مجلس النواب.. أصالة تاريخ طويل ومهام دستورية حديثة في الجمهورية الجديدة

5-12-2025 | 13:24
مجلس النواب أصالة تاريخ طويل ومهام دستورية حديثة في الجمهورية الجديدةمجلس النواب
أ ش أ

مع اقتراب تشكيل مجلس النواب الشهر المقبل في فصله التشريعي الثالث، تتجلى أهمية المجلس التشريعي في الجمهورية الجديدة في تأمينه تمثيلا شعبيا حقيقيا لمختلف فئات المجتمع والمشاركة في صنع القرار، حيث يجمع بين أصالة تاريخ طويل، ومهام دستورية حديثة، تمكنه من لعب دور محوري في التشريع، والرقابة، وتوجيه مسار الدولة. 

موضوعات مقترحة

مصر.. وأقدم النظم التشريعية والإدارية

قدمت مصر للإنسانية أقدم النظم التشريعية والإدارية، فعلى ضفاف نيلها نشأت أقدم حكومة منظمة شيدت الحضارات الإنسانية العظمى.. وعلى مدى العصور، تعاقبت الحضارات المصرية الشامخة وازدهرت استنادا إلى أسس قوية وراسخة في نظم وفنون الحكم والإدارة.

فقبل نحو 5200 عام، استطاع الملك مينا مؤسس الأسرة الفرعونية الأولى توحيد الوجهين القبلي والبحري (الجنوب والشمال) في مصر في دولة موحدة، ووضع أقدم النظم التشريعية في التاريخ الإنساني عندما جعل من قانون تحوت (إله الحكمة) القانون الموحد السائد في مصر بكاملها، واتخذ من مدينة منف عاصمة ومركزا إداريا لأول دولة مركزية موحدة في التاريخ، تمتلك جهازا منظما في الحكم والإدارة والقضاء والتعليم والشرطة والجيش وغيرها.

ومنذ الأسرتين الثالثة والرابعة من الدولة المصرية القديمة، ظهرت المراسيم والتشريعات المختلفة مثل التشريع الذي حدد أوقات عمل الفلاح، وتشريع الملك منكاورع الذي استهدف محاربة السخرة.

وفي عصر الدولة الفرعونية الحديثة، برز دور الملك حور محب الذي يعد من أهم المشرعين في تاريخ الإنسانية، حيث تميزت تشريعاته بالطابع المدني بعيدا عن الاعتبارات الدينية، كما اهتم بإصدار العديد من القوانين التي تنظم العلاقة بين الفرد والسلطة الحاكمة.. فيما كان لتشريعاته فضل السبق في ترسيخ فكرة الحريات والحقوق العامة مثل حرمة المسكن وحرمة الطريق، كما أكد فكرة أن الوظيفة العامة هي خدمة للشعب وليست وسيلة للتسلط عليه، وأن الموظف العام خادم للشعب وليس سيدا عليه.

وفي العصر الإسلامي، استمدت نظم الحكم والتشريع من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة استنادا إلى مبدأ الشورى الذي يعد أحد المبادئ الأساسية في نظم الحكم في الإسلام.

نشأة البرلمان المصري وتطوراته التاريخية

بدأت التجربة البرلمانية في مصر في القرن التاسع عشر، حيث تقف أكثر من مائة وخمسين عاما شاهدة على عراقة البرلمان المصري الذي يقدم بتاريخه العريق نموذجا فريدا بين برلمانات العالم في إرساء دعائم الأطر المؤسسية لتدشين أسس الحياة النيابية السليمة.

وترجع نشأة البرلمان المصري إلى عام 1866. ومنذ ذلك الحين، يعد منارة تنويرية لنشر الثقافة البرلمانية، ونبراسا مضيئا تشع من خلاله قيم الممارسة الديمقراطية السليمة التي استلهمت من فيضها الشعوب العربية والإفريقية نموذجا يحتذى به في بناء تجربتها البرلمانية.

وتعد الحياة النيابية المصرية ملحمة وطنية مرت بمجموعة من الحقب التاريخية بدأت لبنتها الأولى في الثاني والعشرين من أكتوبر 1866 في عهد الخديوي إسماعيل بإنشاء مجلس شورى النواب (أول مجلس نیابي) منتخب يملك اختصاصات نيابية. ومع تطور الحياة السياسية في مصر، خرج مجلس النواب المنتخب عام 1881 من رحم الثورة العرابية ممتلكا اختصاصات رقابية لأول مرة إذ أصبح له حق توجيه السؤال للوزراء واستجوابهم، إلا أن هذا المجلس لم يكتب له الاستمرار سوى عام واحد ليتحول النظام البرلماني في مصر للأخذ بنظام الغرفتين عام 1883 (مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية). وظل العمل بهذا النظام حتى عام 1913، حيث تمت العودة مرة أخرى إلى نظام الغرفة الواحدة بإنشاء الجمعية التشريعية في يوليو 1913.

وظل الحراك الثوري والإرادة الشعبية المصرية هي صانعة التغيير والرافد الأساسي الملهم لتطوير الحياة النيابية في مصر، حيث كانت ثورة 1919 نبراسا لإرساء دستور 1923 والذي أقر عودة نظام المجلس ذو الغرفتين مرة أخرى (مجلس الشيوخ ومجلس النواب) لينتخب أول مجلس نيابي له سلطة سحب الثقة من الحكومة عام 1924.

ومع بزوغ شمس ثورة 23 يوليو 1952، بدأت مصر فصلا جديدا من تاريخ الحياة النيابية بعد تحولها من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري والعودة إلى نظام المجلس ذو الغرفة الواحدة بإنشاء مجلس الأمة الأول عام 1957 بمقتضى دستور 1956 والذي تحول إلى مجلس الأمة للجمهورية العربية المتحدة بالتعيين عام 1960 ليتشكل بعدها مجلس الأمة الثالث عام 1964 بمشاركة نسائية ملحوظة.

ومع بداية السبعينات وبموجب دستور 1971.. شهدت الحياة النيابية في مصر تطورا ملحوظا من حيث التشكيل والاختصاصات، حيث تم إنشاء مجلس الشعب والذي كان يتمتع بسلطات تشريعية ورقابية ومالية كاملة وغير مسبوقة بالإضافة إلى اختصاصات في إقرار السياسة العامة للدولة، وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموارنة العامة للدولة.

وظل التطوير سمة من سمات الحياة النيابية المصرية ليأتي عام 1980 إيذانا بعودة نظام الغرفتين مرة أخرى من خلال مجلسي الشعب والشورى بموجب استفتاء شعبي عام ليستمر العمل بنظام المجلسين حتى شهدت الحياة السياسية المصرية طفرة في الحراك الشعبي باندلاع ثورتي 25 يناير و30 يونيو أعقبها عدة انتخابات تشريعية تمخضت عن نشأة البرلمان الحالي بموجب دستور 2014 والذي استقتي عليه الشعب في 18 يناير 2014 وأعاد نظام المجلس ذو الغرفة الواحدة.

وأصبح اسم البرلمان منذ ذلك الحين مجلس النواب، حيث شهد طفرة غير مسبوقة في تاريخ الحياة النيابية في مصر سواء من حيث الاختصاصات التي أنيطت إليه بموجب دستور 2014 أو من حيث تشكيله الفريد الذي ضم لأول مرة (90) سيدة بنسبة (15%) من إجمالي أعضائه، بالاضافة إلى تمثيل ذوي الإعاقة بـ 9 أعضاء، والمصريين في الخارج بـ 8 أعضاء، فضلا عن نسبة الشباب تحت 35 عاما والتي تصل إلى ما يزيد عن ربع أعضاء البرلمان ليصبح برلمان 2016 علامة فارقة في تاريخ الحياة النيابية في مصر تسطر بحروف من نور فصلا جديدا في سجل تاريخها النيابي العريق الذي يعد ملحمة وطنية متفردة يشهد فيها التاريخ على عمق وعراقة التجربة البرلمانية المصرية بين برلمانات العالم.

لحظات فارقة في تاريخ البرلمان الحديث

شهد البرلمان المصري لحظات تاريخية فارقة غيرت مجرى الحياة السياسية المصرية، وألقت بظلال التغيير على ملامح المنظومة الاقليمية والدولية كان من أهمها الخطاب التاريخي للرئيس جمال عبد الناصر الذي ألقاه أمام البرلمان في 5 أبريل 1958 بمناسبة إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، وكذلك بيانه بالعدول عن التنحي عن الحكم في 10 يونيو 1967 والذي ألقاه نيابة عنه رئيس مجلس الأمة أنور السادات، وخطاب النصر الشهير للرئيس السادات بعد عبور القوات المسلحة قناة السويس عام 1973، وإعلان الرئيس السادات عبر منبر البرلمان المصري عن نيته لزيارة الكنيست الإسرائيلي عام 1977.

دور وأهمية مجلس النواب 

مجلس النواب هو السلطة التشريعية بجمهورية مصر العربية ويتولى اختصاصات مختلفة ورد النص عليها في دستور 2014، ووفقا للمادة 101 بالفصل الأول من الباب الخامس، يتولى مجلس النواب سلطة التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، والاتفاقيات الدولية، إلى جانب سلطة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.

وبحسب المادة 102، يشكل مجلس النواب من عدد لا يقل عن أربعمائة وخمسين عضوا (596 عضوا بموجب القانون الحالي)، ينتخبون بالاقتراع السري المباشر على أن يراعى في شروط الترشيح ونظام الانتخاب وتقسيم الدوائر الانتخابية التمثيل العادل للسكان، والمحافظات والتمثيل المتكافئ للناخبين، كما أجازت المادة ذاتها الأخذ بالنظام الانتخابي الفردي أو القائمة أو الجمع بأي نسبة بينهما، كذلك أجازت المادة لرئيس الجمهورية تعيين عدد من الأعضاء لا يزيد على 5% (28 عضوا).. وبموجب المادة 106 من الدستور، فإن مدة عضوية مجلس النواب خمس سنوات ميلادية، تبدأ من تاريخ أول اجتماع له.

وبحسب المادة 107، انعقد الاختصاص بالفصل في صحة عضوية أعضاء المجلس لمحكمة النقض، وتعتبر العضوية باطلة - متى قضت بذلك - من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم. ولا يجوز إسقاط عضوية أحد الأعضاء إلا إذا فقد الثقة والاعتبار، أو فقد أحد شروط العضوية التي انتخب على أساسها، أو أخل بواجباتها، ويكون قرار إسقاط العضوية بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، كما لا يجوز في غير حالة التلبس بالجريمة، اتخاذ أي إجراء جنائي ضد العضو في مواد الجنايات والجنح إلا بإذن سابق من المجلس، وفي غير دور الانعقاد يتعين أخذ إذن مكتب المجلس، ويخطر المجلس عند أول انعقاد بما اتخذ من إجراء.

وأخيرا، فإن مجلس النواب بامتداده التاريخي العميق وانعكاسه لتطلعات شعبية نحو التمثيل والمشاركة، يمثل ركيزة أساسية من ركائز الدولة الحديثة في مصر، حيث إنه ليس مجرد بيت تشريعي، بل مرآة لتعدد المجتمع، ومنصة للحوار والمساءلة، وساحة لصياغة مستقبل الدولة. وإن نجاح المجلس في أداء مهامه التشريعية والرقابية وتعزيز دوره التمثيلي يعتمد بدرجة كبيرة على وعي النواب، وتصميمهم على العمل بضمير وشفافية، ومشاركة المواطنين الحقيقية في المتابعة والمساءلة وحسن اختيار ممثليهم، إذ إن إحياء هذا الدور بصدق، يجعل من البرلمان ضمانة ليس فقط لاستقرار الدولة، بل لتقدمها وازدهارها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة