تشهد الأسواق المالية تحولًا متسارعًا ينقل المال من صورته الورقية البطيئة إلى نُسخٍ رقمية لحظية. وفي قلب هذا التحول، تقف العملات المستقرة كأحد أكثر الابتكارات تأثيرًا وإثارةً للأسئلة. فهذه العملات، التي هي مُجرد رموز رقمية مُشفَّرة بالدولار أو اليورو، تحمل تغييرًا في طريقة انتقال القيمة عبر الحدود، وتُهدد بإعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والحكومة والبنك المركزي، خاصة في الاقتصادات الهشَّة حيث الثقة مُتآكلة.
كيف تعمل تلك العملات؟
عندما يشتري المستخدم دولارًا مستقرًا، فهو لا يقتني ورقة رسمية صادرة من خزينة دولة، بل رمزًا رقميًا مُشفَّرًا تُصدره شركة خاصة تحتفظ باحتياطيات نقدية لتضمن ثبات قيمته. ظهرت الفكرة لأول مرة عام 2014، ثم انفجرت شعبيتها بين 2020 و 2022 بفضل فوائدها التي شملت التحويلات السريعة والرسوم المتدنية والقدرة على تجاوز البيروقراطية البنكية. لكن هذه التكنولوجيا، رغم بساطتها الظاهرة، تقف على مُفترقٍ حساسٍ بين هدفين متناقضين: تحرير حركة الأموال من جهة، وحماية الاستقرار النقدي من جهة أخرى.
لماذا تُشكل تلك العملات خطرًا على الاقتصادات الهشَّة؟
تُعاني الاقتصادات الضعيفة عادةً من ثلاث مُشكلاتٍ مُترابطة: تدهور قيمة العملة المحلية، ونقصٌ مُزمنٌ في العملات الصعبة، وفجوةٌ بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي. في مثل هذه البيئات، لا تُعامل العملات المستقرة كأداة تكنولوجية، بل كبديلٍ آمنٍ للدولار المفقود. وهنا يبدأ الخلل.
فالعملات المستقرة تُتيح للمواطن -بكبسة زر- اقتناء «دولار رقمي» خارج النظام المصرفي، ومِن دون المرور بسعر الصرف الرسمي. ومع انتشارها، يتآكل تأثير البنك المركزي وسيطرته على العملات الصعبة، وقد يتسع الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، وتتسارع الدولرة الرقمية على حساب العملة المحلية.
الأمر يصبح أعقد إذا قررت الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الصين المضي قُدمًا فيما يدرسونه حاليًا، وهو إصدار نُسخٍ مُستقرةٍ ورسميةٍ من عملاتها. عندها، ستنتقل العملات المستقرة من شركات خاصة إلى أدوات مدعومة من حكوماتها، وقادرة بالتالي على اكتساب ثقة عالمية واسعة. وهنا لن تُواجه الاقتصادات الهشَّة «طوفانًا» تقنيًا فقط، بل مُنافسةً مُباشرةً مع أقوى عملات العالم داخل حدودها الوطنية.
التحدي الحقيقي ليس التكنولوجيا... بل الثقة
كل تجارب الانهيار النقدي تُظهر أن الناس لا تهرب من العملة المحلية بسبب وجود بديل خارجي، بل لأن عملتهم فقدت قدرتها على أداء الوظائف الثلاث للمال: مخزنٌ للقيمة، ووحدةٌ للحساب، ووسيلةٌ للتبادل. العملات المستقرة لن تخلق الأزمة... بل تُسرِّعها حين تكون الثقة مُتآكلةً أصلًا.
هل هناك فرصة رغم المخاطر؟ نعم... لكن بشروط
رغم كل التحذيرات، تمتلك الاقتصادات الهشَّة فرصة للاستفادة من المزايا التكنولوجية للعملات المستقرة إذا أعادت هيكلة تعاملها معها بوعي. ويمكن تلخيص مسارات الاستفادة في ثلاثة محاور:
استخدام العملات المستقرة في التحويلات الخارجية
الدول الهشَّة تعتمد غالبًا على تحويلات العاملين بالخارج. استخدام العملات المستقرة -عبر قنوات رسمية- يُقلل من تكلفة التحويلات ويُحسّن سرعة وصولها.
وكل دولار يصل عبر القنوات الرسمية يُقلل اعتماد المواطن على السوق الموازي.
تطوير منظومات دفع رقمية وطنية
لا تستطيع دولة أن تمنع التكنولوجيا، لكنها تستطيع أن تُقدِّم بديلًا. إطلاق عملة رقمية محلية مُستقرة أو تحسين أنظمة الدفع الوطنية (مثل InstaPay أو Mahfazti وغيرها) يُعطي المواطنين وسيلة آمنة وسريعة في الداخل، تُشبه مزايا العملات المستقرة مِن دون أن تُقوِّض السياسة النقدية.
زيادة الشفافية والتحكم الذكي
الحظر الكامل يدفع الناس إلى البدائل غير الرسمية. أما التنظيم الذكي -الذي يسمح بالاستخدام التجاري ويُقيِّد المُضاربات- فيُحافظ على الاستقرار وفي الوقت نفسه يستفيد من الابتكار.
الخلاصة
العالم يتجه نحو مرحلة يُصبح فيها المال أسرع وأكثر عابريةً للحدود مِن أي وقتٍ مضى. العملات المستقرة ليست خطرًا بذاتها، بل مرآة تُظهر هشاشة الاقتصادات التي لم تُحصِّن نفسها. الدول التي تُعالج جذور ضعف عملتها وتُطوِّر بنية رقمية مرنة ستستفيد من هذه التكنولوجيا وتستوعبها. أما الدول التي تُحاول إيقاف الموجة بالقوانين وحدها، فستجد نفسها أمام اقتصاد رقمي يتحرك في الخفاء وبعيدًا عن سيطرتها.
في النهاية... المعركة ليست بين «العملة المحلية» و«الدولار الرقمي»، بل بين الاقتصاد القوي والاقتصاد الهشّ.