إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة.. إضافة أم خصم للأمن العالمي؟

9-12-2025 | 15:28

في الرابعِ من ديسمبرَ 2025، وقَّعَ الرئيسُ الأمريكيُّ دونالدُ ترامبُ على وثيقةِ الأمنِ القوميِّ الجديدةِ، وهي وثيقةٌ كلما صدرتْ أدركَ خبراءُ العلاقاتِ الدوليةِ كيفَ ينظرُ البيتُ الأبيضُ للعالمِ: من يُصنَّفُ عدوًا؟ ومن يُصنَّفُ حليفًا؟ وكيفَ تُقاسُ المصالحُ؟

هذهِ الوثيقةُ المهمةُ ليستْ برنامجَ عملٍ أمريكيٍّ فحسبُ، بل هيَ خريطةُ طريقٍ ستؤثرُ في كلِّ قارةٍ وأزمةٍ وحليفٍ وخصمٍ. وهذهِ المرةَ، نطلُّ من خلالِها على رؤيةِ إدارةٍ تريدُ إعادةَ ترتيبِ أولوياتِ القوةِ العظمى في نظامٍ دوليٍّ مضطربٍ.

من جهةٍ، تعودُ الوثيقةُ إلى مفهومِ "الفناءِ الخلفي" وروحِ "مبدأِ مونرو" من القرنِ التاسعِ عشرَ، مؤكدةً أنَّ القارةَ الأمريكيةَ، شمالَها وجنوبَها، يجبُ أنْ تبقى منطقةَ نفوذٍ أمريكيةٍ خالصةٍ. وهنا، التركيزُ ينصبُّ على مخاطرِ الهجرةِ والجريمةِ المنظمةِ، والتمددِ الصينيِّ والروسيِّ الذي يجبُ احتواؤهُ. وكأنَّ الإدارةَ الأمريكيةَ الحاليةَ تعيدُ توزيعَ ثقلِها نحو الغربِ، معتبرةً أنَّ السيطرةَ على "الحديقةِ الخلفيةِ" أولويةٌ إستراتيجيةٌ.

وفي الشرقِ الأقصى، تتبنى الوثيقةُ في التعاملِ معَ الصينِ نهجًا يجمعُ بينَ الاحتواءِ غيرِ المباشرِ والتحفيزِ. فبدلًا من المواجهةِ العسكريةِ المباشرةِ، تعززُ واشنطنُ الأحلافَ الاقتصاديةَ والأمنيةَ، وتدفعُ حلفاءَ مثلَ اليابانِ وكوريا الجنوبيةِ لتحملِ أعباءَ أمنيةً أكبرَ. أما تايوانُ – الخطُّ الأحمرُ بالنسبةِ لبكينَ – فسيتمُّ حمايتُها من جانبِ واشنطنَ عبرَ إجراءاتٍ غيرِ معلنةٍ لتجنبِ شرارةِ حربٍ كبرى.

ومن جهةٍ أخرى، تتعاملُ الوثيقةُ معَ أوروبا بنبرةٍ جافةٍ لم تُسمعْ منذُ نهايةِ الحربِ الباردةِ. حيثُ تصفُ القارةَ بأنها تواجهُ تحدياتٍ ديموغرافيةً واقتصاديةً، وتعلنُ صراحةً أنَّ توسعَ حلفِ الناتو "أصبحَ من الماضي". والأهمُ هوَ الدعوةُ الواضحةُ لأوروبا للاعتمادِ على نفسِها أمنيًا، ما يضعُها خارجَ دائرةِ الأولوياتِ الأساسيةِ لواشنطنَ، ويفتحُ البابَ أمامَ فراغٍ قد تملؤُهُ قوى أخرى.

وفي منطقةِ الشرقِ الأوسطِ التي تشهدُ انعطافةً كبيرةً في التفكيرِ الأمريكيِّ، لم يعدِ النفطُ حاجةً ملحةً، والصراعُ بينَ القوى الكبرى لم يعدْ يدورُ هنا. حتى إيرانُ، رغمَ بقائِها مصدرَ قلقٍ، تُصوِّرُها الوثيقةُ أنها أضعفُ. وتبقى المصالحُ الأمريكيةُ مركزةً على أمنِ إسرائيلَ، وحريةِ الملاحةِ، ومكافحةِ الإرهابِ، لكنْ بإستراتيجيةٍ أقلَّ تكلفةً وتورطًا. القضيةُ الفلسطينيةُ تُعالجُ كملفِّ "تهدئة" و"إدارةِ خطر"، لا كمسارٍ سياسيٍّ نحو حلٍّ.

ومن ناحيةٍ أخرى، تعلنُ الوثيقةُ بوضوحٍ نهايةَ سياسةِ "فرضِ الإصلاح" أو "تغييرِ الأنظمة". واشنطنُ الآنَ تتعاملُ معَ الدولِ كما هيَ، مؤكدةً أنَّ أيَّ إصلاحٍ يجبُ أنْ يأتيَ من الداخلِ. وهذا التوجُّهُ يعكسُ تحولًا صريحًا نحو نظريةِ "الواقعيةِ البحتةِ" في العلاقاتِ الدوليةِ.

وفي النهايةِ، يبقى السؤالُ المحوريُّ بشأنِ هذهِ الإستراتيجيةِ، وهوَ هل هيَ إضافةٌ أم خصمٌ للأمنِ العالميِّ؟

في تقديري، قد تكونُ هذهِ الإستراتيجيةُ إضافةً إذا نجحتْ في خفضِ وتيرةِ التدخلاتِ العسكريةِ الأمريكيةِ المباشرةِ، وتوزيعِ الأعباءِ الأمنيةِ على الحلفاءِ، مما يحدُّ من الاستقطابِ العالميِّ. ولكنَّها قد تكونُ خصمًا إذا أدتْ إلى "فراغاتِ قوة" في مناطقَ حساسةٍ (كأوروبا والشرقِ الأوسطِ)، تدفعُ لسباقِ نفوذٍ وتصعيدٍ إقليميٍّ، أو إذا شجعتْ حلفاءَ واشنطنَ على مغامراتٍ أحاديةٍ تزيدُ من عدمِ الاستقرارِ.

على أيةِ حالٍ، تمثلُ هذهِ الإستراتيجيةُ فصلًا جديدًا في الهيمنةِ الأمريكيةِ، قائمًا على "الترشيدِ الانتقائي" و"تقليلِ التكاليف". ورغمَ أنها تبدو أكثرَ هدوءًا على السطحِ مقارنةً بعصورِ التدخلِ الأمريكيِّ السابقةِ، لكنْ تحتَها تياراتٌ عميقةٌ من إعادةِ تموضعِ القوى وإعادةِ تعريفِ التحالفاتِ، مما يضعُ العالمَ على أعتابِ تحولاتٍ جيوسياسيةٍ كبرى ستحددُ شكلَ النظامِ الدوليِّ في العقودِ القادمةِ.

كلمات البحث