الأربعاء الماضي، 3 ديسمبر، صادف مرور السنةَ الأولى على وقوعِ واحدةٍ من أسوأ الأزماتِ السياسيةِ، التي شهدتها كوريا في التاريخِ المعاصرِ، نتيجةً لقيامِ الرئيسِ المحبوسِ يون صوك-يول بإعلانِ الطوارئِ والأحكامِ العرفيةِ بشكلٍ مفاجئٍ.
إحياءً للمناسبةِ وبالرغمِ من برودةِ الطقسِ، شهدتِ العاصمةُ الكوريةُ العديدَ من الفعالياتِ الشعبيةِ والرسميةِ، تقدمتها مسيرةٌ ضمتِ الآلافَ أمامَ مبنى البرلمانِ، الذي شهدتْ قاعاتهُ وأسوارُهُ أبهى مظاهرِ انتصارِ الديمقراطيةِ على الفوضى.
مظاهرُ التفافِ شعبِ كوريا، بكلِ مكوناتهِ السياسيةِ والاجتماعيةِ، حولَ احترامِ الدستورِ والقانونِ، واحتشادِ الملايينِ دفاعًا عنِ الديمقراطيةِ، أيقظتْ مشاعرَ وذكرياتٍ بداخلي، حينما انتصرتْ إرادةُ المصريينَ على انقلابِ الإخوانِ البغيضِ.
أحزابُ المعارضةِ الكوريةِ، وليسَ فقطِ الحزبُ الحاكمُ، تسابقتْ -جميعُها- بالأمسِ، وتقدمتْ باعتذارِها العلنيِّ للأمةِ، وتعهدتْ بالتبرؤِ منْ نظامِ الرئيسِ المخلوعِ يون، ووصفتْ فرضَ الأحكامِ العرفيةِ بأنهُ عملٌ غيرُ دستوريٍّ، وغيرُ ديمقراطيٍّ، انتهكَ الديمقراطيةَ الليبراليةَ التي بناها الكوريونَ الجنوبيونَ بدمائِهمْ وعرقِهمْ منذُ عقودٍ.
في تصريحٍ أدلى بهِ بهذهِ المناسبةِ، قدمَ وزيرُ الدفاعِ الكوريِّ الجنوبيِّ، أن جيو-بيك، الاعتذارَ عنْ تورطِ الجيشِ في المحاولةِ الفاشلةِ لفرضِ الأحكامِ العرفيةِ، وقالَ نصًا: "نيابةً عنِ الجيشِ، أعتذرُ رسميًا عنْ تعريضِ الشعبِ للخطرِ، وتركِ جرحٍ عميقٍ في نفوسِ غالبيةِ أفرادِ الخدمةِ الأبرياءِ، وارتكابِ جريمةٍ خطيرةٍ لا تُغْتَفَرُ".
أضافَ أنهُ عندَ تعيينهِ كأولِ وزيرِ دفاعٍ مدنيٍّ منذُ 64 عامًا، وعدَ بإعادةِ بناءِ الجيشِ، ليصبحَ منْ أجلِ الشعبِ، والانفصالِ عنِ الماضي، وليسَ -فقطْ- كأداةٍ لفرضِ الأحكامِ العرفيةِ، وقالَ: "لقدْ بذلتُ كلَّ جهدٍ ممكنٍ دائمًا، معتقدًا أنَّ كلَّ خطوةٍ نتخذُها ستكونُ بمثابةِ معلمٍ تاريخيٍّ في طريقِ إنهاءِ التمردِ وإرساءِ الدولةِ المدنيةِ".
بالضبطِ كما اعتبرَ المصريونَ يومَ 30 يونيو ثورةً عظيمةً، شهدتِ القضاءَ على فسادِ واستبدادِ الإخوانِ، وحققتْ انتصارًا للديمقراطيةِ على الفوضى، قررَ رئيسُ كوريا، لي جيه-ميونج، تحديدَ يومِ 3 ديسمبر، باعتبارهِ عيدًا لـ "ثورةِ النورِ".
ووجهَ الرئيسُ لي كلمةً للأمةِ، جاءَ فيها: "هذهِ هي المرةُ الأولى منذُ بدايةِ القرنِ الحالي، التي يحدثُ فيها انقلابٌ في دولةٍ ديمقراطيةٍ، ويجري إحباطُ الانقلابِ بسلامٍ على أيدي المواطنينَ العزلِ، وبالتالي، يستحقُ الشعبُ الكوريُّ -الذي تغلبَ سلميًا على أزمةٍ ديمقراطيةٍ غيرِ مسبوقةٍ في التاريخِ- الحصولَ على جائزةِ نوبلَ للسلامِ".
في الوقتِ نفسهِ، قالَ الرئيسُ الكوريُّ الجنوبيُّ: "إنَّ منْ يسيئونَ استخدامَ السلطةِ لارتكابِ انتهاكاتٍ لحقوقِ الإنسانِ، كالقتلِ تحتَ التعذيبِ، وتلفيقِ التهمِ الجنائيةِ، وتدبيرِ الانقلاباتِ، يجبُ أنْ يعاقَبوا ما داموا أحياءً، مثلَ مجرمي الحربِ النازيينَ".
مِنَ اللافتِ أنَّ الرئيسَ المخلوعَ يون -وهوَ في محبسهِ- حاولَ الدفاعَ عنْ قرارِهِ فرضَ حالةِ الطوارئِ والأحكامِ العرفيةِ، مؤكدًا استنادَهُ لواجباتٍ دستوريةٍ، تهدفُ لحمايةِ حريةِ الشعبِ والنظامِ الديمقراطيِّ الليبراليِّ، وادعى أنَّ كوريا كانتْ تواجهُ محاولةً للإطاحةِ بالنظامِ، مِنْ جانبِ ما وصفَها بالدكتاتوريةِ البرلمانيةِ للمعارضةِ.
أما كلماتُ الرئيسِ الكوريِّ لي فقدْ لمستْ وترًا حساسًا لدى فئاتٍ عريضةٍ منْ شعبهِ، ورفعتْ منْ معدلاتِ تأييدهِ وفقًا لآخرِ استطلاعاتِ الرأيِ العامِّ، إلى نحوِ 62%، في حينِ تلقى الرئيسُ المخلوعُ يون أكبرَ نسبةٍ منَ التقييماتِ السلبيةِ لأدائهِ، 77%، وتصدرَ الرئيسُ الأسبقُ، روه مو-هيون، التقييمَ الإيجابيَّ الأعلى للرؤساءِ، 68%.
جانبٌ منَ السيرةِ الذاتيةِ العصاميةِ والمدافعةِ عنْ حقوقِ الإنسانِ للرئيسِ الكوريِّ لي جيه-ميونج -بالضبطِ، كسلفهِ الراحلِ روه مو-هيون- كشفَ عنها في المقالِ، الذي نشرتهُ "الأهرامُ" يومَ بدءِ زيارتهِ لمصرَ في 20 نوفمبر الماضي، مشيرًا إلى إنهُ يتذكرُ أوقاتًا صعبةً مرَّ بها في طفولتهِ حيثُ كانَ يمشي إلى المدرسةِ سيرًا على الأقدامِ، ذهابًا وإيابًا كلَّ يومٍ لمدةِ أربعِ ساعاتٍ.
لأنهُ الابنُ الشرعيُّ لـ "ثورةِ النورِ" الكوريةِ، ولنْ أبالغَ بوصفهِ الزعيمَ الفعليَّ لها، وهوَ الوصفُ الذي لنْ يروقَهُ بكلِّ تأكيدٍ، أُقدمُ قراءةً سريعةً لمحتوى توثيقيٍّ بالغِ الأهميةِ، وردَ في كُتيبٍ أصدرتهُ -حديثًا- جمعيةُ السلامِ والاقتصادِ في شرقِ آسيا، بعنوانِ "مِنْ صَبِيٍّ عَامِلٍ بِمَصْنَعٍ إِلَى رَئِيسِ جُمْهُورِيَّةٍ".
وُلِدَ لي جيه-ميونج عامَ 1963، وجرى تسجيلهُ في 22 ديسمبر 1964، بقريةٍ جبليةٍ بمقاطعةِ كيونج سانج الشماليةِ. كانَ ترتيبهُ السابعَ بينَ إخوتهِ التسعةِ (5 أولادٍ و4 بناتٍ)، وكانَ والداهُ منَ المزارعينَ، الذينَ يكسبونَ قوتَهُمْ بحرثِ الحقولِ في الجبالِ، وكانتِ الأسرةُ بأكملِها تعيشُ في بيتٍ صغيرٍ مِنْ غرفتينِ، "كانوا كثيرًا ما ينامونَ جياعًا، لمْ تكنْ زهورُ الأزاليا مجردَ زهورٍ بالنسبةِ لهُ، بلْ طعامًا يُؤكلُ!".
عنْ سيرتهِ الذاتيةِ المبكرةِ، يقولُ لي جيه-ميونج: "كانتْ طفولتي مأساويةً، في أحدِ الأيامِ كانتْ هناكَ حملةُ تنظيفٍ في المدرسةِ، لكني لمْ أتمكنْ مِنَ المشاركةِ فيها، لانشغالي بمساعدةِ أمي في جمعِ الحطبِ والعملِ في الحقلِ، تلقيتُ في ذلكَ اليومِ 27 صفعةً منَ المعلمِ. أرغمني الفقرُ على النضوجِ المبكرِ، وجعلني أتعرفُ على العالمِ أكثرَ منْ غيري، الفقرُ ليسَ جريمةً، لكني معَ ذلكَ عانيتُ الكثيرَ مِنَ الظلمِ بسببهِ".
يضيفُ: "بينما كانَ الأطفالُ الآخرونَ يذهبونَ إلى المدارسِ الإعداديةِ والثانويةِ، قضيتُ تلكَ السنواتِ كصبيٍّ عاملٍ في أحدِ المصانعِ، كنتُ أنا وعائلتي نسدُّ جوعَنا بالفاكهةِ الفاسدةِ التي تُرمى في السوقِ، أثناءَ عملي في المصنعِ سُحقَ معصمي الأيسرُ تحتَ المكبسِ، وأصبحتُ ذو إعاقةٍ، وعندما كنتُ في السادسةَ عشرةَ منْ عمري، غلبني اليأسُ مِنَ المستقبلِ المظلمِ، ففكرتُ في إنهاءِ حياتي بنفسي".
المعاناةُ التي عاشها لي جيه-ميونج في طفولتهِ، غرستْ فيهِ توقًا عميقًا لمجتمعٍ عادلٍ. فهو كمحامٍ، وقفَ بجانبِ المهمشينَ، ورأى العالمَ بأعينِهمْ، مما أشعلَ شغفَهُ بالإصلاحِ الاجتماعيِّ، وكعمدةٍ لمدينةِ سونج نام، ثمَّ -لاحقًا- كحاكمٍ لمقاطعةِ كيونج جي، اتبعَ الرجلُ خطواتٍ برجماتيةً إصلاحيةً، وسياسةً تتمحورُ حولَ الشعبِ، فكانَ يستمعُ مباشرةً إلى مواطنيهِ، ويقودُ تغييراتٍ تنمويةً حقيقيةً، تمسُّ حياتَهمُ اليوميةَ.
أصبحَ لي جيه-ميونج رئيسًا للجمهوريةِ منذُ 4 يونيو الماضي، وتلكَ أشهرُ الكلماتِ المفتاحيةِ المنسوبةِ لهُ، لعلها تلقي الضوءَ على ما ينتظرهُ شعبُهُ منهُ. يقولُ مثلًا: "قدْ يبدو أنَّ السياسةَ مِنْ صنعِ السياسيينَ لكنْ -في الحقيقةِ- الشعبُ هوَ منْ يصنعُها، في كلِّ أزمةٍ تكمنُ فرصةٌ وعندما تزولُ عواملُ الخطرِ مِنْ داخلِ الأزمةِ فإنها تتحولُ لفرصةٍ، أخيرًا، الانقسامُ ينتجُ عنِ العجزِ، سأكونُ رئيسًا ينهي الانقسامَ السياسيَّ".