أولويات المستقبل ومتطلباته

9-12-2025 | 14:50
بوابة الأهرام الزراعي نقلاً عن

الرئيس رفع «الفيتو» فى انتخابات مجلس النواب لعدم رضائه عن الممارسات المخالفة

كُن اِبنَ مَن شِئتَ واِكتَسِب أَدَباً... يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَسَبِ

فَلَيسَ يُغنى الحَســـيبُ نِسبَتَهُ... بـــــِلا لِســــــــــانٍ لــــَهُ وَلا أَدَبِ

(الإمام علي بن أبي طالب)  

الحضاراتُ الكبرى والأممُ العظيمةُ أساسهُا الأخلاقُ الكريمةُ، لن تجدَ حضارةً عظيمةً خالدةً إلا لها أساسٌ متينٌ من الأخلاقِ الكريمةِ. تجدُ هذا واضحًا في الحضارةِ المصريةِ القديمةِ، وتندهشُ عندما تطالعُ صفحاتِ كتابِ "الموتى" عندَ المصريينَ القدماءِ وهم يقدمونَ ما قاموا بهِ في الدنيا يومَ الحسابِ. والأمرُ بصورةٍ أو بأخرى في مختلفِ الحضاراتِ القديمةِ، بل تسمى عصورُ الانحدارِ الأخلاقيِّ في الأممِ القديمةِ عصورَ الاضمحلالِ؛ حيثُ الفوضى والتدهورُ الأخلاقيُّ الذي يعقبهُ تدهورٌ اقتصاديٌّ فانهيارٌ عامٌّ للدولةِ.

ورسولُنا الكريمُ سيدُنا محمدٌ قالَ: «إنما بعثتُ لأتممَ مكارمَ الأخلاقِ». نفهمُ من هذا الحديثِ أنَّ مكارمَ الأخلاقِ هي الأساسُ الذي تمَّ بناءُ الدولةِ الإسلاميةِ عليهِ حتى حكمتْ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها. وقالَ اللهُ تعالى عن سيدِنا محمدٍ في سورةِ القلمِ: "وإنكَ لعلى خلقٍ عظيمٍ". فالأخلاقُ الكريمةُ التي تشملُ المعاملاتِ الاجتماعيةَ والاقتصاديةَ والسياسيةَ هي واحدةٌ من أهمِّ أولوياتِ المستقبلِ ومتطلباتِ نهضةِ الأممِ.

لعلكمْ تتذكرونَ كيفَ تمَّ استهدافُ الأخلاقياتِ بصفةٍ عامةٍ منذُ سنواتٍ طويلةٍ. أدواتُ هدمِ القيمِ الأخلاقيةِ كانتْ وما زالتْ واحدةً من أهمِّ طرقِ هدمِ الدولِ واستقرارِها، وبصورةٍ كبيرةٍ تمَّ استهدافُ العديدِ من القيمِ الأخلاقيةِ الساميةِ تحتَ شعاراتٍ براقةٍ لا تغني ولا تسمنُ من جوعٍ. والأمثلةُ كثيرةٌ، ومن خلالِ وسائلِ الترفيهِ المختلفةِ من سينما ودراما ورياضةٍ وفي بعضِ الأحيانِ الإعلامِ.

تمَّ استهدافُ قيمِ الأسرةِ والقيمِ الدينيةِ والحلالِ والحرامِ، واستهدافُ أيِّ قدوةٍ حسنةٍ تظهرُ في المجتمعِ بشكلٍ ممنهجٍ حتى يفقدَ الشبابُ الثقةَ بقدوتِهمْ، وتمَّ استهدافُ القادةِ التاريخيينَ والتشكيكُ في إنجازاتِهمْ، وغيرُهُ الكثيرُ والكثيرُ. ولو أفردنا مساحةً للأمثلةِ فهيَ كثيرةٌ، ولن أبالغَ إذا قلتُ إنَّ هذا كانَ تمهيدًا واسعَ المجالِ لما أطلقَ عليهِ فيما بعدُ بثوراتِ الربيعِ العربيِّ.

هذا التمهيدُ تمَّ التخطيطُ لهُ جيدًا من خلالِ العديدِ من مراكزِ التدريبِ، وتمَّ توجيهُ أموالٍ واستثماراتٍ ضخمةٍ لقطاعاتٍ معينةٍ في الدولِ المستهدفةِ لتحقيقِ هذهِ الأهدافِ. وأهمُّها على الإطلاقِ قبلَ 2011 كانَ قطاعُ الاتصالاتِ بالتزامنِ معَ انتشارِ أدواتِ ما يطلقُ عليهِ الإعلامُ البديلُ وهوَ السوشيالُ ميديا من فيسبوكَ وتوتيرَ في السابقِ وإكسَ الآنَ وغيرها من قنواتِ السوشيالِ ميديا، والتي كانتْ منصاتِ توجيهِ الشبابِ وقيادتِهمْ. والتي معَ الوقتِ اكتشفَ الجميعُ أنها أبدًا لم تكنْ إعلامًا بديلًا بل كانتْ أبواقًا موجهةً ضدَّ الدولِ، وهذا ما كشفتْهُ الأيامُ عندما اتضحَ أنَّ العديدَ من الصفحاتِ والحساباتِ كانتْ موجهةً وتتمُّ إدارتُها من دولٍ أخرى، بل إنَّ خوارزمياتِ هذهِ المنصاتِ موجهةٌ وتتمُّ إدارتُها بشكلٍ احترافيٍّ، فلا يظهرُ إلا ما يريدونَ إظهارَهُ ويختفي ما يريدونَ إخفاءَهُ.

لعلكمْ تابعتمْ ما حدثَ من عدوانٍ إسرائيليٍّ على غزةَ؛ حيثُ إنَّ الكثيرَ من مستخدمي الفيسبوكِ وإكسَ لا يستطيعونَ كتابةَ دولةِ فلسطينَ أو مجزرةِ غزةَ إلا رمزًا حتى يتحايلوا على هذهِ الخوارزمياتِ ويتمَّ نشرُ ما يريدونَهُ.

ومن يعتقدُ أنَّ هذا الأمرَ انتهى أو توقفَ فهو واهمٌ، فما زالتْ عصاباتُ الإخوانِ وتوابعُهمْ منتشرينَ على صفحاتِ السوشيالِ ميديا بأيِّ شكلٍ، تارةً بصفحاتٍ كوميديةٍ، وتارةً بصفحاتٍ رياضيةٍ، وأخرى بصفحاتٍ وهميةٍ، بل إنَّ هناكَ منهمُ الآنَ من يرتدي قناعَ الوطنيةِ حتى يدسَّ سمومَ التشكيكِ بينَ أبناءِ وطنِنا.

ومن حسنِ طالعِ مصرَ أنَّ الرئيسَ عبدَالفتاحِ السيسيَّ مُدركٌ لهذا الأمرِ ومُنتبِهٌ لخطورتِهِ في أكثرَ من موقعٍ وفي أكثرَ من حديثٍ، وآخرُها اللقاءُ معَ الطلبةِ المتقدمينَ إلى الأكاديمياتِ العسكريةِ وقبلَها كليةِ الشرطةِ.

فهذهِ اللقاءاتُ أكدتْ بما لا يدعُ مجالًا للشكِّ حرصَ السيدِ الرئيسِ على إيصالِ رسالةٍ واضحةٍ، وهيَ أنَّ مستقبلَ مصرَ بينَ أبنائهِ المتعلمينَ تعليمًا راقيًا على أحدثِ الطرقِ العلميةِ، فضلًا عن وعيِهمُ التامِّ بكلِّ قضايا الوطنِ وتحدياتِهِ، وهذا هوَ أساسُ التعليمِ والتدريبِ في الأكاديميةِ العسكريةِ للقواتِ المسلحةِ بالعاصمةِ الجديدةِ. ولهذا كانَ التوجيهُ باستحداثِ دوراتٍ تدريبيةٍ متنوعةٍ بهذهِ الأكاديميةِ لمختلفِ أبناءِ مصرَ، وكذلكَ العاملونَ بمختلفِ الأجهزةِ الإداريةِ، حتى تعمَّ المنفعةُ على وطنِنا مصرَ.

لهذا لم أندهشْ من بعضِ الأصواتِ التي بدأتْ تنعقُ على صفحاتِ السوشيالِ ميديا حولَ هذا التوجيهِ، فهذهِ الأصواتُ تريدُها فوضى، وهذا لن يحدثَ بأمرِ اللهِ.

وعندما سألَ أحدُ الشبابِ الرئيسَ حولَ السوشيالِ ميديا، أجابَ ومعَهُ الحقُّ: إنَّ تلكَ الوسائلَ هيَ جزءٌ لا يتجزأُ من عمليةِ التقدمِ الذي يشهدُهُ العالمُ، ويمكنُ الاستفادةُ من تلكَ الوسائلِ بإيجابيتِها شريطةَ حسنِ استخدامِها.

وطمأنَ السيدُ الرئيسُ الطلبةَ وشعبَ مصرَ حولَ عددٍ من القضايا بما في ذلكَ الوضعُ الاقتصاديُّ وحجمُ الاحتياطيِّ النقديِّ، وسبلُ التعاملِ معَ الدينِ الداخليِّ والخارجيِّ، وإيجادُ فرصِ عملٍ للشبابِ، والعملُ على تطبيقِ الذكاءِ الاصطناعيِّ والميكنةِ والرقمنةِ في مؤسساتِ الدولةِ، موضحًا في هذا الصددِ أنَّ الدولةَ لديها خطةٌ طموحةٌ لتطبيقِ الرقمنةِ، وتضمينِ تلكَ المجالاتِ في التعليمِ والمناهجِ الدراسيةِ، لتطويرِ التعليمِ وجعلِهِ متواكبًا معَ سوقِ العملِ الداخليِّ والدوليِّ.

كما أشارَ الرئيسُ في هذا الصددِ، إلى أنَّ عمليةَ التطويرِ بصفةٍ عامةٍ في الدولةِ مستمرةٌ وسوفَ تستغرقُ بعضَ الوقتِ، وأنَّ الدولةَ لديها برنامجُ تنميةٍ شاملٍ من أجلِ تحقيقِ التقدمِ والمساهمةِ في القضاءِ على البطالةِ. وفي الصددِ نفسِهِ، شددَ السيدُ الرئيسُ على أهميةِ اتخاذِ كلِّ ما يلزمُ من إجراءاتٍ لتحسينِ الصحةِ العامةِ ورفعِ اللياقةِ البدنيةِ لدى المواطنينَ، خاصةً فيما بينَ الشبابِ.

وردًّا على استفسارٍ بشأنِ موقفِ السيدِ الرئيسِ إزاءَ بعضِ الملاحظاتِ على عمليةِ التصويتِ في انتخاباتِ مجلسِ النوابِ؛ أكدَ سيادتُهُ أنَّ ما قامَ بهِ هوَ يمثلُ اعتراضًا «فيتو» على بعضِ الممارساتِ لعدمِ رضاهُ عنها، مشددًا على رغبتِهِ في إتمامِ كلِّ الأمورِ على خيرِ وجهٍ وهوَ ما يتماشى معَ رغبةِ الشعبِ المصريِّ، موضحًا أنَّ مصرَ كانتْ على حافةِ الهاويةِ عامَ 2011.

وأكدَ الرئيسُ أنَّهُ يسعى منذُ تولي مهامِّ منصبِهِ عامَ 2014 إلى إتمامِ الأمورِ بالشكلِ الأمثلِ وتغييرِ الوضعِ للأفضلِ، إلا أنَّهُ يتعينُ لإتمامِ ذلكَ أنْ يكونَ لدى الجميعِ القناعةُ والإرادةُ لتحقيقِ هذا الغرضِ، مشددًا على ضرورةِ مواصلةِ السعيِ والإصرارِ على التغييرِ وتحسينِ الوضعِ للأفضلِ، ومؤكدًا أنَّ هذا الهدفَ سوفَ يتمُّ بفضلِ اللهِ وعملِ المصريينَ، وأنَّ سيادتَهُ سوفَ يمنعُ أيَّ معوقاتٍ أمامَ تحقيقِ هذا الهدفِ.

هذهِ هيَ أولوياتُ الدولةِ المصريةِ، ومتطلباتُ المستقبلِ تتلخصُ في المزيدِ من العملِ الجادِّ والعودةِ إلى قيمِنا وأخلاقِنا الجميلةِ.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة