في ظل تزايد الأزمات العالمية وما تخلّفه من موجات نزوح واضطرابات اقتصادية واجتماعية، حذّر مسؤولون دوليون وخبراء في مكافحة الجريمة المنظمة من أن شبكات الاتجار بالبشر باتت تتكيّف بسرعة مذهلة مع الفوضى، مستغلةً الثغرات الأمنية والإنسانية لاستهداف الفئات الأكثر هشاشة. جاء ذلك خلال فعالية جانبية رفيعة المستوى عُقدت اليوم على هامش الدورة الثانية والثلاثين للمجلس الوزاري لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا في فيينا، والتي ركزت على بناء تحالف دولي واسع يعزز الجاهزية في مواجهة هذا التهديد المتصاعد.
موضوعات مقترحة
الفعالية التي نظمها مكتب الممثل الخاص ومنسق مكافحة الاتجار بالبشر بالشراكة مع مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان وإدارة التهديدات العابرة للحدود الوطنية، جمعت مسؤولين حكوميين وخبراء دوليين وممثلين عن المجتمع المدني، وخلُصت إلى ضرورة الانتقال من ردود الفعل الارتجالية إلى استراتيجيات استباقية متكاملة تستبق الأزمات بدلًا من انتظار انفجارها.
وقالت كاري جونستون، الممثلة الخاصة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومنسقة مكافحة الاتجار بالبشر، إن مرور خمسة وعشرين عامًا على بروتوكول باليرمو يجعل من الضروري “إعادة النظر جذريًا في كيفية تعاملنا مع هذا التهديد”، مؤكدة أن المتاجرين “يستغلون كل ثغرة وركود وكل لحظة فوضى لاستهداف الأطفال واللاجئين والنازحين ومن يعانون صدمات اقتصادية مفاجئة”.
وأضافت أن الاستجابة المثلى يجب أن تقوم على التخطيط المبكر والتنسيق العابر للقطاعات والحدود.
وخلال المناقشات، أكد المشاركون أن الأزمات الكبرى—من الحرب في أوكرانيا إلى جائحة كوفيد-19—كشفت عن هشاشة أنظمة الحماية في العديد من الدول، وأظهرت الحاجة الملحة إلى آليات مرنة وقابلة للتكيف تستطيع الصمود أمام أي طارئ. وتم التشديد على ضرورة دمج تدابير مكافحة الاتجار بالبشر في جميع خطط الطوارئ الوطنية، وتعزيز برامج التدريب المشتركة، وتطوير نماذج للتحديد المبكر للضحايا حتى في ظل محدودية الموارد.
من جانبها، شددت تيا جالياشفيلي، النائبة الأولى لمدير مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، على أن الاتجار بالبشر “لا يمثل مجرد جريمة منظمة، بل انتهاكًا مباشرًا وجسيمًا للكرامة الإنسانية والحرية والسلامة الشخصية”.
ودعت إلى وضع حقوق الإنسان في صميم الاستجابة، مع التركيز على ثلاثة مرتكزات رئيسية
رصد اتجاهات الاستغلال الجديدة، تطوير آليات إحالة مرنة وسريعة الاستجابة، وإشراك الناجين في صياغة استراتيجيات الحماية بوصفهم شهودًا مباشرين على أساليب المتاجرين.
وتطرقت المناقشات كذلك إلى الارتفاع الملحوظ في استغلال الفضاء الرقمي من قبل شبكات الاتجار، مؤكدين أن حماية الأفراد في العصر الرقمي تتطلب تعاونًا أوثق بين الحكومات والمنظمات الدولية وشركات التكنولوجيا،
إضافة إلى تعزيز القدرة على التنبؤ بالتهديدات القادمة.
وقد اختُتمت الفعالية بالتأكيد على أن مواجهة الاتجار بالبشر في عصر الأزمات لم تعد خيارًا، بل واجبًا دوليًا يتطلب تحركًا سريعًا ومنسقًا، ورؤية طويلة الأمد تضمن عدم ترك أي شخص خلف الركب، مهما كانت الظروف.