عامِ 2024، وفقَ بياناتِ معهدِ ستوكهولمَ للسلامِ (SIPRI)، في قفزةٍ تقودُها الولاياتُ المتحدةُ وأوروبا والشرقُ الأوسطُ على وجهِ الخصوصِ. بإنفاقٍ بلغَ 997 مليارَ دولارٍ و680 مليارَ دولارٍ و243 مليارَ دولارٍ على التوالي.
لا يمكنُ فصلُ هذهِ الأرقامِ عن واقعِ الحربِ في أوكرانيا، ومستوياتِ الصراعِ في الشرقِ الأوسطِ، والتوتراتِ في آسيا. حتى الدولُ التي كانتْ تتبنى مواقفَ دفاعيةً معتدلةً باتتِ اليومَ مجبرةً على مراجعةِ حساباتِها تحتَ وطأةِ التحدياتِ الأمنيةِ. ومعَ توسعِ الخريطةِ العسكريةِ، تصاعدتْ أيضًا حركةُ الاستثمارِ داخلَ القطاعِ الخاصِّ؛ من مصانعِ الذخائرِ في لاتفيا ورومانيا، إلى محركاتِ الصواريخِ في الولاياتِ المتحدةِ، مرورًا بمراكزِ البحثِ المتقدمةِ في فرنسا والهندِ.
اَلْأَمْنُ… أَمِ الِاقْتِصَادُ؟
أبرزُ ما أثارَ الجدلَ خلالَ العامِ الماضي كانَ قرارُ حلفِ الناتو رفعَ الإنفاقِ الدفاعيِّ إلى 5% من الناتجِ المحليِّ بحلولِ 2035. قرارٌ بهذا الحجمِ، في زمنِ ضغوطٍ اقتصاديةٍ وتباطؤٍ عالميٍّ، يطرحُ سؤالًا محوريًا: هل تستطيعُ الدولُ تمويلَ موجةِ التسليحِ دونَ التضحيةِ بخططِ التنميةِ؟ الحقيقةُ أنَّ استمرارَ هذا الاندفاعِ ليسَ مضمونًا. فهناكَ دولٌ لا تملكُ القدرةَ الماليةَ ولا الشعبيةَ السياسيةَ المطلوبةَ لتبريرِ ضخِّ مزيدٍ من الأموالِ في الدفاعِ على حسابِ قطاعاتٍ حيويةٍ مثلَ الصحةِ والتعليمِ وتطويرِ البنيةِ الأساسيةِ. وفي هذهِ الدولِ، يصبحُ الإنفاقُ العسكريُّ معادِلًا مباشرًا لخفضِ الإنفاقِ الاجتماعيِّ.
اَلْعِبْءُ الْأَكْبَرُ عَلَى الدُّوَلِ النَّامِيَةِ
المفارقةُ أنَّ أكثرَ من يدفعُ ثمنَ هذا التوجُّهِ ليستِ الدولَ الكبرى، بل تلكَ التي تعاني أصلًا من فجواتٍ تنمويةٍ كبيرةٍ. فالتزاماتُ الأمنِ الإقليميِّ، والتحالفاتُ الدوليةُ، ومقتضياتُ الردعِ، كلُّها تضغطُ على موازناتِ الدولِ الناميةِ لتزيدَ من إنفاقِها العسكريِّ، حتى وإنْ كانَ ذلكَ يعني زيادةَ الدينِ العامِّ وتقليصَ الاستثماراتِ الإنتاجيةِ. وبينما تتحولُ الصناعاتُ الدفاعيةُ إلى مصدرٍ للنموِّ في الاقتصاداتِ المتقدمةِ، فإنَّها تتحولُ في الاقتصاداتِ الفقيرةِ إلى عبءٍ يفاقمُ حالةَ عدمِ اليقينِ. فالتنميةُ المستدامةُ تحتاجُ إلى استقرارٍ، وإلى استثمارٍ في البشرِ والبنيةِ الأساسيةِ، وليسَ في تعزيزِ الجيوشِ فقطْ.
تَوَازُنٌ ضَرُورِيٌّ فِي عَالَمٍ غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ
يبدو العالمُ اليومَ وكأنَّهُ يتحركُ فوقَ لوحةِ شطرنجٍ تُعادُ فيها القطعُ إلى مواقعَ جديدةٍ كلَّ يومٍ. ومعَ أنَّ موجةَ الإنفاقِ الدفاعيِّ تبدو مبررةً من منظورِ الأمنِ، إلا أنَّها لا يمكنُ أنْ تحلَّ محلَّ التنميةِ، ولا أنْ تكونَ بديلًا عن بناءِ قدراتٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ مستدامةٍ. إنَّ التحديَ الحقيقيَّ يكمنُ في قدرةِ الحكوماتِ على تحقيقِ التوازنِ بينَ حمايةِ الحاضرِ وصناعةِ المستقبلِ. فالسلاحُ يحمي الحدودَ، لكنَّهُ لا يضمنُ وحدَهُ استقرارًا طويلَ الأمدِ. أما التنميةُ، فهيَ القاعدةُ التي تقفُ عليها الأممُ حينَ تهدأُ طبولُ الحربِ، وتبدأُ مجددًا رحلةَ بناءِ الإنسانِ والاقتصادِ.
للتواصلِ: [email protected]