معادلة قوة جديدة بالشرق الأوسط

3-12-2025 | 14:09

يبدو واضحًا أن القاهرة تعمل على تثبيت معادلة قوة جديدة تضمن حماية أمنها القومي واستقرار حدودها في محيط مُشتعل، وتوجه إستراتيجي يرمي إلى امتلاك أدوات ردع فعالة استعدادًا لأي طارئ.

ويرى الخبراء أن عوامل عدة من الرسوم الجمركية الأمريكية إلى الحروب، والنظام العالمي متعدد الأقطاب الآخذ في التشكل، تُسهم في إعادة رسم ملامح الشرق الأوسط وتحالفاته.

ويؤكد خبراء الغرب أن مصر تلعب دورًا قياديًا في هذا السياق، ويقول الخبراء إن مصر تشعر بالجرأة على اتباع سياسة خارجية أكثر توازنًا واستقلاليةً.

وفي ظل الخلافات بين الدول الكبرى، فقد انعكس ذلك على محاولة إيجاد حلفاء جُدد، من خلال تعميق مفهوم النظام متعدد القوى، وعبر خلق عالم أقوى يجب أن يقوم على زيادة إشراك الدول النامية في العمليات الاقتصادية العالمية وتقليل سبل الفجوة التمويلية وإعادة هيكلة الديون التي تحد من قدرات الدول على النمو، وهو ما انعكس على أجندة القيادة المصرية عبر استغلال هذا التنافس في تحييد الخلافات وتنوع العلاقات وطرح القضايا الأكثر تحديًا لعمليات التنمية في الدول النامية والإفريقية، وكذلك التغيرات المناخية عبر تعميق فكرة “خلق عالم متوازن ومتعدد القوى” قادر على بناء العلاقات القائمة على المصالح المشتركة.

وتحرص القاهرة على التقارب مع الدول الإسلامية، ولم تكن إيران وحدها الدولة الإسلامية التي تتقارب معها مصر؛ فقد تطورت العلاقات مع تركيا بقوة، وشهدت الأيام الأخيرة تطورًا مُهمًا في علاقات مصر مع باكستان.

وقام وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي بأول زيارة رسمية لإسلام آباد منذ أكثر من عشر سنوات. وشهدت نقلة نوعية في علاقة مصر مع باكستان.

وفي الوقت نفسه، تعكف القاهرة بقوة بالتنسيق مع السعودية، وجهود الدول العربية على وضع الولايات المتحدة أمام خيار إستراتيجي بين عدة نماذج، نموذج إسرائيل الذي يقوم على الهيمنة الدائمة ومنطق الأزمات، ونموذج عربي بديل يعتمد على الاستقرار المشترك، تكون مصر والسعودية والدول العربية فيه قوة مركزية.

ويأتي ذلك في وقت يطرح ستيفن كوك في فورين بوليسي الأمريكية تساؤلًا عمّا إذا كان الشرق الأوسط يشهد عودة إلى مشهد الحرب الباردة، ويستند في ذلك إلى ما يصفه بـتحولات في الموقف الصيني، مُشيرًا إلى التقارير التي تحدثت عن مساعدة بكين، طهران على إعادة بناء قدراتها العسكرية بعد المواجهة مع إسرائيل في يونيو الماضي.

ويعلّل حديثه، بأن السياسة الصينية في الشرق الأوسط ارتبطت طويلًا بالمصالح الاقتصادية وحدها، وهو ما أكده له أحد المحاورين الصينيين خلال زيارة أجراها إلى هونغ كونغ العام الماضي بقوله: "لا ننظر إلى المنطقة كما تنظر إليها واشنطن، كل ما نريده هو أن نبيع ونشتري".

ويرى كوك أن مثل هذه المقاربة لم تَعُد كافية لتفسير السلوك الصيني في الآونة الأخيرة.

ويُشير الكاتب إلى أن المشهد الراهن يُعيد إلى الأذهان أجواء الثمانينيات، حين كبَّدت الولايات المتحدة وإسرائيل، طهران خسائر عسكرية فادحة، بينما تحركت الصين سريعًا لإعادة بناء ما تهدَّم حمايةً لاستثماراتها واعتمادها الكبير على النفط الإيراني.

ويستعيد كوك التاريخ ليُذكِّر بأن الاتحاد السوفيتي تحرك سريعًا لإعادة تسليح الجيش المصري بعد هزيمته أمام إسرائيل عام 1967، مُعتبرًا أن ما يجري اليوم يحمل تشابهًا كبيرًا، رغم اختلاف الظروف والأطراف.

ومع ذلك، يرى ستيفن كوك أن المقارنة بالحرب الباردة تظل ناقصة؛ لأن إسرائيل ليست "دولة تابعة" للولايات المتحدة كما كانت بعض الأنظمة في أمريكا اللاتينية خلال الثمانينيات، وهي في الوقت نفسه تتمتع بعلاقات اقتصادية وثيقة مع الصين.

ولكن كوك يرى أنه من الصعب تجاهل عودة أجواء الثمانينيات، حين كانت المواجهات تُدار بمنطق "رابح مقابل خاسر" في ظل التنافس بين القوى الكبرى، وكان العالم أكثر خطورة بكثير.

ومن ناحية أخرى، نشهد المسعى المصري - السعودي بمشاركة بقية الدول العربية، وخاصة دول الخليج من أجل "التوازن الإستراتيجي"، وتجنيب الدول العربية وقوعها أسيرة تجاذبات الحرب الباردة.

وينقل موقع "The Media Line" عن الدكتور هشام الغانم، الباحث في مؤسسة "كارنيغي"، إن جهود واشنطن الأخيرة يمكن فهمها بوصفها محاولة جادة لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط"، مُعتبرًا أن السعودية تقف في مركز هذا التحوُّل وتسعى إلى سلام حقيقي واستقرار وتنمية شاملة.

وفق الغانم، تُمثل السعودية وإسرائيل وإيران ثلاثة نماذج مختلفة للقوة الإقليمية؛ فالسعودية تسعى إلى إغلاق دوائر عدم الاستقرار، بينما يقوم النموذج الإسرائيلي على التفوق العسكري الدائم وبيئة إقليمية هشَّة، في حين يعتمد النموذج الإيراني على الميليشيات التي تُضعف الدول من الداخل.

ويرى الغانم أن مستقبل النظام الأمني الجديد سيُحكم عليه بناءً على دعمه للنموذج السعودي أو إبقائه المنطقة رهينة لدوائر الأزمات.
وفي المقابل، تبدو إسرائيل معزولةً، وإيران لديها فرصة لنقلة نوعية في علاقاتها مع الدول العربية بتسوية الخلافات معها.

ويبدو أن واشنطن بدأت تدرك أن العرب لديهم مصالح ومخاوف، وأن الطريق نحوهم يبدأ بِلَجم إسرائيل وإقامة الدولة الفلسطينية، وإشاعة الاستقرار لا الفوضى، ولا فرصة للسلام بدون ثمن.

ويبقى أن مصر كانت وستبقى دائمًا قوة حكيمة ورشيدة، تحمي ولا تُهدد، ويأتي ذلك في وقت لا تزال منطقة الشرق الأوسط في مرحلة سيولة وإعادة تشكل بالحديد والنار، ودخول لاعبين جُدد، والحوار حول أدوار بعض اللاعبين القُدامى، وهو ما قد يوحي بإرهاصات "توازنات جديدة" في المنطقة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: