معظم الأقارب أصبحوا غرباء؛ حقيقةٌ "مؤلمة" نراها جميعًا والقليلون يحاولون رفض جعلها واقعًا ويفعلون أفضل ما يمكنهم لصلة أرحامهم، والكثيرون ينكرونها بالكلام ويرسخونها بالتصرفات.
لا ننشر التشاؤم ونرفضه ونكره أيضًا تجاهل رؤية ما يحدث وينتشر ويتوغل في واقعنا؛ حيث بات غالبية الأقارب من مختلف الأعمار والمستويات الاجتماعية والمادية والثقافية كالغرباء؛ يلتقون في المناسبات ويقدمون واجب العزاء أو التهنئة.
ويعتمد كثيرون على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى الواتس آب للعزاء والتهنئة، بل ويكتفي البعض في "جروبات" العائلة على ما يكتبه أحدهم بعلامة الإعجاب! ويشعرون بكامل الرضا عن أنفسهم، وكيف أنهم رائعون ويقومون بواجبهم نحو صلة أرحامهم!
وانتشرت صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي يكتب أصحابها بعض الأدعية ويقول إنها صدقةٌ جاريةٌ عن موتاهم!!
وربما اكتفوا بها كبديلٍ عن صدقة المال ووصل من كان من الراحلين يحبونهم والحرص على إبقاء الود معهم متصلًا ولا ينقطع بوفاة من كان يحبهم.
نكاد نسمع من يقول: ضغوط الحياة شديدة، ولا ترحم وإيقاع الحياة صار سريعًا، ولا نكاد نستطيع أداء واجباتنا نحو أنفسنا ونحو أسرنا وينقضي اليوم بلا تحقيق ما أردنا فعله لأنفسنا ولأولادنا ولا طاقة لنا لأي أحد، وسرعان ما تمر الأشهر والأعوام.
ونرد بكل الود والاحترام: جميعنا نقوم بالتحديق لساعاتٍ يوميًا في وسائل التواصل وفي الفضائيات؛ ونستطيع فقط "إن" رغبنا في التواصل الإنساني ولو بالهاتف مع أقاربنا للاطمئنان عليهم، وإخبارهم بحبنا لهم واهتمامنا بهم والاستماع بود ومساعدتهم إن طلبوا ذلك.
فالحياة "الحقيقية" ليست في الجري في دوائر النفس وأقرب المقربين؛ فكلما اتسعت دوائر من نشملهم بمحبتنا من الأقارب تمتعنا بجوائز رائعةٍ أهمها رضى الرحمن ففي الحديث الشريف: "الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله".
يردد البعض المثل "البغيض": "الأقارب عقارب"؛ وهو أسوأ وأبشع مثلٍ في الكون؛ فالأقارب جزءٌ جميلٌ جدًا من حياتنا، والمشترك بيننا أكبر من المختلف، إذ يكفي الانتماء للأسرة ولصلة الرحم.
ونتساءل: لماذا يتساهل البعض مع الأصدقاء ويتشدد مع الأقارب؟ هل للمبالغة في التوقعات منهم؟ أم لأننا أحيانًا لا نرى أخطاءنا معهم ونرى أنفسنا ملائكةً؛ ولا ملائكةَ على الأرض.
ويبدو أن من قال هذا المثل كان سيئًا أو لم يواجه نفسه بتصرفاته الخاطئة ولو دون تعمد، "واختار" الاحتفاظ بالغضب من تصرفات بعض الأقارب وتضخيمها وقام بتعميم الخطأ على "كل" الأقارب.
ربما ليتهرب من صلة الرحم التي يعتبرها عبئًا بينما هي "نعمة" ويكفي رضا الرحمن، ثم دنيويًا نفوز ببعض الأوقات اللطيفة مع الأقارب ونستمتع بالذكريات مع الأحباء الراحلين، وقد نفوز بصداقات "أفضل" من التي نتوقعها مع الغرباء عندما نخلص في النوايا.
مع الأسف يحرض بعض الأزواج والزوجات الأبناء والبنات على كراهية أهل الطرف الآخر "بالمبالغة" في ذكر مواقفهم السيئة، وربما السخرية منهم والتقليل من احترامهم مما يشجع أولادهم على سوء معاملتهم أو مقاطعتهم وجعلها سببًا للقطيعة أو لإرضاء الأب أو الأم لكراهيته لأهل الطرف الآخر.
ولو أنصفوا لما أورثوا أولادهم وبناتهم الكراهية ولشجعوهم على الفوز بثواب صلة الرحم لأهل شركاء الزواج وحتى بعد حدوث الطلاق يجب استمرار العلاقات مع الأقارب.
يحدث التباعد أحيانًا بسبب الاعتياد على كون أحد الأقارب هو وحده الذي يبادر بالتواصل ويعتبرونه حقًا لهم أو لأن لديه وقتًا!! والجميع لديه دقائق يوميًا أليس كذلك؟
وبمرور الوقت "ينزعج" ويتوقف عن التواصل وربما تحصل القطيعة ولو بعد حين، ونوصي عندئذٍ بالحفاظ على التواصل ولو في المناسبات، وتقديم الدعم في المرض والأزمات قربى للرحمن وتجنب اللوم أو المَنّ.
يجب تعويد الأطفال منذ الصغر على اللقاءات الأسرية ورفض تصويرها كعبء سواء مع أهل الزوج أو الزوجة، وتعليم الأبناء "مهارات" التعامل مع الأكبر سنًا واحترامهم والفوز بحبهم وتعلم "تجاهل" الصغائر والاختلافات؛ فلابد من وجودها في كل العلاقات، وتجنب الحديث في الأمور المختلف عليها، وتعليمهم الاتصال بهم هاتفيًا من وقت لآخر والحديث معهم بحب واهتمام وليس بأسلوب "التيك واي" أو التوقيع والانصراف.
والتركيز على الهدف الأسمى وهو الفوز بثواب صلة الرحم وعدم "استخدامهم" لمضايقة الطرف الآخر وأهله وزرع الغل والكراهية في قلوبهم والتي تؤذيهم نفسيًا وصحيًا ودينيًا بالطبع.
نوصي بالإقبال على اللقاءات "الحقيقية" مع الأهل، والتي أصبح الكثيرون يتهربون منها ويتناسون أنها فرصة للخروج من "سجن" الذات والحديث في نفس المواضيع المعتادة، وفرصة لأخذ الثواب الديني لصلة الرحم وإسعاد الآباء والأمهات بالتواصل مع أسرهم، فضلًا عن توسيع دائرة المعارف والعلاقات الإنسانية بإدخال الأقارب – من الجنسين- بها.
ونذكر أنفسنا بقول رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه: "ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها"، وحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه".
ولنتذكر أن الحياة مهما طالت قصيرة، ومن الذكاء ألا نحرم أنفسنا من "كنوز" صلة الرحم الدينية والنفسية حيث نشعر بالرضا ونوسع الحياة.