هناء حسين حفيدة الشيخ محمد رفعت: كان يحب سماع موسيقى بيتهوفن وينظم بيته صالوناً ثقافياً يحضره الشاعر أحمد رامي والموسيقار زكريا أحمد ونجيب الريحانى
موضوعات مقترحة
محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وليلى مراد كانوا يتعلمون منه "مخارج الحروف" ونطقها الصحيح
لهذا السبب قال له الملك فاروق "كنت زعلان منك.. ولكني أحبك"
قال عنه الشيخ محمد متولى الشعراوى: ( إن أردنا أحكام التلاوة فعلينا بالشيخ محمود خليل الحصرى.. وإن أردنا حلاوة الصوت فعلينا بالشيخ عبد الباسط عبد الصمد.. وإن أردنا الخشوع في القراءة فعلينا بالشيخ محمد صديق المنشاوى.. وإن أردنا النفس الطويل مع العذوبة فهو الشيخ مصطفى إسماعيل.. لكن لو أردنا هؤلاء جميعا فهو الشيخ محمد رفعت)، ووصفه القارئ الشيخ أبو العينين شعيشع بـ "الصوت الباكى"، أما موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب فكانت تربطه به صداقة قوية ويقول: "أنا خادم الشيخ"، ورغم وفاته منذ 75 عاماً مازال الشيخ محمد رفعت يتربع علي عرش "أصوات السماء" في مدرسة القراءة المصرية، حكايات وتفاصيل و"كرامات" تكشف عنها حفيدته السيدة هناء حسين محمد رفعت خلال السطور التالية.
أحكى لنا عن نشأة مولانا الشيخ محمد رفعت؟
محمد رفعت هو اسم مركب ووالده محمود رفعت مركب أيضا وجده محمد رفعت مركب أيضا، وسمى باسم جده، وهو من مواليد القاهرة 9 مايو 1882 وتوفى أيضاً فى 9 مايو 1950، ولد فى حى الجمالية، وما سمعته من والدى أن جدى عندما ولد كان جميل الشكل للغاية مثل أبناء الأمراء، فوالده الذى كان يعمل مأمورا بقسم شرطة الخليفة وكان سعيدا بمولده للغاية، وفقد جدى بصره عندما كان عمره عامين بعدما أصيب بالرمد، ونتيجة للوصفات البدائية وقتها فقد بصره، وكان الشيخ أبو العينين شعيشع يقول لى: جدك كان جميلا جدا، ومن يراه لا يصدق أنه ضرير لأن لون عينيه مزيج من الاخضر والرمادى
كيف بدأت رحلته مع عالم التلاوة؟
حفظ القرآن الكريم في كتاب بشتاك الملحق بمسجد مصطفى فاضل باشا بدرب الجماميز بالسيدة زينب، وأتم حفظ القرآن الكريم وهو فى التاسعة من عمره و حصل على إجازة القراءات العشر وتجويده ودرس علم القراءات والتفسير ثم المقامات الموسيقية على أيدى شيوخ عصره، وأصبح مشهورا بحسن صوته منذ صغره حتى كلفته إدارة المسجد وقتها بقراءة القرآن الكريم يوم الجمعة قبل الصلاة وهو فى سن الخامسة عشرة، وتوفى والده وهو فى التاسعة من عمره فوجد الطفل اليتيم نفسه مسئولا عن أسرته المكونة من ٤ أفراد.. أمه وخالته الأرملة وشقيقه محرم وشقيقته، وأصبح عائلها الوحيد وتولى القراءة بمسجد فاضل باشا فى السيدة زينب وهو فى سن الخامسة عشرة، فبلغ شهرة واسعة فى محيطه ونال محبة الناس، وكانت ساحة المسجد والطرقات تضيق بالمصلين ليستمعوا إلى الصوت الملائكى وكان محبو الشيخ محمد رفعت يجلسون خارج المسجد بعد امتلاء ساحته، كما سمعت من والدي أنه كان معتاداً على قضاء شهور الصيف الاربعة فى الاسكندرية ويصلى صلاة الجمعة أسبوعيا بمسجد مرسى أبوالعباس.
نريد أن نقترب أكثر من حياة الشيخ ونعرف كواليس زواجه مبكرا؟
ما أعرفه انه تزوج عندما كان عمره 16 عاما من فتاة من قرية الفرعونية بالمنوفية ذات جذور طيبة وعاشا معا حياة هادئة سعيدة، وانتقلت الأسرة من حي المغربلين إلى منزل جديد بالسيدة زينب التي أحبها الشيخ كثيرا وردد أن مجاورتها تجلب البركة، وتحديدا بمنطقة البغالة حيث بنى الشيخ بيتا من 3 أدوار، واستمرت أسرة الجد في هذا المكان وخصص فيما بعد شقة لكل ابن، لأنه كان يحب وجود أبنائه حوله، وعاشوا معا حتى توفاه الله، وبالمناسبة والدي أخبرني بأن أول تعاقد بينه وبين الإذاعة كان بـ3 جنيهات أسبوعيا ثم تطور الأمر حتى أصبح عقدا شهريا بـ25 جنيها لكنه لم يكن مهتما بجمع المال واعتاد تلبية رغبة الفقراء قبل الأثرياء، وهناك واقعة شهيرة جدا وهي أن الملك فاروق طلبه لإحياء الذكرى السنوية لوالده، في نفس الوقت الذي طلبته جارته الفقيرة المسنة لقراءة القرآن في مناسبة سنوية لديها، فاختار أن يذهب إلى الفقيرة وهو ما أغضب الملك فاروق الذي قال له بعد أسابيع "كنت زعلان منك.. لكني أحبك"
من كان يتولى شئون الشيخ فى إحياء الليالى الدينية في كل ربوع مصر؟
كان عمى الكبير محمد هو السكرتير الخاص به، حيث كان يراجع الخطابات التى ترد الى جدى ويركب معه الحنطور، وهناك كذلك عمى أحمد وعمتى بهية وآخر أولاده حسين والدى، وقد رحل جميع أولاده، أما عن الأحفاد فنحن 16 حفيداً وحفيدة أنا أصغرهم.
كيف جمعت التسجيلات الصوتية لقيثارة السماء؟
التسجيلات الصوتية المنزلية كلها "أصوات مكسرة" حولها ضوضاء، وقد قام والدى بعد ان استعان بالشيخ أبو العينين شعيشع بحفظ تراثه، وبعد وفاة جدي لم يكن في الإذاعة سوى 3 تسجيلات خارجية وليس لدينا المصحف كاملا، ولكن بالاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة تمت معالجة الكثير جداً من تسجيلات الشيخ، وظل القرآن وأذان محمد رفعت علامة مميزة لشهر رمضان، ولكن مازالت لدينا تسجيلات كثيرة نادرة أناشد الجهات المسئولة فى الدولة مساعدتنا على ترميمها من خلال التكنولوجيا الحديثة باستديوهات الدولة، وأرفض أن يتبنى الأمر فرد بعينه حفاظا على مبدأ الشيخ رفعت وكرامته، فالدولة الجهة الوحيدة القادرة على إعادة إحياء تراثه للأجيال القادمة.
هل كانت هناك علاقة تربط بين الشيخ محمد متولي الشعراوي والشيخ محمد رفعت؟
الشيخ الشعراوى يحكى انه أول جمعة ذهب فيها لمسجد فاضل باشا وصل الساعة 10 صباحا ولم يجد مكاناً ليجلس ويستمع لصوت الشيخ محمد رفعت، وحينها قال له المصلون إنه إذا أراد أن يجد مكاناً قبل صلاة الجمعة عليه أن يصلى الفجر ويظل بالمسجد، والشيخ الشعراوي كان مرتبطا بصوت الشيخ محمد رفعت عندما جاء للقاهرة، فقد لفت انتباهه وغيره من طلاب الأزهر الشريف من خلال قراءاته لمعانى في القرآن الكريم.
هل كان يستمع الشيخ محمد رفعت للموسيقى؟
كان يحب سماع الموسيقى الكلاسيكيكية مثل بيتهوفن، وكان ينظم في منزله كل فترة صالوناً ثقافياً، وكانت فترته حاشدة بالأدباء وعلماء الأزهر والموسيقيين والملحنين والمطربين، وكانوا يتجمعون في منزله بينهم الشاعر أحمد رامي والموسيقار زكريا أحمد، وبديع خيرى ونجيب الريحانى وليلى مراد، ووالدها، وكانت ليلى مراد تتعلم مخارج الحروف منه وكان يحضر أيضا أم كلثوم والكاتب الصحفى محمد التابعى والموسيقار محمد عبد الوهاب وكل نجوم المجتمع.
وهل بالفعل كانت علاقته قوية مع الموسيقار محمد عبد الوهاب؟
بالفعل كان من أقرب الناس لجدي كما روي لي والدي، وكان يجمعهما لقاء أسبوعي بمنزل الشيخ رفعت، كما كانا معا في معظم المناسبات المهمة بالدولة، وظل عبدالوهاب صديقا لوالدي بعد وفاة جدي، وكان والدي يأخذ رأيه في كل أمور الأسرة خاصة تراث الشيخ رفعت، وهناك أصدقاء كثيرون كانوا قريبين من جدي مثل السياسي فكري أباظة والشاعر الكبير أحمد شوقي وكامل الشناوي وزكريا أحمد، كما ارتبط به بشدة في آخر أيامه نجيب الريحاني الذي كان يأتي الى منزله يوميا أثناء مرضه، وحرص الريحاني على اصطحاب جدي لخارج المنزل فيركبا معا "الحنطور" الخاص بالشيخ ويتنزهان معاً في القاهرة.
هناء حسين حفيدة الشيخ محمد رفعت
كيف كانت آخر مرة قرأ فيها الشيخ محمد رفعت القرآن في مسجد فاضل باشا؟
أصيب بورم في الحنجرة في بداية الأربعينيات قبل وفاته بـ 8 سنوات، وتوقف عن الذهاب للإذاعة، واكتفى بالقراءة فى المسجد وظل كذلك حتى قهره المرض خلال القراءة فأجهش بالبكاء وتحول المسجد إلى مأتم وبكى كل الحاضرين وحملوه وعادوا به إلى منزله، وبعدما توفي سرادق العزاء استمر 3 أيام بسبب كثرة الزائرين.
هناء حسين حفيدة الشيخ محمد رفعت
لماذا ترفضين تحويل قصة حياة الشيخ محمد رفعت لعمل درامي مثل الشيخ الشعراوي؟
لا أريد عرض تفاصيل حياته ومعاناته، فجدي لم يتاجر بصوته وأنا لن أتاجر بقصة حياته حتى لو أعطونى مال قارون.
هناء حسين حفيدة الشيخ محمد رفعت
هل صحيح أن مولانا الشيخ محمد رفعت كانت له " كرامات" كما روي كثيرون ممن عاصروه؟
بالفعل ، وكان من كرامات الشيخ رفعت كما حكى لى والدى أنه فى أحد الأيام طلب من عمى أكبر أبنائه أن يحضر سائق العربة له بعد أذان المغرب، ثم أمره أن يتوجه لمنطقة فى وسط القاهرة والغريب أنه كان يوجه السائق بالدخول فى الشوارع مرة يمينا وأخرى يسارا والسائق متعجب من ذلك، حتى انتهى بهم المطاف أمام سرادق عزاء لسيدة فدخل السرادق وطلب مقابلة ابن السيدة وقال له لماذا لم تنفذ وصية والدتك بأن تحضرنى للقراءة فى عزائها ؟ فاعتذر الابن معللا بأنه لم يستطع توفير أجر كبير يناسب الشيخ، فوبخه الشيخ محمد رفعت وقال له إن والدتك جاءتنى فى الرؤيا وطلبت منى أن أقرأ القرآن فى عزائها، واستأذن القارئ الذى كان موجودا بالعزاء فى أن يقرأ حتى نهاية العزاء، فقد كان جدى عفيف النفس زاهدا فى الدنيا لم يكن باحثا عن الشهرة والصيت والمال حتى بعد أن نال شهرة واسعة داخل وخارج مصر، خاصة حين عرضت عليه محطات الإذاعة الأهلية أن تذيع له بعض آيات الذكر الحكيم ورفض قائلا إن وقار القرآن لا يتماشى مع الأغانى الخليعة التى تذيعها إذاعتكم، وبالرغم من انه قد علا نجمه وذاع صيته فى مشارق الأرض ومغاربها وتنافست إذاعات العالم الكبرى مثل إذاعة لندن وبرلين وباريس وغيرها من الإذاعات الأخرى فى أثناء الحرب العالمية الثانية لتبدأ بث افتتاحها وبرامجها العربية بصوته لتكسب الكثير من المستمعين إلا أنه لم يكن يهتم بالمال والثراء ورفض بشكل قاطع أن يتكسب بالقرآن.
هناء حسين حفيدة الشيخ محمد رفعت
هناء حسين حفيدة الشيخ محمد رفعت