بعدَ أيامٍ سنكونُ أمامَ بدءِ تشغيلِ مشروعٍ كبيرٍ. إنَّهُ مشروعٌ أشبهُ باليوتوبيا في الشارعِ العربيِّ؛ لأنَّهُ يحققُ تعاونًا مطلوبًا بينَ الدولِ العربيةِ، ليتَهُ يمتدُ لأبعدَ مِنَ الطاقةِ الكهربائيةِ.
أخيرًا يتحققُ الربطُ الكهربائيُّ المصريُّ السعوديُّ نهايةَ العامِ. واتفقَ مسئولو الكهرباءِ في البلدينِ على الانتهاءِ مِنْ تنفيذِ المشروعِ خلالَ أيامٍ، وتشغيلِ المرحلةِ الأولى منهُ بنهايةِ الشهرِ الجاري. واتُخِذَ القرارُ خلالَ اجتماعِ اللجنةِ المشتركةِ مِنَ الجانبينِ، وبعدَ مراجعةِ الجوانبِ الفنيةِ والتشغيليةِ للمشروعِ. بحيثُ تمَّ اختبارُ مُهمَّاتِ وأنظمةِ الربطِ الكهربائيِّ، وحتى اليومِ الأولِ مِنْ ديسمبر الجاري، وصلتْ نسبةُ تنفيذِ المرحلةِ الأولى 99%.
ما أهميةُ المشروعِ؟
يحققُ مشروعُ الربطِ الكهربائيِّ المصريِّ السعوديِّ تبادلًا للقدراتِ الكهربائيةِ تبلغُ 1500 ميجاوات في الاتجاهينِ، وهيَ نصفُ الطاقةِ المستهدفةِ، والمتوقعُ تشغيلُهُ بالكاملِ أبريل 2026. خصوصًا وأنَّ السعوديةَ هيَ الدولةُ العربيةُ الأولى في إنتاجِ الكهرباءِ، ومصرُ الدولةُ العربيةُ الثانيةُ، تليها الإماراتُ. (إحصاءاتُ سنةِ 2024).
وكانتِ الحكومتانِ المصريةُ والسعوديةُ اتفقتا على إنشاءِ مشروعِ الربطِ الكهربائيِّ في عامِ 2012، لكنَّ العملَ بهِ تلكأَ، حتى بدأَ العملُ الفعليُّ في عامِ 2021، بهدفِ إنهاءِهِ في العامِ التالي، وهوَ ما تأجلَ أيضًا. وظهرتِ الحاجةُ إلى الاتفاقِ على هذا المشروعِ والعملِ بهِ، بعدَ الضغوطِ الواضحةِ على شبكتيِ الكهرباءِ في البلدينِ لأسبابٍ متنوعةٍ. وتبلغُ القدرةُ الكليةُ لخطِّ الربطِ 3 آلافِ ميجاوات وبتكلفةٍ استثماريةٍ للمشروعِ تتجاوزُ 1.8 مليارِ دولارٍ، ويعملُ على التنفيذِ تحالفٌ مكونٌ مِنْ ثلاثِ شركاتٍ عالميةٍ.
وهناكَ مشروعاتٌ مصريةٌ مماثلةٌ معَ دولٍ أخرى، مثلُ الربطِ الثلاثيِّ معَ كلٍّ مِنْ قبرصَ واليونانِ، والربطِ الثلاثيِّ معَ العراقِ والأردنِ. وتوجدُ خطةٌ أخرى لاستكمالِ وتطويرِ الربطِ المصريِّ السعوديِّ معَ ليبيا، وأرجو ألَّا تعطلَها التطوراتُ السياسيةُ في الجارةِ ليبيا. كما أنَّ هناكَ مشروعَ الربطِ القديمَ معَ السودانِ، والذي يتطلعُ إلى ما يتجاوزُ الربطَ إلى التصديرِ لدولٍ أخرى في القارةِ الإفريقيةِ. ونلاحظُ في تخطيطِ وزارةِ الكهرباءِ اقترابًا مِنْ فكرةِ "مركزٍ" للربطِ بينَ القاراتِ الثلاثِ، ونحنُ المحورُ فيها، مِنْ قديمِ الأزلِ.
ويعني الربطُ في لغةِ خبراءِ الكهرباءِ تبادلَ الاستفادةِ مِنْ إنتاجِ كلِّ بلدٍ معَ البلدِ الآخرِ، لتحقيقِ الحاجةِ للطاقةِ الكهربائيةِ في أوقاتِ الذروةِ، التي تتحركُ في كلِّ بلدٍ بتوقيتٍ مختلفٍ، مهما كانَ ضيقُ مساحةِ الوقتِ، أوِ الفرقُ الزمنيُّ بينَ كلِّ بلدٍ وآخرَ، على مدارِ العامِ، وفقًا لاحتياجاتِ كلِّ جانبٍ.
ولسنا بعيدينَ عنْ زمنِ تخفيفِ الأحمالِ وقطعِ التيارِ عنْ مناطقَ متعددةٍ في مصرَ، حتى وصلنا إلى سقفِ أزمةٍ أثارتِ التساؤلاتِ. ويبدو أنَّ العجزَ في الكهرباءِ تحولَ في العامِ الأخيرِ إلى فائضٍ بسببِ مشروعاتٍ واستثماراتٍ ضخمةٍ في إنتاجِ الكهرباءِ بلغتْ مئاتِ الملياراتِ، وحدثتْ إضافةٌ في القدراتِ بعدَ إنشاءِ أكثرَ مِنْ 30 محطةِ إنتاجِ طاقةٍ كهربائيةٍ.
هلْ هناكَ قدرةٌ على التنفيذِ؟
يوجدُ ربطٌ فعليٌّ بينَ مصرَ والأردنِ بمقدارِ 450 ميجاوات، وتبحثُ البلدانِ في رفعِهِ إلى 2000 ميجاوات، ليشملَ العراقَ وفي مرحلةٍ لاحقةٍ سوريا ولبنانَ. وبالنسبةِ للسودانِ الخطُّ قائمٌ، والربطُ قائمٌ معَ ليبيا بقدراتٍ أقلَّ مِنَ المخططِ لهُ.
وأقولُ إنَّهُ زمنُ الربطِ الكهربائيِّ على الأقلِّ عربيًا، فالجزائرُ تخططُ لربطٍ معَ تونسَ وليبيا. وهيئةُ الربطِ الكهربائيِّ الخليجيةُ اعتمدتْ ميزانيةً ضخمةً لتمويلِ الربطِ بينَ سلطنةِ عمانَ ودولِ الخليجِ، وتخططُ الهيئةُ للربطِ بينَ دولِ الخليجِ والعراقِ وسوريا. كما أنَّ مصرَ والإماراتِ وقعتا منذُ شهرٍ تقريبًا اتفاقيةَ دراسةِ مشروعِ نقلِ كهرباءِ بينَ مصرَ وأوروبا عبرَ إيطاليا. فيما وُقِّعَتِ اتفاقيةٌ قبلَ ثلاثةِ أشهرٍ بينَ مصرَ واليونانِ، لنقلِ الطاقةِ الكهربائيةِ إلى أوروبا، وبتمويلِ تحالفٍ أوروبيٍّ، والمشروعُ مدرجٌ ضمنَ مشروعاتِ الاتحادِ الأوروبيِّ ذاتِ الأولويةِ.
ونعرفُ أنَّ المغربَ دعمَ إسبانيا كهربائيًا في أزمةِ الكهرباءِ هذا العامِ عنْ طريقِ الربطِ عبرَ مضيقِ جبلِ طارقَ. وتشاركُ الدولُ الأوروبيةُ بعضُها في وقتِ الذروةِ عبرَ الربطِ الكهربائيِّ الذي يدعمُهُ الاتحادُ الأوروبيُّ.