تشهد إفريقيا اليوم تقاطعًا حرجًا بين الطموح الرقمي والواقع الميداني، حيث تتنامى الحاجة إلى بنية تحتية رقمية قوية لتلبية الطلب المتزايد على البيانات والخدمات الذكية. وفي ظل انتشار الذكاء الاصطناعي وتوسع الخدمات السحابية، يبرز تحدٍ حقيقي هو أن قدرة مراكز البيانات الحالية في القارة غير كافية لمواكبة هذا النمو، ما يهدد إمكاناتها في ركوب موجة الابتكار الرقمي القادمة.
وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، بلغت القدرة المركبة لمراكز البيانات في إفريقيا عام 2024 نحو 0.4 جيجاوات فقط، أي ما يمثل 1% من الإجمالي العالمي، وهو رقم يعادل السعة في الشرق الأوسط وأمريكا الوسطى والجنوبية، لكنه يظل منخفضًا مقارنة بـ أمريكا الشمالية (43 جيجاوات)، آسيا والمحيط الهادي (36 جيجاوات)، وأوروبا (16 جيجاوات). هذا يشير إلى أن إفريقيا لا تتصدر أولويات الاستثمار لمراكز البيانات العالمية، في وقت تُركز فيه الموارد بشكل كبير على إنشاء ما يُعرف بـ "مصانع الذكاء الاصطناعي" في مناطق مثل أمريكا الشمالية.
ومع توقع نمو الطلب على قدرة مراكز البيانات في القارة ليصل إلى 1.5–2 جيجاوات بحلول عام 2030، تشير التقديرات إلى حاجة إفريقيا لاستثمارات ضخمة تصل إلى 10 مليارات دولار في الهياكل الإنشائية للمباني وحدها، دون احتساب معدات الحوسبة والكهرباء. معظم هذا الطلب يتركز على مراكز بيانات صغيرة لا تتجاوز 50 ميجاوات، في حين تمثل المراكز الأكبر الحصة الأكبر من الطلب في آسيا وأوروبا، مما يعكس الفجوة في حجم وفعالية البنية التحتية الرقمية الإفريقية.
تركّز الأسواق الكبرى والفجوة الرقمية
يشهد قطاع مراكز البيانات في إفريقيا تركيزًا واضحًا في عدد محدود من الأسواق الكبرى، حيث تستضيف جنوب إفريقيا أكبر عدد من المراكز (57)، تليها نيجيريا (22)، كينيا (20)، مصر (13) والمغرب (12). وتبلغ السعة المركبة لهذه الأسواق الخمسة أقل من 500 ميجاوات، وهو أقل من إجمالي السعة في فرنسا وحدها (800 ميجاوات) في عام 2024.
وعلى الرغم من أن مزودي الخدمات السحابية الكبار عالميًا مثل أمازون ومايكروسوفت وجوجل وأوراكل يمتلكون حضورًا قويًا في الخارج، فإن نشاطهم في إفريقيا يقتصر على جنوب إفريقيا فقط. هذا الأمر يعكس نقص الطلب المحلي على نطاق واسع بما يبرر الاستثمارات الكبيرة، وهو ما أعاق نشر البنية التحتية الرقمية بسرعة كما يحدث في الأسواق المتقدمة.
وتتجه الشركات الإفريقية تدريجيًا إلى الاعتماد على خدمات الحوسبة السحابية، لكنها غالبًا ما تُخدم من خلال مناطق سحابية في أوروبا وجنوب إفريقيا والإمارات، بينما تواجه العديد من مراكز البيانات التي بُنيت في القارة صعوبات طويلة الأمد في توقيع عقود مع المستأجرين لاستغلال قدراتها.
تحديات البنية التحتية والسياسات
إضافة إلى نقص الاستثمارات، تواجه مراكز البيانات الإفريقية تحديات تتعلق باستقرار الشبكة الكهربائية وبيئة السياسات العامة. هذه العوامل تُعد جوهرية في اختيار مواقع مراكز البيانات، حيث أن أي انقطاع متكرر للكهرباء أو ضعف استقرار السياسات الحكومية يعرقل الجاذبية الاستثمارية للقطاع.
ورغم هذه التحديات، بدأت بعض الاستثمارات الكبرى تظهر على الساحة، إذ تعهدت الإمارات بضخ مليار دولار لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي في القارة، بهدف دعم تطوير البنية التحتية الرقمية والخدمات الحكومية. ومع ذلك، تظل حصة إفريقيا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مشاريع مراكز البيانات منخفضة مقارنة بـ أمريكا اللاتينية والكاريبي، حيث شكلت الإمارات 7.4% فقط من إجمالي استثمارات بقيمة 32 مليار دولار بين 2016 وسبتمبر 2025، وهي نسبة أقل من أوروبا وأمريكا الشمالية.
التوسع الإفريقي المحلي
من جانبها، تعمل شركات التكنولوجيا الكبرى في إفريقيا على توسيع نطاق مراكز البيانات لتواكب الطلب المتزايد، مع التركيز على قدرات جاهزة لدعم الذكاء الاصطناعي. شركات مثل Cassava Technologies، التابعة لمجموعة Econet، تقوم بتوسيع قدراتها في جنوب إفريقيا، مع خطط للتوسع في مصر وكينيا والمغرب ونيجيريا، ما يعكس تحرك القطاع نحو تقليل الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية وتحفيز الطلب المحلي على خدمات رقمية أكثر تطورًا.
تسهم زيادة رقمنة الخدمات وانتشار الهواتف الذكية في تعزيز الطلب على مراكز البيانات في إفريقيا، مما يجعل الحكومات والمؤسسات الكبرى من أبرز المستفيدين والمستثمرين في هذه البنية التحتية، ويزيد فرص استدامة القطاع على المدى الطويل.
فجوة التأخر الرقمي
تتجه إفريقيا نحو عصر رقمي جديد، لكن الفجوة الحالية في مراكز البيانات تضع القارة أمام تحدٍ حقيقي. الاستثمار المستدام في البنية التحتية الرقمية ليس مجرد فرصة اقتصادية، بل ضرورة لتعزيز تنافسية إفريقيا في عصر الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية. فالرقمنة ليست رفاهية، بل أداة استراتيجية لبناء اقتصاد قوي قادر على مواجهة تحديات المستقبل والحد من فجوة التأخر الرقمي مقارنة ببقية العالم.
للتواصل: [email protected]