إجراءات عديدة يمر بها التقاضي العرفي للوصوغ إلى العدالة الناجزة بين أبناء البدو، وفي هذا المقال نسرد بعض هذه الإجراءات، والتي تشمل..
أولا: الخط
بعد الاتفاق في بحر العمار (العطون) على آلية إنهاء القضية من خلأل التقاضي، يخط المبدى عليه أو المعتدي للطرف الآخر ثلأثة قضاة، ويقول له: "لك ثلأثة من أهل الأمانات"، فإن وافق يقوم بالعدف، وإن رفض يتم الذهاب لبيت الملم لتحديد القضان أو أن يتفق الأطراف على الخط.
ثانيا: العدف
بعد تحديد القضان يعدف كل طرف قاضي ويبقى الثالث هو من ينظر في القضية، أما إن تم الخط في بيت الملم يكون البيت الذي تم الخط فيه هو أحد القضاة.
ثالثا: الدخول لبيت القضاء (الملم)
على الأطراف أن يدخلوا بيت العمارة متكافلين، ولا تتم الحجج لا بعد تعيين الكفلأء وموافقة كل طرف على كفيل الآخر، وبعدها يقدم كل طرف رزقته ويبدأ سرد الحجج لطالب البيت أو معطي العمار.
بعد ذلك يقوم القاضي بإعادة سرد الحجج كما سردها الأطراف، وإن كانت الإشكالية بسيطة وغير معقدة، يقول القاضي:"سمعنا حججكم وعلقنا رزقكم، والصلحة على الجماعة"، ويقوم برقع الموعد للصلح لعدة' أيام، أي أن الأطراف المحايدة تبدأ بالذهاب لصاحب الحق مطالبينه بالعفو والصفح.
رابعا: الجيرة
وهي قضايا القتل والاعتداء على حرمات البيوت، والاعتداء على الأعراض وقطع الوجه، ويندرج مع هذه المقضايا الخطف والسرقة.
إن هذه القضايا تتطلب إجراءات سريعة، وهي نقل الجيرة وهذا الإجراء يقوم به عقلاء ووجهاء المجتمع من غير أصحاب النزاع، ويعتبر القائمون على هذا العمل القائم على وقف استمرار النزاع مثل النيابة العامة في القضاء النظامى.
ونقل الجيرة في القتل العمد؛ أمر يتطلب مشقة من الوجهاء وفترة من الزمن، أما في القتل الخطأ، فيكون الأمر أيسر من القتل العمد، وفي التعدي على الأعراض، أو البيوت، أو السرقة بالإكراه، أو الخطف، فيتطلب ذلك نقل جيرة من المعتدي عليه والجيرة متنوعة حسب الفعل.
أ- جيرة القتل العمد:
إن جريمة القتل العمد في مجتمع سيناء لها آثارا كبيرة، وإن ذلك يسير تحت مظلة القرآن الكريم، حيث يقول تعالى (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (سورة النساء ـ الأية 93).
وعند حدوث هذه الجريمة، على القاتل وعصبته أن يجلوا ويرحلوا من المكان، وذلك حقنا للدماء؛ لأن أهل المجني عليه في الثلاثة أيام الأولى يستطعيون ـ حسب العرف ـ الاستيلاء على الأموال والقتل ويُسمى ذلك (فورة الدم)؛ لأن الوجهاء والعقلاء يبدأون من تلقاء أنفسهم بالتدخل لوقف نزيف الدم، والتردد على أهل المجني عليه محاولين إقناعهم بقبول الجيزة.
وكما ذكرنا فإن الأمر في مثل هذه الحالة أصعب من التحدث عنه بكلمات تدون، أو سطورا تُقرأ، لأن الأمر يكون على اتجاهين؛ إم أن يقبل أهل المجني عليه الجيزة، أو إصرارهم على الثأر، وقد كان قديما يتم الثأر في بعض الحالات من بعض أفراد عصبة الجاني.
ب- جيرة القتل الخطا:
وغالبًا ما تكون نتيجة حادث خطأ، أو عمل غير مقصود، أو تصرف فيه براءة؛ فيسرع الوجهاء والعقلاء بالتدخل قبول الجيرة من أهل القتيل بعد مداولات في إقناع أهل المجني عليه بأن ماتم هو قضاء وقدر من الله وخطأ لم تكن فيه نية مبيتة من الجاني، فيستجيب أهل المجني عليه ويتم قبول الجيرة منهم.
وعلى الجاني في هذه الحالات سرعة إبلاغ قبيلته أو عصبته بما حدث، حتى يتمكنوا من إبلاغ الوجهاء والكبار، لسرعة تحركهم وإشعار أهل المجني عليه بعدم الإهمال والاعتراف بالقتل الخطأ، ليكون ذلك مقدمة طيبة يتجاوب على ضوءها أهل المجني عليه مع الوجهاء وقبول الجيزة، ثم إن هذا العمل السريع يترك أثرًا لأهل المجني عليه يجعل لديهم من التسامح وأحيانًا العفو واحتساب الأجر عند الله سبحانه وتعالى.
ج- جيرة الاعتداء على حرمات البيوت:
إن للبيت حُرمة وتقدير؛ وذلك حفظًا وصونًا لهذه البيوت، وتعتبر لها أهمية للحفاظ على الأرواح والأعراض، فإن المشرع للقضاء العرفي أعطى للبيوت حصانة خاصة، ويمنع التعدي عليها نهائياً؛ حتى وإن كان شخص يطالب غريما له، ودخل غريمه البيت مستجيراَ، فلا يحق التعدي على حرمة البيت نهائيا.
وإذا تم التعدي فإن ذلك يؤدى إلى جريمة كبيرة، إذا لم يقم المعتدي أو قبيلته بسرعة طلب نقل الجيرة من أهل البيت، إن حُرمة البيوت في الصحراء تقع ضمن دائرة الحدود، وعلى الإنسان أن يبقى بعيدا حوالى40 خطوة منها، فلا يجب الاعتداء أو الإقتراب من هذا الحُرم، وذلك لأن البيوت الاضافة إلى حرمتها كبيوت فيها النساء والأطفال.
وإن الغرض من ذلك لم يكن شديدا على الضيف، أو عابر الطريق، أو المستجير؛ إنما هى حماية وكرامة تجعل حصانة البيت بعيدة عن الانتهاك، وفي حالات الثأر تحترم البيوت ولا يتم التعدى على النساء والأطفال، وإن ذلك يتمشى مع القوانين الحديثة من احترام لخصوصية حقوق الإنسان في بيته.
د- جيرة الاعتداء على حرمة البيوت والعرض:
كما ذكرنا سالفًا عن حُرمة البيوت وإن الاعتداء عليها يتطلب سرعة نقل الجيرة ففي بعض الحالات يكون غرض المعتدي المساس بالمرأة المُقيمة في البيت، وإن ذلك العمل يتطللب من المعتدي وعصبته نقل جيرة خاصة بالاعتداء على البيت، وجيرة أخرى خاصة بنساء في ذلك البيت.
وتفسيرًا لذلك، لو افترضنا أن المعتدي على البيت كان اعتداوه على بيت زيد من الناس، وأن المرأة الموجودة في البيت من قبيلة أخرى، فيكون نقل الجيرة من صاحب البيت وجيرة المرأة من أهلها.
هـ- جيرة التعدى على العرض:
إن للمرأة مكانة عظيمه واحترام وتقدير وكرامة مُصانة، حتى إن المشرع في العرف أعطاها كامل الحرية، وكان سابقا للقوانين الحديثة للحفاظ على حقوق المرأة متمشيًا مع الشريعة الإسلامية السمحة، في أن المرأة لها مكانة عظيمة، وإن أي أضرار بها أو محاولة الإساءة إلى سمعيتها تضع المعتدي تحت طائلة عقوبات مشددة. ولها قواعد عرفية تحفظ مكانة المرأة وسلامتها في أماكن تواجدها، أو خروجها، أو عودتها من بيتها، أو أثناء أداء عملها أيا كان طبيعته، وأن الاعتداء على المرأة يتطلب أقصى سرعة في طلب الجيرة من أهلها.
ويكون في حالات كثيرة المعتدي بلا حجة "مقطوع اللسان"، وفي بحض الحالات إذا تم الاعتداء على المرأة؛ ولم يتم إجراء نقل الجيزة، قد يتسبب ذلك في قتل المعتدي، وإن اعتراف المعتدى أفضل من الإنكار ولجيرة الإعتداء على الأعراض حدة مسميات:
١- جيرة البراءة: وتعني أن المدعي لابد وأن يطلب نقل الجيزة، ولكن لديه ما يثبت حسن النية، وأنه سيتقدم بأدلة براءته وحسن نيته أمام القاضي المنشد.
٢- جيرة نقاش: وتعني أن المتهم يطلب نقل الجيرة تحت مسمى أن له حق المناقضة أمام القاضي المنشد.
٣- جيرة الغرام أو جيرة الاعتراف: وهى التي تعني اعتراف المعتدى، وله مدلول أن الاعتداء مثبت، والإدانة واضحة، ويتم الاشتراط فيها أن المعتدي ليس له الحق في النقاش، وكما يقولون يجلس أمام القاضي لا يد تخط ولا لسان يرد، وإن هذه الجيرة لها بعد معنوي حيث يعتبر بمرتكبها مٌخلاً بالشرف، ومعتدياَ معترفًا بأدلة لا تقبل المراوغة.
يتضح مما سبق في أحوال طلب نقل الجيرة وقبول المعتدي عليه أو المجني عليه، فإن الأمر يكون قد أخذ الإجراء الأول التمهيدى، الذي يليه إلانتقال إلى القاضي المختص حسب الحالات السابقة، وذلك يوضح أن القواعد العرفية الهامة تجد من اتساع رقعة النزاع، وهي معلومة للجميع وضمن ثقافتهم المتوارثة، وتُحترم من قبل أفراد المجتمع، والخروج عن هذه القواعد يتسبب في أمور لا يحمد عقباها، وخاصة في القضايا التي ذكرناها تحت مسمى الجنايات.
خامسا: العطوة
وهى قضايا الضرب والجروح البسيطه، والاعتداءات بالأيدي أو بالعصى أو ما شابه ذلك. إن مثل هذه النزاعات تتطلب تدخلا سريعا من أهل الخير والوجهاء لعمل إجراء يسمى العطوة، وهي بمثابة هدنة تعطى، ويتم تحديدها بمعرفة أهل المجني عليه وظروف الإصابات التي حدثت من قبل الجاني، سواءا كان فردا، أو عددا من الأفراد، وإذا كان الطرفان بهما جروح أو كدمات تتقارب من بعضها البعض فإن العطوة - أي الهدنة - تعطى من الطرفين، لعدم الاعتداء مرة أخرى، ويبذل الوسطاء جهدا كبيرا لتثبيت العطوة.
فإذا رفض أحد الطرفين العطوة - أخذت منه عنوة — ويتم ذلك بإجراء يسمى رمى الوجه ، بمعنى أن يقوم الوسطاء قائلين إن وجه فلان عليكم لمدة ثلاثة أيام، وأن وجه فلان على الطرف الآخر ثلاثة أيام، ثم يتركون الجلسة ويخطرون صاحب الوجه بما تم، حيث أن الطرفين يعلمون أن التعدي في وجه الشخص الذي ذكر بأن وجه على الطرف الفلاني لن يتركهم، إذا لم يحترموا ويقدروا هذا الوجه، والتعدي على صاحب الوجه أعطى له المشرع في القضاء العرفي حقاً كبيرا ويكون قاضيه هو المنشد .
وقد ثبت لدى الجميع أن رمى الوجه، يعني وقف النزاع، وعدم الاعتداء، وفي مقاصده مصلحة المجتمع، ويكون من حق الوسطاء القيام بجولات أخرى خلال الثلاثة أيام التى ذكرناها، فإذا رفض المجنى عليه أو عصبته تمديد العطوة، فمن حق الوسطاء بعمل إجراء آخر وهو رمى وجه العدم لمدة ٧٥ يوما، والحكمة من ذلك أن تهدأ النفوس، وتكون فرصة متسعة للوسطاء للتأثير على المجني عليه، وعصبته والبدء في الإجراءات العرفية.
وفي حال أن أدى النزاع إلى إصابات جسيمة، قد يتخؤف أهل المجني عليه من التبعات فإنهم يوافقون على العطوة بساعات محددة، وبحطلب مبالغ مالية يدخل في تحديدها الوسطاء - حسب حجم الإصابة - وإن المال في ذلك الغرض منه هو الصرف على المصاب، ويتم خصمه من الحق أثناء التقاضي.
أما في الإصابات الخطيرة؛ فإن العطوة تتم مرهونة بحالة المُصاب والأمل في شفائه، أسا إذل حدثت الوفاة؛ فإن هذه العطوة ترفع، بمعنى أنها تلغى، ويتم تدخل الوسطاء مرة أخرى بطلب نقل الجيزة، لأن الوفاة تتطلب الجيرة أما الجروح فتكون فيها العطوة ولكل منهما معنى أثناء التقاضي.
أنواع العطوة:
1ـ عطوة صافية: إذا اعتدى فرد أو مجموعة على فرد آخر أو على مجموعة، وأحدث الاعتداء جروحًا أو نزيفًا من الدم، وكان ذلك الاعتداء بلا مبرر، وأن المجني عليه لم يسئ للجاني؛ فإن عصبة المجني عليه أو قبيلته؛ تطلب من الوسطاء أن تكون العطوة صافية في وجه الكفيل، ويعني ذلك اعتراف الجاني وعصبته باعتدائه وحق المجني عليه، واستعدادهم للمثول أمام القاضي العرفي مقرين ومعترفين بذنبهم وفي وجه الكفيل استعدادهم لمطالب وحقوق تعرض على القاضي العرفى.
ويُطلق على هذه العطوة (عطوة صافية، عطوة إقرار واعتراف، عطوة مكممة)، وتعني عدم الحديث بأي حجة أمام القاضي وهى تتمشى مع مبدأ الاعتراف سيد الأدلة،
٢- عطوة حقيقية: إذا تم اعتداء من طرفين، وكان الضرب والاعتداء نتيجة أسباب جعلت الضارب يخرج عن إرادته، تكون العطوة عن طريق الوسطاء عطوة حقيقية ولها كفيل، وسبب هذه التسمية أن الجاني يعترف بإعتدائه؛ ولكن له تحفظات على الأسباب، ولهذه الأسباب إذا ثبتت أمام القاضي اعتبار في تخفيف الحكم، لأنه يراعي مثل هذه الأسباب والدوافع.
ويٌطلق أحيانا على هذه العطوة ـ عطلوة نقاش ـ يكون بناءً عليها، حق الطرفين في سرد الوقائه والدوافع والحجج ليستخلص، القاضى الحقيقة في النزاع، ويحكم على. ضوء ما تبين له من نقاش للطرفين.
٣-عطوة متبادلية للطرفين : إذا تساوت الإصابات في طرفى النزاع وتم الاختلاف على من يطلب العطوة أي الهدنة - يكون الوسطاء قد تبين لهم ما يجعلهم يسيرون في طريق وقف النزاع، من خلال إعطاء كل طرف عطوة بكفيل، وتبحث الحقيقة فيما بعد لدى القاضي، ويضمن الكفلاء الدفا، ويعني عدم الاعتداء والوفاء، ويعني دفع الحقوق بناءً على حكم القاضي.
٤- عطوة عدم: تبين في الحالات السابقة للعطوة أيا كان نوعها بين أطراف النزاع وفي وجه الكفلاء، ثم بعد ذلك حدث اعتداء من طرف على آخر خلال مدة العطوة المتفق عليها؛ فيكون ذلك في وجه كفيل العطوة فيسمى قطع الوجه، لأن الطرف لآخر كان آمنا تحت وجه وحماية هذا الكفيل؛ فبذلك يصبح المعتدي قد أضاع حقوقه السابقة، وأن ما قام به في وجه الكفيل سيغرم عليه مثنى ـ أي مضاعفة الغرامة ـ هذا من جانب، أما الكفيل صاحب الوجه الذي تم الاعتداء في وجهه، فإنه يرغم المعتدي بالتقاضي أمام ثلاثة قضاة ضريبية أو دريبية ' لإحالة القنية إلى المنشد.
سادسا: رمي الوجوه
ففي بعض الحالات يحكم القاضي الضريبى في قطع الوجه؛ إذا قبل صاحب الوجه، أما إذا أصر صاحب الوجه المقطوع بإحالة القضية إلى المنشد فهذا حقه.
يتبين من ذلك أن قطع الوجه سواءا كان كفيلا أو تم قطع وجهه بعد رميه لوقف نزاع؛ يكلف المعتدي غرامات كبيرة يحكم بها قاضي المنشد الذي يحكم أصلا في قضايا العرض، وهنا حكمة القاعدة العرفية في احترام الوجه بما له من قيمة في الإجراءات العرفية.
سابعا: البدوة
وتعني إنذار على يد محضر وتكون البدوة بعد نزاع بين طرفين لم تصل إلى حد الإصابات، أو تكون نتيجة نزاع حول ملكية أرض، أو اعتداء على مزروعات، أو خلاف على أموال، أو مشاركة في أعمال، أو أي إدعاء يختص باي أعمال مدنية أو تجارية.
فإن المدعي يطلب من بعض الوجهاء الذين لا ينتمون إلى قبيلته، ويتصفون بالحكمة والحصافة، التوسط واخطار الطرف الآخر وأهله بما وقع عليه، رغبة منه في الاتفاق على التقاضي لحل النزاع.
فيقوم هؤلاء الوسطاء بإخطار المدعي عليه وكباره بما هو مطلوب، ويتم تكرار بدوة ثلاث مرات، وفي كل مرة يختلف فيها الوسطاء.
بمعنى أن من كان يشترك في البدوة الأولى لا يشترك في البدوة الثانية ولا في الثالثة، فإذا تم الإصرار على الرفض من المدعي عليه وكباره، فيكون على المدعي إرسال بدوة رابعت وتعني وفد لإبلاغم أن ابنهم يرفض الجلوس لدى القضاء العرفى، وتسمى هذه المرة الرابعة شفة، وتعني أنها المرة الأخيرة للبدوة، وأن أفراد البدوة شاهدين على الرفض.
وإن دور البدوة يتم كتنبيه بإبلاغ أهل المعتدي، وإدعاء المعتدي عليه، وفي حالات خرى تكون البدوة إصرارًا بشهود على الشخص المطالب بالتقاضي، وإلا ستكون عواقب الأمر وخيمة، ومن ضمن الأمور التي تنتج عن عدم الانصياع للتقاضي التوثيق.
شروط البدوة
أ- أن يكون عدد الرجال المرسلين كبدوة لا يقلون عن اثنين إلى خمسة؛ ولا تزيد عن ذلك، لأن زيادة العدد عن خمسة يقال (عندا عدوة وليست بدوة)، أي تعتبر عدوانا وإثارة وليست بدوة.
ب- أن تكون البدوة نهارا وليس ليلا، حيث لا يتم إرسالها ليلا إلا في شهر رمضان.
ج- أن يكون رجال البدوة من المعروفين بين الناس وليس بينهم خادم.
ثامنا:المسايلة الوساطة
وتعني أن يقوم بعض الرجال ممن لهم قيمة وكرامة بين أفراد المجتمع مستخدمين نفوذهم كوساطة خير، إما أن يقبل صاحب الحق بأن يقوم المعتدي وأهله بالذهاب له في بيته والاعتذار وطلب العفو، أو في أصعب الأحوال الاتفاق على مسمى عمار، أي هدنة لفترة زمنية حتى تهدئ النفوس، ويستكملون وساطتهم إما بحسم النزاع صلحا أو بإحالته إلى القضاء العرفي.
بعد أن أوضحنا الإجراءات السابقة سواءً كانت من الناحية الشكلية، أو الموضوعية فتلزم هذه الإجراءات إجراءً مهمًا، ألا وهو الكفالة.
تاسعا: النكوت
بعد سماع الحكم الذي أقره القاضي قد يراه الخاسر مبالغا فيه وإجحاف بحقه فيرفضه، ويقول للفاضي: "حقك منكوت اسندني على معدوفي"، أي أني أرفض حكمك وأريد القاضي الثاني، الذي قد يقوم بتأييد الحكم الأول بالقول:"حق جاني أشده ما بأهده"، أو قد يرفض الحكم ويتم إعادة القضية.
ولا يتم النكوت في قضايا الدم والعرض لما يترتب على ذلك من تصاعد للأمور التي قد تعقد المشكلة، وتصل بها لأمور لا تحمد عقباها، وإن تم (وهذا شبه مستحيل) فإن حكم القاضي الثاني سيكون أشد صرامة من حكم الأول.
عاشرا: الموعد
هو التقاء طرفي النزاع في بيت التقاضي.
موعد الفلج: هو موعد التقاء الطرفين وعدم حضور أحدهما يعتبر مفلوجًا (خاسرا) باستثناء قضايا العرض والدم، وباستثناء موانع الموت والسجن والمطر والسيل والمرض.
عاشرا: الرزقة
هي مبلغ من المال يقدم للقاضي كرسم للقضية، وهي من أساسيات القضاء وقد فرضت سابقا لأن القاضي شخص سخر كل وقته للجلوس بالبيت والفصل في القضايا بين الناس، وهي بمثابة أجرة له، ورسم للقضية، وثمنأ لما كان يقدم سابقا من الضيافة من الطعام والشراب والعناية بالخيول للمتقاضين ممن يأتون من أماكن بعيدة، فلا بد لهم أن يمكثوا ليوم أو أكثر عند القاضي.
وتقدر قيمة الرزقة بعشر المبلغ الذي يقره القاضي، وعلى القاضي أن يقبل ما يقدمه له المتقاضين دون تحديد للنوع أو الكم، ومن هنا فالرزقة كان لها وقت ملزم فيه المتقاضين للدفع لظروف خاصة أما في وقتنا الحالي فيجب أن تحدد بمبلغ رمزي كأجرة يوم فقط.
أنوع الرزقة :
- رزقة سنود : وهي تصف الرزقة إن حدث النكوت.
- رزقة الرفوع : وهي لرفع موعد التقاضي لسبب ما.
- رزقة معترضة : ويدفعها أحد الأطراف تحفظا منه على شيء بدر من قبيله.
- رزقة الدم : يدفعها صاحب الدم، وهي أكثر من الرزق الأخرى.
الحادي عشر: الكفيل
والحق في تسمية القضاة للمدعي، ولكن لابد من رضاء المدعي عليه بهم وبعد الاتفاق على القضاة يسمي المدعي عليه (كفيل وفا) أي كفيلًا يفي الحق الذي يحكم به القاضي، والمدعي (كفيل دفا) أي كفيلًا يضمن عدم التعدي على المدعي عليه في أثناء الدعوى.
ومن شروط الكفيل:
- أن يكون غير سارق أو كاذب أو خائن للأمانة (بايق).
- أن يكون حسن السمعة ولم يسبق له أن رجع في كفالته.
- أن يرد الشارد ويحط البارد.
- أن يكون ذو عزوة حتى يخشاه المكفول.
- أن يكون من ذوى أصحاب الثروات حتى يقدر على دفع ما قد طلب منه.
- صاحب مال ورجال ( له خمسة تفي وجيب دفي )
- تقي نقي ( ليست له مسيّة أو ذنوب رديّة )
الثاني عشر: الضمانة
ويشترط في الكفيل أو الضامن الصدق والوفاء والنزاهة والإخلاص, ولا يطلب منه ضامن ولا كفيل بل يؤمنه البدو على مالهم بلا شاهد.
الثالث عشر: اللسان
يعتبر اللسان بمثابة محامي يتحدث باسم من قام بتكليفه كونه من أهل العرف، وعلى علم كامل بالأمور العرفية وذو خبرة وفصاحة بالقول، وصاحب حجة قوية وقادر على المناورة، وتحويل مجرى القضية لصالح موكله.
ويكون تكليفه ئظرأ لعدم دراية الطرف بالأمور القضائية والعرفية، ويكون اللسان ناطقا باسم موكله بعدما تتم المشاورة' بينهم، وقد يرفع اللسان ويتم تغييره، وقد يحيد القاضي اللسان أو يطرده إذا رأى منه ما قد يزيد الإشكالية ويعقدها، وفي محاولة منه للاستماع لطرفي الخلاف مباشرة، وقد يكون لشيء في نفس القاضي قضاه.
وينظر البعض للسان بأنه مرتزق تم شراؤه وهذا ظلم له، فاللسان يكون ساعي خير، ومساندا لمظلوم أو لصديق في إعادة' حقوقه أو الدفاع عنه. لكن ترى كثيرا من الألسنة أشخاصا سيئين معروفين بقلب الحقائق وجعل الباطل حق، فيتم الاستعانة بهم لكسب القضية مقابل مبلغ من المال أو نسبة ن الحق.
تخصصات القضاء العرفيين
تنوعت تخصصات القضاء العرفي وإذ اتفق أطراف النزاع على التقاضي، واختلفوا على تحديد اختصاص جزء أو كل من هذا النزاع؛ كأن يدعي أحدهم أن جزء من النزاع من اختصاص المنشد، والآخر لا يرى ذلك، فتكون عقبة أمام الطرفين، فلم يترك مشرعي القضاء العرفي ذلك للاجتهاد، وقد تخصص لذلك قضاة يسمون بإسم الضريبية أو الدريبية"، وتعني تحديد درب التقاضي وتحديد القاض المختص. وهذا ركن هام من الإجراءات الموضوعية لهذا الاختصاص.
وكما للقضاء العادي أكثر من درجة مثل الجزئي والابتدائي والاستئناف فإن القضاء العرفي له درجات لإعطاء الفرصة للمتقاضين.
وفي بعض الحالات يتم حل النزاع لدى القاضي " الدريبي "؛ دون الإحالة إلى قضاة آخرين، لأن الأصل في قضاة الإحالة إلى الاختصاص هم ضمن منظومة القضاء العرفي، ويعملون في هذا المجال، وتغطى لهم صلاحيات من قبل المتنازعين لفض النزاع أو الإحالة.
ولأن الأصل في مقاصد القضاء العرفى، هو الإصلاح، وفض النزاع، واستقرار أفراد المجتمع، والعيش في أمن وأمان، فنجد أحيانا أن الإعتذار من المخطئ في ديوان شيخ القبيله أو كبيرها، أو حتى في بيت القضاء، ينهى الخصومة وأن الإحالة إلى القضاء العرفي تهدف إلى الاستقرار.
وفي بعض الحالات يتم الصلح دون حكم على ماتم من نزاع، ويصدر حكم لعدم التكرار، مضمونا في وجه الكفلاء حرصا من العقلاء والقضاة على أن الصلح أقرب وأفضل الطرق لأن لها أثر نفسى طيب.
يتميز القضاء العرفي بالاختصاص، حيث أن قواعد هذا القضاء تنظم الاختصاص لكل نزاع حسب ما تعارف عليه قبائل سيناء، وهو بمثابة دستور تناقلته الأجيال، وحافظت عليه إلى اليوم.
وقد عرف أبناء سيناء القضاء من خلال تاريخهم الطويل، فمنهم القضاة الذين ينظرون القضايا البسيطة التي لا تستدعي الاختصاص، وإن هذا الاختصاص بالرغم أنه معروف لدى قبائل معينة، إلا أن العمل بالقواعد العرفية وقوانين العرف لا تمنع أن يكون بعض القضاة لهم معرفة وعلم وخبرة بالتقاضي فينظرون القضايا تحت قوانين ثابتة، وان كان الاختصاص لغيرهم.
وهذه أحد مزايا القضاء العرفي الذي يتميز بالمرونة، وصلاحيات للقاضي العادل النزيه في نظر أي قضايا تعرض عليه، وهذا ضمن الأمور المستجدة من عشرات السنين، نظراً للزيادة السكانية، ونبوغ بعض الشخصيات كقضاة ملمين بالقواعد العامة بالعرف وتطبيق قوانينه.
وإن وحدة المبادئ القضائية مجمع عليها، وأساليب حل النزاعات واحدة؛ الهدف منها الضبط الاجتماعى.
والاختصاص في القضاء العرفي يبدأ بالآتي :
أولا- الكبار: وهم كبار القبيلة، وحكمائها المناط بهم رعاية مصالح أفراد قبيلتهم، أو عصبتهم فحين حدوث أي نزاع بتدارس كبار القبيلة؛ أو العصبة، والعائلة وضرورة السيطرة على عدم تفاقم هذا النزاع في أي أمر من الأمور، فيكون تدخلهم بحيدة تامة ويعرضون على طرفي النزاع محاولة إنهائه في مجلس القبيلة، والوصول إلى صلح يرضي الطرفين، وتعتبر هذه الجلسة هي بمثابة محكمة صلح بين أفراد القبيلة، وعدم عرض خلافاتهم خارج القبيلة.
وفي كثيب من النزاعات يتم حسمها في هذه الجلسات، وتنتهي إلى الصلح بين طرفى النزاع، وفي بعض الحالات التي لم يقبل فيها طرفى النزاع، أو أحدهما بفض النزاع داخل القبيلة من خلال الكبار وحكمائها، يحال الأمر إلى القضاة المختصين بالإجراءات المعروفة والمتبعة، وخاصة أن الخلافات داخل القبيلة الواحدة لها أثر سلبي؛ إذا لم يتم إنهاؤها صلحا عن طريق الكبار أو إحالتها إلى القضاء.
ثانيا- الكواكب من القضاة أو قضاة القلطة: ويعتبرون من أعلى الدرجات القضائية في العرف، وهم ينظرون في القضايا المستجدة على المجتمع، و تحال إليهم من القضاة أو برغبة طرفى النزاع، وهذه المحكمه لها صلاحيات واسعة في وضع أسس جديدة تعزز الاحترام والتقدير للمجتمع، وتثبت أحكاما تعتبر سوالف قضائية، أو سوابق قضائية، ويسمون أهل البناء وإن بنوا لا يهدم بناؤهم، ومن هنا يبرز بعد نظر واضعي القوانين العرفية إلى مستجدات تتطلب التعامل معها للحفاظ على المجتمع.
وهذه المحكمة تعني أن المجتمع يساير مراحل التاريخ، ولم يكن بمعزل عما يستجد، وقد وضع هذا المبدأ لخطورة القضايا المستجدة والتي تحتاج إلى وضع مبادئ جديدة مع إعادة النظر في التغير الاجتماعي للحفاظ على هذا التراث الكبير، ومسايرته للحدث والزمان.
ثالثا- قضاة المناهى: وهم القضاة المناط بهم إصدار الأحكام التي تضمن إنهاء أي نزاع والبت في الجرائم الخطيرة، وتشمل هذه الفئة من القضاة:
أ- منقع الدم: ويسمى قاضي الرقاب، وينظر في قضايا القتل سواءا كان عمدا، أو شبه عمد، أو خطأ، كما ينظر في قضايا الاعتداء والقصاص في الجروح، وتقدير التعويضات المناسبة والتابعة لجريمة القتل، وفي بض القضايا يحيل جزءاَ مما عرض عليه إلى القاضي الدريبى، إذا كان الخلاف على الأسباب أيا كان نوعها، لأنه يقضي في الدم فقط.
ب- المنشد: وهو القاضي المختص في نظر قضايا قطع الوجه والتسويد، ويعتبر هذا النوع من القضاء هام جدا، وركيزة من ركائز الاستقرار، لأنه يضع حدا أمام من يحاول إرتكاب جريمة قطع الوجه، وهنا يظهر أهمية رمى الوجه على طرفى نزاع ما، ويعني ذلك وقف النزاع في وجه شخص من الوجهاء وله قيمة كبيرة، مما يجعل القاضي المنشد يشدد في العقوبة خدمة لصالح المجتمع واحترام مثل هذا الإجراء - رمى الوجه - لأنه من الإجراءات التي تحول دون استمرار أو زيادة النزاع.
كما يختصر قاضى المنشد بقضايا البياض، وقضايا الاعتداء على الأعراض من اغتصاب؛ وتحرش، وإساءة إلى السمعة، وكل ما يختص بالاعتداء على المرأة قولا وفعلا، ويسمى في سيناء بالمسعودى نسبة على هذه القبيلة.
ج- القاضي الأحمدى: وهو القاضي المختص بحق البيوت، ومحارمها، والاعتداء عليها، وما للبيوت من قيمة وحرمة، على سبيل المثال:
إذا كان هناك شخص يطارد آخرا، والمطرود دخل أحد البيوت، فعلى الطارد عدم الاقتراب من البيت، وإلا وقع تحت قانون حرمة البيوت لدى القاضي الأحمدى.وذلك يدلل على أن القواعد العرفية، تجرم الاعتداء على البيوت والمقاعد، حتى لا تكون مشاعا لمن يرغب في الاتتداء، أو فرصة للقوى على الضعيف في حرمة بيته، وبالتالى حرمة ساكنى البيت.
د- العقبى: وينظر في قضايا العرض والاعتداء على حرمة المنازل، ويسمى "العقبي" نسبة إلى قبيلة بنى عقبة، حيث كانوا مشهورين في هذا الإختصاص، ولقاضي العرض منزلة وإحترام حيث يعتبر أب للنساء، وقد كان هذا القاضي يعمل بالشريعة الإسلامية، حيث كان في حالة استحالة العشرة يلجأ إلى الفصل، وهو ما يسمى اليوم بقانون الخلع. وقد ذكر نعوم بك شقير في كتابه تاريخ سيناء، أن العقبي هو قاضي نساء، وهو الذي يحكم في حقوقهن والتعدي على العرض، وكذا في حالة الطلاق والخلافات الزوجية.
هـ - قضاة أهل الديار: وهم القضاة الذين ينظرون في النزاع حول ملكية الأراضى أو تحديدها، سواءا كانت أراض زراعية، أو مناطق خاصة بالرعى وموزثة، كما يختص هذا القضاء في قضايا شفعة الجار وأولويته في أرض جاره، أو أحقيته في شراء ملك قرابته.
و- قضاة أهل الإقطاعات: وهم المختصون في النزاع الذي ينشب حول الزراعة والمياة والفلاحة، ويندرجون تحت قضاة أهل الديار.
ز ـ قضاة أهل العرايش: وهم القضاة المختصون بالفصل في الخلافات حول النخيل، سواءا في حالة الإتلاف، أو القطع، أو التعدي على المشرة، وهى سكن صاحب النخيل، كما يختصون بفض التنازع في حالة تداخل شجر النخيل بين الجيران.
ح - قضاة الرسان: ويختصون بقضايا الخلاف الناشئ حول الخيول وأصلها وبيعها وشرائها، وينضم لهذه الفئة من القضاة قاضي يسمى محاسبي الرعيان، وينظر في النزاع الذي ينشأ بين الراعى وصاحب المال من غنم أو إبل وغيرها، كما يختص بأجر الرعاة وحقوقهم.
ط - القاضى الزيادي: وهو لقب يطلق على القاضي المختص بنظر قضايا سرقة لإبل والحيوانات أو وثقها، وبصفة عامة ينظر في قضايا السرقات.
ويسمى الزيادي، لأنه يزيد في الحق على المعتدي حرصا على حقوق الغير في المجتمع، وتثبيتا لقاعدة الأمن والأمان على الأموال والممتلكات من إبل ومواشى وغيرها، وأحكامه رادعة في هذا المجال.
ي - قاضى الضيوف: وهو القاضي المختص بعملية فض النزاع الذي ينشاً بين مجموعة، كلا منهم يطالب بإكرام الضيف وتسمى المغالطه، وعندما يختلف بعض الأفرإد فيمن منهم السابق بإكرام الضيف؛ فيعرض الأمر على قاضي الضيف ليحدد الأسبقية، كما يعرض عليه أى إعتداء من فرد على الضيف في بيت مضيفه هو المختص بالحكم بحق الضيف.
الأستاذ الدكتور سليمان عباس البياضي
عضو اتحاد المؤرخين العرب
د. سليمان عباس البياضي