يعكس المعرض العالمي للصناعات الدفاعية "إيديكس" الذي احتضنه مركز القاهرة الدولي للمعارض، صورة الأمة المصرية الحقيقية. صورة دولة لم تعد تقبل إلا أن تصنع أمنها بيديها.
وكم في هذا القرار من معنى!
إنه العبور من عالم التلقي إلى فضاء الإبداع، ومن ثقافة الاستهلاك إلى شرف الإنتاج. فقد أصبح الأمن القومي هنا ورشة عريضة، تدوي فيها المطارق وتتوهج فيها الأفران، لا لتصنع السلاح وحده، بل لتصوغ هوية مستقبل بأكمله.
عندما تدخل إلى هذا الفضاء الواسع، تشعر أن اللغة السائدة فيه تغيرت. لم تعد لغة الأرقام والكميات والأسعار هي المهيمنة وحدها، بل ظهرت إلى جوارها لغة أخرى: لغة البرامج التدريبية، وخطوط الإنتاج المشتركة، ونقل الخبرات، وتوطين التكنولوجيا.
الأمن.. مفهوم يتسع
ولعل أهم ما يلفت النظر في هذا المعرض هو توسيع مفهوم الأمن ليشمل أبعادًا كانت تعتبر في الماضي خارج نطاقه. فالأمن اليوم يشمل كذلك الأمن الاقتصادي من خلال خلق صناعات وطنية، والأمن التكنولوجي عن طريق امتلاك المعرفة، والأمن الاجتماعي عبر توفير فرص عمل في مجالات متقدمة.
العقول قبل المعدات
وفي ركن من أركان المعرض، توقفت أمام مجموعة من الشباب وهم يشرحون بالتفصيل الدقيق خصائص نظام إلكتروني معقد. كانوا يتحدثون بلغة التقنية العالمية بثقة وبساطة في الوقت نفسه. هذا المشهد كان أكثر تعبيرًا من أي عرض آلي عن جوهر ما يحدث.
الصناعة الدفاعية في حقيقتها هي صناعة للعقل البشري. هي تدريب للتفكير المنطقي، وتعويد على الدقة، وتربية على الابتكار. الشاب الذي يتعلم كيف يصنع نظامًا دفاعيًا متطورًا، هو نفسه الذي سيكون قادرًا على تطوير نظام ري ذكي، أو تحسين شبكة مواصلات، أو ابتكار حلول لمشكلات بيئية.
تحدثت إلى بعض الحاضرين من ضيوف مصر البالغ عددهم ستًا وثمانين دولة، فرأيت في عيونهم شيئًا من الدهشة والإعجاب. دهشة من قدرة مصر على تنظيم حدث بهذا الاتساع والتعقيد، وإعجاب بإصرارها على تحويل هذا المعرض من سوق للتبضع إلى جسر للشراكة الحقيقية.
فالحوارات في الأجنحة لا تدور حول "السعر والكمية"، لكن حول "التدريب ونقل المعرفة". وتحولت طاولات المفاوضات إلى مختبرات أفكار، حيث ينتقل الحديث عن خطوط إنتاج مشتركة، وتدريب كوادر مصرية شابة على أسرار التكنولوجيا الحديثة.
إنها نقلة في الفلسفة ذاتها، كما حدثني أحد الخبراء الإستراتيجيين بنبرة هادئة واثقة: لم نعد نسد فجواتنا المؤقتة، لأننا نبني قدراتنا الدائمة. وهذا هو جوهر القصة كلها. إن مصر لا تشتري منتجًا جاهزًا فقط، وإنما تشتري سر صناعته، وعقلية ابتكاره. إنها تستعيد، خطوة خطوة، مفتاح قرارها الذي لا يكتمل استقلالها بدونه.
الجناح المصري الذي رأيته، كان يزهو بنماذج ومنتجات وطنية خالصة من إنتاج عقول مصرية، وهذه المنتجات تدخل مصر سوق التصدير الإقليمي، فتحقق ثلاثة مكاسب كبرى: توفير العملة الصعبة، وتخلق وظائف جديدة في تخصصات دقيقة، وتبني قاعدة صناعية تخدم الاقتصاد المدني، كما تخدم المجال العسكري.
في زاوية من زوايا القاعة الكبرى، توقفت طويلًا أمام أحد نماذج الصناعة المصرية، نظرت إليه، فتذكرت كلمات هواري بومدين الرئيس الثاني للجمهورية الجزائرية: "إن الذي لا يملك صناعة حذائه، لا يملك قرار المشي".
نعم، لقد تغيرت أدوات الحرب وأشكالها، فأصبحت المعركة تدور في الفضاء الإلكتروني وعبر موجات البيانات، ولم تعد تُحسم بالعدد والعدة التقليدية وحدها. ومصر التي تعي هذا التحول العميق، تعرض في "إيديكس" حلولًا للمعارك المستقبلية، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتحليلات الفورية والاستشعار عن بُعد. إنها تستعد لغد مختلف، بوعي كامل وإدراك سليم.
ولا يفوتني هنا أن أتوقف أمام الجانب الإنساني في هذه النهضة الشاملة. فهذه الصناعات الثقيلة تحتاج إلى عقول وقلوب تبتكرها وتديرها. ورأيت في أروقة المعرض شبابًا مصريين يتحدثون بلغة التكنولوجيا العالمية بطلاقة وثقة، وهم يشرحون للزائرين تفاصيل منتجاتهم. إنهم الجيل الذي تصنعه هذه التجربة، والذي سيحمل الراية من بعد. فالصناعة الدفاعية في جوهرها هي صناعة العقول أولاً وأخيرًا.
البعض ينظر إلى الإنفاق على الدفاع على أنه حمل ثقيل على كاهل الاقتصاد. ولكن "إيديكس" قدم لنا وجهًا آخر للقصة، وجهًا مشرقًا يثبت أن الاستثمار في الأمن هو استثمار في المستقبل بكل أبعاده. إنه يخلق علمًا وصناعة وفرص عمل، ويبني سمعة دولية، ويعمق الشعور بالكرامة والاستقلال.
رسائل متعددة
يحمل هذا المعرض رسائل عدة:
إلى الداخل، يقول: إن طريق الأمان يمر عبر العمل والإنتاج، وإن الكرامة الوطنية تُبنى بالإنجازات لا بالخطب والشعارات.
وإلى الخارج، يعلن: إن مصر أصبحت شريكًا يمكن الاعتماد عليه في مجال حيوي ودقيق، وأنها تفضل التعاون على التنافس، والشراكة على العلاقات أحادية الجانب.
وإلى المنطقة، يؤكد: أن الاستقرار ممكن عندما تملك الدول أدوات حماية قرارها الوطني، وأن التكامل في مجالات الأمن يمكن أن يكون مدخلًا للتكامل في مجالات أخرى اقتصادية وثقافية.
نظرة واقعية
لا يعني كل هذا أن الطريق قد اكتمل، أو أن كل الصعوبات قد انتهت. فطريق التوطين الصناعي طويل وشاق، ويحتاج إلى صبر وإصرار. وهذا المعرض يظهر أن الخيارات الإستراتيجية الكبرى تحتاج إلى رؤية بعيدة، وإلى إرادة سياسية ثابتة، وإلى كوادر وطنية قادرة على تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس.
عندما تخرج من معرض "إيديكس"، فإنك تحمل معك انطباعًا بأنك لم تكن في معرض بالمعنى التجاري التقليدي، وأنك كنت في ورشة عمل وطنية كبرى. ورشة تظهر أن مصر تعيد اكتشاف قدراتها، وتعيد تعريف علاقتها مع العالم من حولها.
بعد أن أتممت جولتي في أرجاء المعرض الواسع، خرجت وأنا أحمل في ذهني صورة مصر الجديدة بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، مصر التي تقف شامخة بوثبة الصناعة، مصر التي تفتح ذراعيها للشراكة دون أن تفقد شيئًا من استقلال إرادتها. مصر التي لا تريد أن تكون طرفًا في صراعات، مصر التي تريد أن تكون ركنًا للأمن والاستقرار في إقليمها.
هذه هي الرسائل التي حملها معرض "إيديكس" في دوي خطواته، وفي رفرفة أعلامه، وفي ضياء عقول أبنائه. إنها قصة نهضة ترويها قاعات المعرض، قصة أمة تعيد كتابة تاريخها بمداد من عرق جبينها وضوء عقلها. قصة مصر التي تتحرك، بهدوء الواثق من خطاه، نحو مكانها الطبيعي تحت الشمس..
[email protected]