بين مياه "المتوسط" و"النيل"...

3-12-2025 | 18:12

نقطة المياه، سواء من البحر أو النهر، كانت وستظل هي سر الحياة، والعنوان الأكبر للبيئة في نقائها وشقائها على الكوكب عبر الزمن. في حضورها يكون النماء والتحضر، وفي غيابها ينتشر الكدر ويعم التصحر.

من "المتوسط" بزغت الحضارات، وعلى شواطئه نمت الحياة، وفي مياهه تقاطرت الصراعات، ومنه انطلقت الحلول والاتفاقيات. ومن "النيل"، وكما تنساب الآمال المعهودة مع مياهه برغد الحياةِ، أيضًا تتراكم المخاطر الطبيعية والبشرية، مثل ظواهر التصحر والجفاف وتغير المناخ، وتقلبات الطقس، خَلْفَها السد الإثيوبي على النيل الأزرق مقتطعًا قَدْرًا من نصيب مصر والسودان من المياه، وكذلك عبر ضفتيه تتوالى المبادرات.

من المتوسط، ومن القاهرة، انطلقت أمس أعمال مؤتمر الأطراف لاتفاقية برشلونة "COP 24"، تحت شعار: "الاقتصاد الأزرق المستدام من أجل بحر متوسطي مرن وصحي"، بمشاركة ٢١ دولة متوسطية. وشملت أيضًا الاحتفال باليوبيل الذهبي لاتفاقية حماية البحر المتوسط بمرور ٥٠ عامًا من التعاون الإقليمي.

فقد استعرضت د. منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والقائم بأعمال وزير البيئة، في افتتاحها للفعاليات، التي تستمر ٤ أيام، جهود حماية البحر ومواجهة والحد من التلوث البحري والنفايات البلاستيكية، ومواجهة تدهور التنوع البيولوجي، ودعم سياسات الاقتصاد الأزرق المستدام، والتغيرات المناخية التحديات الحالية والمستقبلية التي تواجه البحر المتوسط، بهدف توجيه الجهود المشتركة نحو حلولٍ مستدامة، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي.

نوهت الوزيرة إلى أهم الإنجازات والتحديات التي واجهت البحر المتوسط على مدى الـ ٥٠ عامًا الماضية بعد توقيع اتفاقية برشلونة، كما ناقشت آليات الحوكمة والرصد بعنوان: "بحر متوسط واحد، مستقبل واحد، إجراءات متكاملة من أجل بحر مرن"، لمناقشة تسريع الأثر الإقليمي من خلال برنامج التعاون المتوسطي، إضافة إلى دعم قيام الأطراف بالتزاماتها وضمان الشفافية وتقييم قدرة الدول الأطراف على إعداد تقاريرهم الوطنية.

شارك في الفعاليات د. علي أبوسنة، الرئيس التنفيذي لجهاز شئون البيئة. والمعروف أن مؤتمر الأطراف القادم "COP 31" يعقد في تركيا العام المقبل.

ومن النيل، ما زالت مبادرة المجتمع المدني في مصر، ممثلًا في "المنتدى الوطني لنهر النيل"، برئاسة د. عماد الدين عدلي، رئيس المنتدى الدولي لدول حوض النيل، الأكثر فعالية وتأثيرًا. فقد عُقدت بالقاهرة، الإثنين الماضي، ورشة تدريبية لكوادر العمل البيئي في المحافظات، تحت عنوان: "التكيف والتخفيف... حلول قائمة على الطبيعة"، بَحثًا عن إستراتيجية مستقبلية للمنتدى الدولي، وتعظيم الاستفادة من موارد النهر عبر الحوار مع دول النيل، حيث ٧٩% من موارد مصر تأتي من النهر من دول الحوض.

ومع البحر والنهر، هناك الموارد المائية مثل المياه الجوفية والآبار والينابيع، والتي ينتج عن تراجعها التصحرُ وفقدان مصادر الحياة وتنوعها. ومن موقعها الجديد، وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة، الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، حذرت د. ياسمين فؤاد، من التدهور المنتشر للأراضي في العالم، حيث هناك نسبة ٤٠% من الأرض على مستوى العالم، معرضة للتصحر.

وبعد مرور ١٠٠ يوم على تقلدها منصبها، وضعت خارطة تمويل جديدة حتى "COP 17"، وتؤكد، من خلال جلسة نقاشية "رقمية" عبر الإنترنت، مع أعضاء "جمعية كتاب البيئة والتنمية"، أن التصحر لا يعني الجفاف وفقدانًا للغطاء النباتي فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بإنتاج الغذاء، وسبل العيش، وهجرة السكان، واستقرار المجتمعات، وربط الأرض والجفاف بالأمن القومي.

كما استعرضت أهم نتائج مؤتمر الأطراف "COP 16" بالسعودية، مثل إطلاق صندوق دولي لمكافحة الجفاف بقيمة أولية ٢ مليار دولار، وإدماج القطاع الخاص لأول مرة في إعادة تأهيل الأراضي، وتطوير نظام عالمي للتنبؤ بحالة الأراضي خلال عقدين قادمين، وأوضحت أن ٧٠ دولة، منها مصر، استوفت شروط التأهل لتمويل صندوق الجفاف، ونوهت إلى أن الاتفاقية تعمل حاليًا على "إعادة هندسة" آليات التمويل، بحيث يصبح الاستثمار في الأراضي خيارًا اقتصاديًا مربحًا، وليس مجرد تمويل تنموي، وإلى وجود صندوق استثماري جديد في لوكسمبورغ بقيمة تمويل أولية ٥ ملايين دولار يستهدف جذب استثمارات تتراوح بين ٥٠٠ و٦٠٠ مليون دولار، إلى جانب إطلاق منتدى للقطاع الخاص في "دافوس" لتعزيز الاستثمار في الزراعة والمراعي وإعادة التأهيل البيئي.

وحول مصر، أكدت د. فؤاد أن القاهرة قدمت خطتها الوطنية لمكافحة الجفاف إلى جانب مجموعة من المشاريع الجاهزة للتمويل، تشمل استعادة المراعي، ومنع الرعي الجائر، وتطوير أنظمة الري الحديث، وشددت على أن دورها في الاتفاقية اليوم "يتجاوز تمثيل مصر، إلى خدمة ١٩٧ دولة حول العالم"، إلا أن نجاحها على المستوى الدولي، يعكس ويعزز مكانة مصر الإقليمية في ملفات البيئة والمناخ.

والمكانة العالمية لمصر في مجال البيئة والتصحر، يعكسها كذلك العالم المصري الراحل د. محمد عبدالفتاح القصاص، الذي ساهم بشكل كبير في تعريف وتوعية العالم بظاهرة التصحر، وأطلق المفهوم في مصر في السبعينيات لوصف تحول الأراضي المنتجة إلى أراضٍ غير منتجة.

فمصر "تاريخيًا"، هي العابرة للمحن، و"جغرافيًا"، هي العابرة للقارات.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة