فيلم «القصص» ينعش السينما المصرية في البحر الأحمر… نوستالجيا مؤثرة من أبو بكر شوقي

9-12-2025 | 15:54
فيلم ;القصص; ينعش السينما المصرية في البحر الأحمر… نوستالجيا مؤثرة من أبو بكر شوقيفيلم القصص للمخرج أبوبكر
جدة - مي عبدالله

في واحد من أكثر عروض المسابقة الرسمية إثارة للاهتمام في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، قدم المخرج المصري أبو بكر شوقي فيلمه الجديد «القصص» كتحية صادقة لزمن جميل ولحكايات ما زالت تعيش في الذاكرة المصرية.

 فيلم يعود بالمشاهد إلى سنوات 1967 وما بعدها، ليرصد تحولات المجتمع والعائلة والوجدان، من خلال سرد دافئ وإنساني لعائلة مصرية عادية تتحول تفاصيلها الصغيرة إلى مرآة واسعة تعكس ملامح وطن كامل.

«القصص» لم يكن مجرد عرض سينمائي، بل حالة شعورية كاملة أعادت للسينما المصرية حضورها القوي، وأكدت مرة أخرى أن أبو بكر شوقي مخرج يعرف كيف يلمس القلب قبل العين، ويصنع عملا يحمل روحا مصرية خالصة لا تخطئها العين.


أحداث فيلم «القصص» تبدأ من صيف 1967 — سنة النكسة — وتمتد حتى الثمانينيات. حركة الزمان من خلال أجيال وأسرة مصرية كاملة: أب وأم، أبناء، عم وخال، جيران وأصدقاء. العمل لا يقلد الواقع فقط، بل يصيغ نوستالجيا صادقة تعكس تحولات مصر الاجتماعية، السياسية، الثقافية  مع قصة حب، طموح فني، وطموح إنساني. 

هذا الالتفات إلى «حياة الناس العادية»  بفرحها، أحلامها، أعصابها، تحولات الزمن  هو سر قوة الفيلم. وما يجعل «القصص» أكثر من مجرد فيلم درامي: هو صورة لزمن تغير، شعب صمد، وأجيال عاشوا التناقض بين الطموح والواقع.

- أبو بكر شوقي: مخرج ناضج يحرص على السينما الرفيعة

بعد مسيرة بدأت بأعمال مهمة مثل يوم الدين وهجان، يثبت أبو بكر شوقي في «القصص» أنه مخرج لا يأخذ الطريق الأسهل دائما، بل يختار المخاطرة الفنية. 

الفيلم هو مثال على «السينما التي تعيش في الذاكرة»، تصوير دقيق، أجواء موثوقة، تفاصيل صغيرة تعيد لنا صوت شارع مصر القديم، رائحة زمن مضى.

ولأن شوقي لا يخاف من الشمولية: الحب، الموسيقى، العائلة، الهوية، الحنين، كلها عناصر تتداخل لتشكل رؤية فنية مكتملة.


-الأداء التمثيلي: حين تصدق الشخصيات وتعيشها

 أمير المصري، دوره في «القصص» كعازف بيانو طموح جاء استثنائيا، بالرغم من أنه ممثل معروف بلغة ومواهب مختلفة، إلا أن الشخصية هنا متطلبة بشكل خاص: شاب عربي، طموحه موسيقي، يحلم، يهوى، يتحمل رفض العائلة وضغوط الزمن. أداء أمير المصري جاء صادق، بخفة ظل تتناسب مع زمن الفيلم، وبكثير من الإحساس.

 نيللي كريم، قدمت شخصية الأم المصرية بعفوية ورقة، مع تضحيات وضغوط نفسية ترجمت بدقة كبيرة، خاصة في مشاهد الألم والخسارة. نيللي أثبتت أنها قادرة على التنقل بين الدراما الواقعية والشخصية العاطفية بذكاء وحساسية. 

أسماء فنانين مثل أحمد كمال وشريف الدسوقي وغيرهم، أضافوا روح بيت مصر، شعب مصر، جيل مصر إلى العمل. فالأداء الجماعي  مهم جدا في فيلم يعتمد على عائلة ممتدة، كان متوازن جدا، وجعل الفيلم يظهر كلوحة متكاملة.


- الموسيقى والديكور والزمن: تفاصيل تعني الكثير

اختيار المخرج للأغاني والقطع الموسيقية كخلفية كان موفق جدا: من الأغاني الوطنية في السبعينيات، لأغاني شعبية في الثمانينيات، وصولا لتتر النهاية الذي اختار أن يكون أغنية "الوطن الأكبر". هذا الاختيار لم يكن صدفة  بل وسيلة لـ «زمن» مر عبر الفيلم. 

التصوير بين القاهرة وفينا، الديكور، أزياء الزمن، تفاصيل البيوت والشوارع، كلها ساعدت على خلق بيئة سينمائية موثوقة ترغم المشاهد أن يصدق أن هذه العائلة عاشتها حقا، أو عرف ناس منها. 

ميزة فيلم القصص هو أنه فيلم زمن، يقدر الماضي ويحترم ذكريات شعب، كما أنه جمع بين تجريب وصدق: مخرج يعرف أدواته، ممثلون قدروا يقتنعوا بالشخصيات، سيناريو إنساني غير مجامل، حيث قدم تمثيلا حضاريا للعرب  بدون كليشه: شباب يحلم، أسر تناضل، مجتمع يتغير، ناس بسيطة.

«القصص» فيلم يعيد لنا الأمل بأن السينما المصرية  لازال فيها من يصنع العمل الهادئ، الصادق، الجميل. هو فيلم يستحق أن يشاهد بكل عين وقلب. أعتبره واحد من أفضل الأعمال المصرية في مهرجان البحر الأحمر 2025.


فيلم القصص للمخرج أبوبكرفيلم القصص للمخرج أبوبكر
كلمات البحث