تُعد أزمة كلاب الشوارع في مصر واحدة من أكثر القضايا المتنامية التي تمزج بين الصحة العامة، والأمن المجتمعي، والرفق بالحيوان، ومشكلات أخرى تتعلق بكلفة المواجهة، ومع تراكم الأخطاء وضعف الإدارة لعقود، أصبح الحل اليوم يتطلب خطةً منهجية على مستوى الدولة، تعيد ضبط ملف الحيوانات الضالة بالكامل.
بدايةً؛ لا بد من إنشاء كيان وطني موحد لإدارة الملف؛ والخطوة الأولى هي تأسيس "هيئة لإدارة الحيوانات الضالة"، وتكون تابعة مباشرة لرئاسة مجلس الوزراء. الهدف من هذا الكيان هو توحيد المسئوليات بدلًا من تشتتها بين جهات متعددة، ولكي يصبح هناك طرف واحد فقط يُحاسَبُ على النجاح أو الفشل.
يتكون مجلس إدارة الهيئة من ممثلين عن: الطب البيطري، البيئة، التنمية المحلية، المجتمع المدني، وجمعيات أهلية تهتم بالنشاط الحيواني.
وتختص الهيئة بإعداد خطةٍ خمسية تُجدَّد سنويًا، مع قاعدة بيانات قومية لأعداد الكلاب، أماكن تجمعها، وأولويات التعامل معها.
ثانيًا: الاستعانة بتطبيق البرنامج العالمي المعروف بـ CNVR (إمساك – تعقيم – تطعيم – إعادة) هو الحل الأمثل المقبول علميًا.
فكرة البرنامج تدور حول الإمساك بالكلاب الموجودة في الشارع وتعقيمها طبيًا لمنع التكاثرِ وإعطائها تطعيم السعار، مع تركيب شريحة إلكترونية للمتابعة، ثم إعادتها لنفس المكان لضمان عدم دخول كلاب جديدة غير مُعالَجة. هذا النظام يقلل أعداد الكلاب بنسبة كبيرة قد تصل لـ ٦٠–٧٠% خلال خمس سنوات، كما أنه يحمي الناس من السعار والعقر.
تنفيذه يوجب إنشاء وحدات تعقيم متنقلة في كل محافظة، وتجهيز عيادات ثابتة في المدن الكبرى، وتدريب فرق بيطرية محترفة.
كما يجب وضع أهداف رقمية واضحة؛ السنة الأولى: تعقيم ٤٠٠ ألف كلب؛ السنة الثانية والثالثة: مليون كلب سنويًا؛ السنوات الرابعة والخامسة: استكمال التعقيم والمتابعة لمنع عودة المشكلة.
ثالثًا: ضبط ملف القمامة باعتباره العامل الأهم في تكاثر الكلاب؛ لأن وجود القمامة في الشارع يمثل مصدرًا دائمًا للغذاء، ما يجعل أي عملية تعقيم ناقصة الأثر.
لذلك يجب إدخال إدارة القمامة ضمن الخطةِ؛ من خلال نشر صناديق قمامة مُغلَقة لا تسمح بالفتح العشوائي. زيادة أسطول جمع القمامة في المدن الكبرى، ومنع إلقاء الطعام أمام المطاعم والعقارات.
وكذلك فرض غرامات كبيرة على كل منشأة تُلقي بقايا الطعام في الشارع؛ مع البحث عن صيغة لمنع الأفراد من إلقاء القمامة في الشارع؛ لأنه كلما انخفض الغذاء المتاح في الشوارع، انخفض عدد الكلاب تلقائيًا، حتى دون الحاجة لرفعها بشكل مباشر.
رابعًا: قوانين وتشريعات جديدة؛ فملف الكلاب الضالة لا يمكن حله بدون إطار قانوني صارم. تشمل التشريعات المقترح ترخيصًا إجباريًا للكلاب المنزلية بما يضمن تطعيمًا سنويًا ضد السعار، وتعقيمًا إلزاميًا للكلاب غير المخصصة للتربية. مع فرض غرامة على ترك الكلب في الشارع أو فقدانه دون الإبلاغ.
وبرغم أن ذلك المقترح صعب التنفيذ، إلا أن محاولة البحث عن صيغة لتنفيذه من شأنه أن يكون سببًا مهمًا في علاج أزمة كلاب الشوارع؛ ليعي كل من يريد اقتناء كلب أن عليه مسئوليةً كبيرة تجاهه.
أمر آخر مهم للغاية هو تنظيم تجارة الكلاب؛ فالكثير منها تُباعُ ثم تُرمى بعد شهور؛ لذلك؛ يجب منع البيع العشوائي، وترخيص محلات بيع الحيوانات، ويفضَّل توثيق عملية البيع والمالك؛ ويجب ألا نغفل حظر القتل العشوائي.
خامسًا: مناطق "صفر عقر" حول المدارس والمستشفيات؛ بحيث تُخصَّص فرق بيطرية لرصد محيط المدارس بالكامل، للتعامل مع أي تجمعات خطرة.
وتُنقَلُ الكلاب غير المُطعَّمة إلى مراكز التعقيم فورًا، مع متابعة أسبوعية لمدة عام كامل. فهذا يقلل بشكل كبير من نسبة العقر للأطفال، وهي الفئة الأكثر عرضة للخطر.
سادسًا: المشاركة المجتمعية والإعلامية؛ فلن تنجح أي خطةٍ دون دعم الناس؛ لذلك يجب إطلاق حملة إعلامية قوية تشرح الخطة وأهدافها، مع تشجيع الناس على الإبلاغ عن الكلاب المصابة أو التي تهاجم الناس. ولكي تنجح المنظومة لا بد من نشر ثقافة التعامل الصحيح مع الكلاب في الشارع.
ولو أردنا استخدام كل الإمكانات، علينا خلق منصة إلكترونية تسمح بالمتابعة بالصور والبلاغات. ويجب ألا ننسى دور الجمعيات أيضًا، فلها دور مهم، ولكن مع دمجها داخل المنظومة بدلًا من العمل المتفرق.
سابعًا: إنشاء مراكز إيواء في كل محافظة مهم، لكن يجب أن تكون مراكز "عبور مؤقت" قبل التعقيم والتطعيم، وليس ملاجئ تدوم بها الكلاب سنواتٍ.
"الإيواء الطويل مكلف جدًا وغير عملي" بينما الإيواء المؤقت يدعم البرنامج القومي دون إهدار موارد.
ثامنًا: قياس النجاح سنويًا؛ بحيث تقوم الهيئة القومية بإصدار تقرير سنوي يعلن عدد الكلاب التي تم تعقيمها وتطعيمها، وعدد حالات العقر، ومعدل السعار، وقياس الفارق سنويًا.
هكذا يتحول ملف الكلاب الضالة من "رد فعل" كما يحدث الآن إلى خطة لها مؤشرات أداء واضحة.
ختامًا.
الحل يبدأ عندما يصبح هناك إدارة واحدة - خطة واحدة - وتمويل واضح - ومشاركة مجتمعية.
ومع تطبيق برنامج التعقيم والتطعيم على نطاق قومي وتحسين ملف القمامة؛ يمكن لمصر أن تقلل أعداد كلاب الشوارع بشكل كبير خلال خمس سنوات، وتعيد التوازن بين سلامة المواطنين والحفاظ على حقوق الحيوان.
والله من وراء القصد..