بين يوم وآخر تطل علينا حادثة متعلقة بأطفال داخل أسوار المدرسة أو خارجها.
بعيدًا عن التهوين ودرءًا للتهويل، فإن ما يحدث، وإن كان لم يصل إلى مستوى الظاهرة، فإنه يمثل إشارات يجب الانتباه إليها حتى لا تعتاد أنفسنا على التعامل مع ما يحدث وكأنه أمر عادي.
وفقًا لتقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد الأطفال في مصر 39.7 مليون طفل في بداية عام 2025، منهم 20.3 مليون من الذكور، و19.4 مليون من الإناث بنسبة 36.8% من إجمالي السكان.
سلوك الأطفال لا ينشأ من فراغ، بل هو مرآة تعكس ضغوط المجتمع، وقيمه، ودرجة تماسكه. ومن ثم فإن ما نشهده يرتبط بعوامل عديدة قد تسهم في دفع الطفل إلى مسارات عنيفة، أو شاذة عن مجتمعنا، خاصة مع التراجع الذي أصاب الأنشطة الرياضية والثقافية بالمدارس ومراكز الشباب.
افتقاد الطفل الإحساس بالاحتواء والانتماء يجعله ينخرط في عالم موازٍ على الشبكة العنكبوتية بأدواتها المتاحة بسهولة بعيدًا عن الرقابة، ويتولد داخله العنف والكراهية، والسلوك العدواني، ويصبح الشارع والمحتوى الرقمي هما المؤثر الأكبر في بناء شخصيته، وتوجيه سلوكه.
ما يزيد خطورة الأمر أن الأطفال يتلقون هذا المحتوى دون قدرة على التمييز، فتتشكل لديهم تصورات مشوهة عن الرجولة والقوة والنجاح.
حماية أطفالنا تتطلب رؤية مجتمعية شاملة، تبدأ بالأسرة، والمؤسسات الأكثر اقترابًا من الطفل، ومنها المدارس والمساجد والكنائس لبناء الوعي والقيم وضبط السلوك في سن مبكرة. المدرسة تبني العقل، ودور العبادة تبني الضمير. نحتاج ألا تكون المدرسة مكانًا للتعليم الأكاديمي فقط، بل خط الدفاع الأول ضد المخاطر المحتملة، بإعادة الاعتبار للتربية داخل العملية التعليمية، وتعليم الأطفال طريقة حل الخلافات دون عنف، وتدريبهم على الانضباط والمسئولية والاحترام.
تفعيل دور الأخصائي الاجتماعي ضرورة ليصبح جهة اكتشاف مبكر لأي ميول عدوانية، أو اضطرابات يعاني منها التلاميذ.
كذلك يجب الاهتمام بالأنشطة المدرسية لتصريف الطاقة، وبناء الشخصية المتوازنة، علاوة على التوعية الرقمية باعتبارها ضرورة قصوى لمواجهة تأثير السوشيال ميديا، وثقافة "التريند".
دور العبادة مسئوليتها لا تقل أهمية، فالطفل يحتاج أن يرى نموذجًا أخلاقيًا، وقدوات حسنة قريبة من عمره، لا مجرد خطبة أو عظة.
علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "لا تربوا أولادكم على أخلاقكم فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم"، وقال أفلاطون: "إن أهم ما في التربية أن نغرس في الطفل حب الفضيلة". كما قالت هيلين كيلر: "أفضل ما يمكن أن يُعطى للطفل جذور ليثبت، وأجنحة ليطير". فهل ننتبه لزمانهم الذي يعيشونه، ونزرع داخلهم الفضيلة، ونثبت جذورهم ليحلقوا بأحلامهم الخضراء في أمان؟ أم نتركهم فريسة أخطار لا ترحم من كانوا أبرياء؟