لا يخرج العائد من أسيوط كما دخل. تأخرت الزيارة، ثم دخلتها رئيسًا لمؤتمر. رئاسة أدبية غير مرهقة، بلا أعباء. رئاسة شرفية برلمانية خالية من الالتزامات. صيغة لا تسمح باستمراء السلطة، ويمكن استعارة التجربة من الثقافة. أما الجهود التنظيمية التي تستغرق شهورًا فينهض بها مؤمنون بالإبداع، يحرصون على إقامة مؤتمر نادي القصة بأسيوط سنويًّا، يتحدَّوْن عقبات بيروقراطية لا تصمد أمام عناد المؤمنين بما تؤهله لهم مواهبهم. فإذا أغلقت قاعات قصر الثقافة، لقصور في الثقافة أو الوعي، رحبت بهم وبضيوفهم مكتبة مصر العامة.
موضوعات مقترحة
منذ سنوات أشارك في تحكيم مسابقة للقصة القصيرة على مستوى الجمهورية تشرف عليها دار المعارف. إبداع مبشّر لا نملك الآن غيره. ومن خمسة فائزين هذا العام (2025) تصادف فوز ثلاث كاتبات، اثنتان من أسيوط (آيات الشريف ووئام عصام)، الناشطتان في الحركة الأدبية في أسيوط. عرفت بنشاطهما بعد شهور. ولا علاقة للقصص الفائزة بالنشاط العام لكتابها. أعضاء لجنة التحكيم لا يعرفون عمل هذا الكاتب، ولا عنوان ذاك. إبداع استثنائي يؤكد وعي الفائزين بتاريخ النوع الأدبي، وإدراك الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية الضاغطة، لكن امتلاكهم حساسية اللغة الفنية يعصمهم من قواصم المباشَرة، وينأى عن صراخ يجعل الأدب تقريرًا وبيانًا قصير العمر.
في ذلك الحفل حرصتُ على لقاء الفائزين، وتهنئتهم بتجاوز حدود عصرهم بإبداع أطول عمرًا من كاتبيه. وتخيلت انتهاء الأمور في حدود الابتسامات والتهنئة، وانتظار مصادفة أخرى يتيجها نصٌّ منشور لفائزين يتقدمون بخطوات راسخة في أرض الإبداع، فإذا بي في أسيوط.
مؤتمر نادي القصة بأسيوط
فاجأني افتتاح المؤتمر الحادي عشر لنادي القصة بأسيوط، 21 نوفمبر 2025 بمكتبة مصر العامة. حشدٌ من النقاد والأدباء والشعراء مثير للاهتمام والاحترام. في القاهرة يطغى الصخب أحيانًا على الجدية، والبعض يكتفي بهذا الصخب أو يفتعله، يُغنيه ويُشبعه نفسيًّا، يمنحه شعورًا زائفًا بالأهمية. في بعض الأمسيات يستمع بضعة أشخاص إلى شاعر يلقي قصائده على عدد كبير من المقاعد الفارغة، ثم يأخذ مكانه بين جمهور من بضعة أفراد ينقصون فردًا يتجه إلى المنصة للإلقاء.
ويتوالي تكرار الأدوار. يتقاسمون الإلقاء والإنصات، في غياب جمهور من مستهلكي الأدب. مشاهدو الأفلام لا يطمحون إلى أن يكونوا نجومًا، أو صناع أفلام. هم فقط محبّون للسينما. لا نصيب للأدب، تقريبًا، من هذه المحبة الخالصة.
الروح في نادي القصة بأسيوط مصدر الالتفاف والحماسة والرغبة في المشاركة، بفضل نشاط إدارته، برشاقة ومن دون إعلان عن الذات، تغنيهم آثار جهودهم. علي عبد الرازق رئيس النادي، والدكتورة وئام عصام الأمين العام للمؤتمر. والدكتورة هاجر محروس مديرة مكتبة مصر العامة بأسيوط. ومن الجيل الإبداعي الصاعد آيات الشريف، وفاطمة الشريف الفائزة بجائزة الدولة في القصة القصيرة، عام 2024، عن مجموعتها «حين يغيب العالم».
تأسس نادي القصة في أسيوط عام 2002، ويختص بالأجناس السردية، ويعقد جلسة كل أربعاء. وينظم مسابقة سنوية في القصة القصيرة منذ أربعة عشر عامًا. وسبقت هذه الدورة للمؤتمر عشر دورات تناولت قضايا سردية. وهذا هو المؤتمر الأول لنادي القصة خارج قصور الثقافة.
مؤتمر نادي القصة بأسيوط
في ملتقيات أدبية كثيرة يكون الهامش أكثر غنى من المتن. حوارات الموائد، ونقاشات المقاهي، وصخب الجلسات الحميمة أهم من كلام رسمي على المنصة، وأكثر دفئًا. في أسيوط يستحوذ المتن على الانتباه؛ فلا يترك مجالًا لسواه، حتى إنني عشت وهم الاسترخاء باعتبار الرئاسة الشرفية للمؤتمر تكريمًا منزّهًا عن أي مسؤولية، فإذا بالكاتبة ميرفت يس تقدم الندوة، وتدعوني إلى إلقاء كلمة افتتاحية، وأنا في الصف الأول، بجوار الصديق إبراهيم المنيسي، ولم يكن ممكنًا الجلوس في الصف الأخير كما اعتدت؛ لأتمكن من التسلل بهدوء إذا استشعرت مللًا.
ما هكذا يفاجأ الرئيس في المؤتمرات. ولأن الرئاسة مؤقتة وبرلمانية فلا بدّ أن يلبي. لا يستطيع الاعتذار على طريقة المطربين حين يُطالَبون بالغناء في البرامج؛ خوفًا من تواضع الأداء بعيدًا عن لمسات مهندسي الصوت في الاستويوهات. لديّ فوبيا الميكروفون، والكلام ليس مهنتي، فماذا أقول في وجود أساتذة القصة القصيرة، وحضور القاص الناقد الكبير سيد الوكيل، ومبدعين من عموم مصر، وأمامي مباشرة الشاعر أوفى عبد الأنور أحد سحرَة الإلقاء؟
في بضع ثوان، فكّرت في عدة جمل تشغل حيّزًا زمنيًّا لا يزيد على ثلاث دقائق. دقيقة أشكر فيها المنظمين. ودقيقتين للكلام عن أنشطة ثقافية حقيقية، خارج القاهرة، لا تحظى باهتمام إعلامي مستحق. وفي الخطوات الفاصلة بين مكاني والمنصة، لمحتُ عنوان المؤتمر «النزعة الصوفية في الرواية العربية»، وتذكرتُ أن المؤتمر ينظمه نادي «القصة». ليكن الكلام في مديح القصة، والتحامل على الراوية التي أعلن قبل نحو ثلاثين سنة أننا نعيش زمنها؛ فاستمرأ ذلك الكثيرون من القصاصين والشعراء والنقاد والناشرين، وامتلأت أرفف المكتبات بروايات ضخمة، مثل قرن الخروب: قنطار خشب ودرهم حلاوة. يمكن للرواية أن تكون جيدة أو متوسطة. لكن القصة القصيرة تكون جيدة، أو لا تكون. القصة ترفض الفتور والوقوع في منطقة بينية يمكن للرواية أن تقف فيها، وتستند إلى فصل جيد يستر عيوب فصل ضعيف.
مؤتمر نادي القصة بأسيوط
القصة القصيرة لا تحتمل ثرثرة تسِم كثيرًا من الروايات في العقود الأخيرة. إنها فن عصيٌّ لا يجيده إلا الموهوبون، والفوز فيها بالضربة القاضية. أما الرواية فكثيرًا ما تحقق الفوز ـ إذا حققته ـ بمجموع نقاط الجولات. فرق كرة القدم القوية تحسم الفوز في بدايات المباريات، أو في الوقت الأصلي. ومنتخب مصر ضعيف، يحقق الفوز في الأشواط الإضافية، أو بضربات الجزاء بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي، كما حدث في مباريات كأس الأمم الإفريقية الأخيرة (2022).
القصة القصيرة فنٌّ مستقل، بالغ الأناقة والكبرياء. ليست تدريبًا للوصول، أو للصعود، إلى الرواية. قلت كلامًا آخر نسيته الآن؛ لأني لم أستعد له. وفوجئت بأن الكلمة، التي أرادوها افتتاحية بروتوكولية موجزة، تجاوزت عشر دقائق. لعلهم أرادوا الرئيس أن ينتهي. لكنهم ـ وقد فاجأوه من دون استشارته ـ احتملوا في صمت. عزّ عليهم أن يستعجلوا الرئيس. واحدة بواحدة!
أنجزت مهمتي، وتوالت كلمات رئيس النادي والأمين العام للمؤتمر ومديرة المكتبة، وكلمة مسجلة بالفيديو لكل من الدكتور سيد عبد الرازق والدكتورة ريم بسيوني ضيفة شرف المؤتمر. ثم فاجأتني الجلسات البحثية لكل من الناقد علاء عبد السميع، والدكتور محمود فرغلي الذي قدم دراسة الدكتور تامر عبد العزيز، وقدم القاص أشرف أيوب بحثًا جديدًا جديرًا بالاهتمام والنشر على نطاق أوسع، عنوانه «التصوف المسيحي بين التجربة الروحية والتجلي الأدبي».
وقدم الدكتور ثروت عكاشة ونعيم الأسيوطي الأمسية القصصية. وكرم المؤتمر الشاعر فارس خضر، لرعاية دار الأدهم لمسابقة المجموعة القصصية. كما كرم الفائزين في المسابقة الرابعة عشرة للقصة القصيرة المنفردة، وهم عادل السمري وإسلام الحادي ونيرمين السطالي، إضافة إلى تكريم الكاتبة أسماء عبد الراضي لفوزها في مسابقة المجموعة القصصية الأولى.
بعيدًا عن جدية البحوث شهد المؤتمر فقرة فنية من الشعر للمنشد حسين محمد وفرقة تيم الطريق.
ويهديني المبدعون مجموعات أسعد بقراءتها. «رحلة الطيف» لوئام عصام، و«نوباتيا» لرأفت عزمي، و«جدلية الهروب» لولاء عطا الله، و«حكايا الليل» لصابر فتحي عبد الله.
مؤتمر نادي القصة بأسيوط
هنا ينتهي المتن، فلأهرب إلى الهامش المفضّل، وإن تباطأ المسار قليلًا بحكم طبائع الأشياء حين تمشي بصحبة نجم مثل إبراهيم المنيسي يطلبون التصوير معه. والدعوة الكريمة من المستشار نبيل عواجة، الذي كتب إليه مصطفى أمين قبل عقود أن صورته ستنشر في الصفحة الأولى. قريبًا تتحقق النبوءة بحصوله على الدكتوراه الثالثة. تحلو السهرة على باخرة راسية وماء النيل يجري من تحتنا، وأفتح حوارًا لا علاقة له بالمؤتمر، فأسأل الدكتور رضا البدري أستاذ الأمراض العصبية بجامعة أسيوط، عن شيء محيّر.
لماذا لا تظهر أي علامات غير طبيعية في أي أشعة لمريض الصرع؟ يوضح أن ذلك صعب، إن لم يكن مستحيلًا؛ لأن الاضطرابات تحدث خلال نوبة الصرع. قبله وبعده تكون خلايا المخ طبيعية جدًّا. وأنتبه إلى الدقة اللغوية لدى الدكتور نبيل عواجة، واستقامة الجمل ومخارج الحروف، فأستدعي عملي محررًّا للحوادث، وقد رأيت رؤساء نيابة لا تستقيم لهم جملة في مرافعاتهم. أمدّ الخيط إلى آخره فأجد أحدهم مستشارًا يترأس هيئة كبرى، ويخطئ حتى في نطق آية قرآنية واحدة. يؤكد لي الرجل حرصه على شراء الجديد في علم اللغة، وكُتب الأخطاء اللغوية الشائعة، سنويًّا في معرض القاهرة للكتاب. أقدّر أنه استثناء يؤكد القاعدة.
الهامش رحبٌ، يتمرد على الجدول. من الطب والقضاء واللغة إلى الرياضة أجدني في حصار أهلاوي. الرياضة هي النادي الأهلي وحده. الطبيب أهلاوي وكذلك المستشار بدرجة لا أتخيلها. لا يشاهد المباراة إلا بعد انتهائها، والتأكد من الفوز. في الإعادة تزعجه للغاية أي هجمة مرتدة تهدد مرمى الأهلي، مع يقينه بأنها لم تكتمل. ضريبة أن تكون أهلاويًّا. في البيت يتهمني ابني آدم بأنني لا أزال أشجع الزمالك. أقسم له أنني لا أعرف في الزمالك إلا شيكابالا، فيقول إنه اعتزل. باقتراح من الصديق محمد القوصي، تقريبًا في صيف 2007، أصبحت عضوًا في النادي الأهلي. وفي مباريات القمة أتمنى فوز الأهلي؛ ليفرح أولادي، وأنتظر الهدف الجميل المعتاد لشيكابالا.
يوضح لي الدكتور رضا البدري ضرورة وجود شيء مثير، خارج التخصص المهني. إفراز الأدرينالين، استجابة للتوتر والخوف، مفيد جسديًّا مهما يكن مرهقًا عصبيًّا. تذكرت قصة «أين اختفى آخر الديناصورات؟» للشاعرة أمل فرح، عن الديناصور الأخير الذي لم يأبه لاختفاء رفاقه. لم ينزعج ولم يسأل. تساوت عنده الأشياء. يشرب الماء العذب والمالح. لا يفضل الخضرة، ولا يتذمر من الصحراء. لم يشغله ابتعاده عن أرضه؛ فلا يحب وطنه القديم ولا يكرهه. ثم وصل إلى رمال متحركة، لعلها فخٌّ لكهف عميق ابتلعه. لو كان يحب أو يكره، لو تمتع بشيء من القلق، لسأل وفكّر وما اختفى. كانت ابنتاي سلمى وملك تحبّان هذه القصة التي تلخص فلسفة الدهشة.
أينما تكونوا يدرككم الأهلي. في بيت المنيسي، كان النادي حاضرًا، في حوارات ضيوفه، ومع أحمد ومحمود وعبد الرحمن أبناء أخيه عاطف المنيسي. من هناك رأيت الدير المحرق على مرمى البصر، وتأجلت زيارته. كان يجب أن نذهب في النور. المكان الذي أقامت فيه العائلة المقدسة ستة أشهر، الكنيسة الأقدم في العالم، «مذبح للرب في وسط أرض مصر»، المذبح الذي أسّسه المسيح، لا بدّ أن تكون زيارته في النور.