يُحكى أن أحد ملوك العرب، اعتقل شابًا من إحدى القبائل. فما كان من القوم إلا أن أوفدوا إليه شيوخهم وأمراءهم، جاءوا جميعًا، ليشفعوا لذلك الأسير.
فتعجَّب الملك، وقال: مَن هذا الذي اجتمعتم من أجله؟!
قالوا بصوت واحد: هو ملكنا!
فسألهم الملك متعجبًا: ملككم؟! ولمَ لم يُخبرْنا عن نفسه؟!
فأجابوا بثقة وثبات: أبى أن يذل نفسه، وأراد أن يُريكَ كرامته في قومه!
اعتذر الملك فورًا للملك الأسير! وأطلق سراحه، إجلالًا له، وإكرامًا لهم.
وبعد أيام، بلغه أن ذلك الرجل، لم يكن إلا راعِيَ إبل عندهم!
فبعث إليهم يسألهم: كيف تُسمُّونه ملككم، وما هو إلا أجير لديكم؟!
فجاءه الجواب، الذي خُلِّدَ في التاريخ: لا أميرَ فينا، إنْ ذُلَّ راعينا.
لا خيرَ في قوم ضاعَ فيهم حق ضعيفهم.
وعزَّةُ هؤلاء القوم، لا تُقاسُ بمالهم، ولا بسلطانهم، إنما بمقدار ما يصونون به كرامة بعضهم البعض، وبخاصة الضعيف.
"وامعتصماه"، أشهر استغاثة في التاريخ، من امرأة مسلمة، تعرضت للإيذاء من قبل الروم، استغاثة حُرِّكَتْ القوات جميعها من أجلها!
جيوش تذهب للقتال، انتقامًا لإهانة امرأة! أيُّ عز هذا؟ وأية كرامةٍ تلك؟!
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ.. (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)...
يكاد نهر القرآن الكريم تتفجر جنباته الطيبة، من الوصايا بالمساكين والفقراء والكادحين والضعفاء، وصايا ترفع قدر المنفذ، وتتوعد المتجاهل.
لما رجع المهاجرون إلى الحبشة، إلى رسول الله، (صلى الله عليه وسلم)، قال لهم: حدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ فقال جماعة منهم:
يا رسول الله، بينما نحن جلوس، إذ مرت عجوز مِنْ عجائزهم أَدْيِرَتِهِمْ (زاهدةٌ من زُهَّادِهِمْ) تحمل على رأسها قُلَّةً من ماء، فقام إليها فتًى من فتيانهم، فوضع إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها فخَرَّتْ على ركبتيها، فانكسرت قُلَّتُها. فلما قامت، التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا ظالم، إذا وضعَ الله الكرسيُّ، وجُمِعَ الأولون والآخرون، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف يكون أمري وأمرك عنده غدًا، أي عند الله، جلت قدرته. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): صدَقت، صدَقت، مُقِرًّا لقولها، وأضاف: كيفَ يُقدِّسُ الله أمةً، لا يُؤخذُ لضعيفهم مِنْ شديدهم.
يُقدِّسُ اللهُ، أي: يُطَهِّرهم من الدَّنس والآثام.
هو نفسه (صلى الله عليه وسلم) الذي قال:
إنَّما تُرزَقونَ وتُنصَرونَ بضُعفائِكُم.
وقال: رُبَّ أشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بالأبْوابِ، لو أقْسَمَ على اللهِ لأَبَرَّهُ... لفضله ومنزلته عند ربه سبحانه.
وقال: اللهمَّ إني أُحرِّجُ حقَّ الضَّعِيفين: اليَتيمِ، والمَرأةِ... أي، أُشدِّدُ وأُضَيِّقُ وأُبالِغُ في تخويف الناس، من إضاعة وإفساد حق الضعيفَين، وأدعو الله عليهم.
وقال (صلى الله عليه وسلم): ألا مَنْ ظَلمَ معاهَدًا، أوِ انتقصَه، أو كلَّفَه فوقَ طاقتِه، أو أخذَ منهُ شيئًا، بغيرِ طِيبِ نفسٍ، فأنا خَصمهُ يومَ القيامةِ...
الرسول الأعظم بنفسه (صلى الله عليه وسلم) خصم لمَن ظلم معاهَدًا!
هذا المعاهَد، غير مسلم، لكنه يمتلك جميع الحقوق التي يمتلكها المسلمون.
وكانت عدالته (صلى الله عليه وسلم) لا تفرق بين قوي وضعيف، غني وفقير، ولم يقبل بأية واسطة، في شأن المرأة المخزومية، التي سرقت، وأرادوا تجاوز العدالة في عقوبتها، فقال (صلى الله عليه وسلم): إِنَّما أَهْلَكَ الذين مِنْ قَبْلِكم أَنَّهم كانوا إِذا سَرَقَ فيهم الشَّرِيفُ تَرَكُوه، وإِذا سَرَقَ فيهم الضَّعِيفُ، أقاموا عليه الحَدَّ، وايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فاطمةَ بِنْتَ محمدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَها...
بنفسك يا رسول الله، إنك لا تأمر بقطع يدها، وإنما تقطعها بنفسك!
عدالة يقف عندها المرء مذهولًا، عدالة أقامت دولة الإسلام، قوية، آمنة، محبوبة.
السَّاعِي علَى الأرْمَلَةِ والمِسْكِينِ كالْمُجاهِدِ في سَبيلِ اللَّهِ، أوْ كالَّذِي يَصُومُ النَّهارَ ويقومُ اللَّيْلَ...
هكذا علمنا النبي المختار (صلى الله عليه وسلم) إظهارًا للثوابِ العظيم، لمجرد السعي، حتى وإن لم يتحقق المراد منه، فما بالك لو تحقق.
وهكذا تحدث الصديق أبوبكر، يوم تولى الخلافة: "والضعيفُ فيكم قويٌّ عندي، حتى آخذَ الحقَّ له، والقويّ فيكم ضعيفٌ عندي، حتى آخذَ الحقَّ منه".
وهكذا سارت أمة الإسلام، أمة تحمي الضعيف، وتحنو عليه، وتأخذ حق المظلوم من ظالمه. فلما غابت هذه الحقوق، غابت معها الدولة القوية، وأضحت كَغُثَاءِ السيل، وتلك سنة الله في خلقه.