بطولة أمم إفريقيا 2025 في المغرب.. منشآت جاهزة وزخم شعبي غائب

3-12-2025 | 16:58
بطولة أمم إفريقيا  في المغرب منشآت جاهزة وزخم شعبي غائبكأس أمم إفريقيا
الألمانية

قبل أسابيع قليلة من انطلاق بطولة كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، المقررة في المغرب بين 21 ديسمبر الجاري و18 يناير المقبل، تبدو الصورة أقل حماسا مما كان يُنتظر.

موضوعات مقترحة

بلد انتظر ما يقارب أربعة عقود منذ تنظيمه الوحيد للبطولة عام 1988، وضخ مليارات الدراهم في ملاعب حديثة ومنشآت رياضية تُصنَّف ضمن الأفضل في القارة، يجد نفسه اليوم أمام مفارقة غريبة: منشآت فائقة الجاهزية، لكن بلا احتفال، وبنيات ضخمة بلا روح رياضية تُشحن في الشارع أو الإعلام.

المغرب، الذي قدم نفسه قوة رياضية وقارية في السنوات الأخيرة، والذي راهن على صورة كأس العالم المصغرة، لا يبدو أنه يعيش أجواء العرس الإفريقي التي يُفترض أن ترافق حدثا بهذا الحجم.

لا زخم شعبي يُشعر الناس بأن البطولة على الأبواب، ولا حملات تعبوية قادرة على خلق موجة انتماء جماعي، وكأن الحدث يُعد في مختبرات تقنية، بينما الجمهور، بصفته المعني الأول، لا يزال ينتظر إشارة الدخول في الأجواء.

بهذا الغياب يتشكل تناقض معلن، بطولة وُلدت بوصفها حلم رياضي واستثماري، لكنها لم تجد بعد طريقها إلى الذاكرة الشعبية. ملاعب جاهزة… لكن دون قصة. تجهيزات كاملة… لكن دون إحساس. وكأن بطولة أمم أفريقيا، بدلا من أن تكون لحظة جماعية، تدار كملف إداري محكم لكنه صامت.

غير أن هذا الوضع لا يلغي حقيقة أخرى موازية، الشغف الجماهيري بكرة القدم ما يزال قائما بقوة، كما يعكسه الإقبال الكبير على التذاكر. فقد أعلن الاتحاد الأفريقي "كاف" عن بيع حوالي 300 ألف تذكرة في المرحلتين الأولى والثانية إلى غاية منتصف نوفمبر، مع إشادته بالاهتمام الواسع القادم من 33 بلدا إفريقيا و106 بلدان عبر العالم.

والأهم أن تذاكر مباريات المغرب والجزائر نفذت بالكامل خلال المرحلة الثانية. هذا الإقبال يكشف أن المشكلة ليست في الجمهور، بل في غياب جهد تواصلي فعال يربط بين استعدادات الدولة وتوقعات الناس.

منذ استضافة المغرب لنسخة 1988، تغيرت كرة القدم الإفريقية في الحجم والقيمة. صارت البطولة اليوم تضم 24 منتخبا بدلا من 8 منتخبات فقط، وصار التنظيم يتطلب حركية اقتصادية وإعلامية وسياحية ضخمة.

لكن على مستوى الذاكرة الشعبية، فإن أجيالا كاملة صعدت بعد التسعينيات لم تعش لحظة إقامة بطولة أمم أفريقيا على أرضها، ولم تر كيف يمكن لبطولة إفريقية أن تتحول إلى حدث وطني جامع. حدث مؤجل لـ37 عاما، يفترض أن يكون بوابة لبناء ذاكرة مشتركة، لكنه يدخل ببرودة بلا مقدمات ولا قصة تُروى.

لا يمكن إنكار أن المغرب يمتلك واحدا من أفضل الملاعب في إفريقيا. تسعة ملاعب مُدرجة لاستقبال المباريات، وهو رقم قياسي في تاريخ البطولة. إلا أن هذا التحضير كان تقنيا أكثر من كونه مجتمعيا، وكأنه مشروع أشغال عمومية فاخر وليس عرسا قاريا. ورغم اكتمال الأعمال، إلا أن الترويج الشعبي بقي ثانويا، وكأن الاستثمار موجه للمنشآت أكثر من الجمهور الذي سيعيش التجربة.

يكفي القيام بجولة قصيرة في المدن المحتضنة لإدراك المفارقة، البطولة موجودة على الورق فقط. لا لوحات إعلانية بارزة، ولا حملات في وسائل النقل، ولا شعارات على واجهات المحلات، ولا فعاليات مدرسية أو جامعية تربط الناس بالحدث. وتزداد المفارقة حين نستحضر اختفاء شاشات العد التنازلي بعد اختراقها خلال احتجاجات "جيل زد"، حيث لم تُرمم، بل سُحبت بهدوء، وكأن حضورها كان مجرد إكسسوار مؤقت.

النتيجة أن الناس يعرفون أن بطولة أمم أفريقيا ستنظم، لكنهم لا يشعرون بأنها تقترب منهم. المعرفة موجودة، لكن الإحساس الجماعي، وهو ما يصنع روح البطولات الكبرى، ما يزال غائبا.

المغرب يمتلك ما يكفي من الفنادق والطرق السريعة والمطارات الحديثة وشبكات النقل. لكن تنظيم بطولة إفريقية لا يُقاس فقط بقدرة البلد على الاستضافة، بل بقدرته على تحويل هذه الاستضافة إلى تجربة جماعية متكاملة. 

ما يحدث اليوم يوحي بأن الاعتماد يكاد يكون كليا على البنية التحتية، دون استراتيجية تجعل من البطولة رافعة اقتصادية وسياحية حقيقية. البنية جاهزة… لكن التجربة ما تزال ناقصة.

في كل مكان في العالم، ما يمنح البطولات الكبرى الحياة هو القصة التي تُبنى حولها: ثأر كروي، أو استعادة مجد ضائع، أو ولادة جيل أو لحظة وحدة لقارة كاملة.

 لكن المغرب لم يقدم قصة تقريبا، وكل شيء يُدار بمنطق تقني... لجان وملاعب وتواريخ وصور رسمية. لا سردية تربط الحدث بتاريخ القارة أو كرة القدم الوطنية، ولا رموز جماهيرية قادرة على شحن العاطفة.

في إفريقيا، كرة القدم ليست مجرد رياضة، بل ذاكرة وهوية وتحولات اجتماعية. غياب القصة يجعل الحدث باردا، وكأنه مجرد اجتماع كبير تُعقد فيه مباريات.

المؤسسات تعاملت مع البطولة كإنجاز إداري، بينما كرة القدم تُعاش في الشوارع والمقاهي والمدارس. مقارنة بتجربة قطر في كأس العرب، حيث أُشركت الجاليات في فعاليات يومية قبل انطلاق الحدث بفترة. بطولة أمم أفريقيا، في المغرب حاضرة تنظيميا، لكنها لم تتحول بعد إلى نبض شعبي.

ما ينتظره المغاربة ليس مجرد بطولة داخل ملاعب حديثة، بل لحظة انتماء جماعي. ما ينتظره الجيل الجديد ليس مدرجات فقط، بل ذكرى تُحكى. الطريق نحو هذا الإحساس ما يزال فارغا، والنجاح الإداري وحده لا يكفي.

الترويج لا يبدأ مع مباراة الافتتاح بل قبلها بوقت طويل، وإذا لم يتحول البلد المنظم إلى ورشات تواصلية واسعة تشمل الشارع والإعلام والمدارس والجماهير، فإن البطولة قد تدخل الملاعب بقوة، لكنها قد تغادر ذاكرة الناس بخفة، بلا أثر يليق بـ37 عاما من الانتظار.

وعند انتهاء الكان، لن يُطرح سؤال النجاح التنظيمي فقط، بل سؤال الحضور الوجداني: لماذا لم يتحول هذا الحدث إلى مناسبة وطنية تتجاوز الملاعب نحو الناس؟.

 

 

 

 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: