"يجب أن تكون زوجتي أصغر مني على الأقل بسبع أو ثمان سنوات".
هكذا تحدث بكل تلقائية، ولما استفسرت مستعجبًا ومستغربًا عن السبب أجاب بكل يقين وثقة، وصوت يحمل في ظاهره الهدوء وفي باطنه منتهى التهكم من جهلي بتلك الحقيقة التي يعرفها كل إنسان على وجه الأرض! ألا تعلم أن العمر الافتراضي للنساء قصير؟ ألا تعرف أن العجز يصيبهن دومًا في سن مبكرة؟ ألم يخبرك أحد أن المرأة تنتهي صلاحيتها وتصبح غير قادرة على مجاراة الرجل في متطلبات الحياة الزوجية، في حين يبقى الرجل قويًا صحيحًا لا يتأثر بمرور الزمن.
وظل يحدثني ويذكرني بأمثلة كثيرة منها ما رأيناه حولنا بالفعل، ومنها ما شاهدناه في المسلسلات على شاشات التليفزيون.
كان حديثه من الناحية المنطقية مصيبًا، غير أن مسألة "تنتهي صلاحيتها" استوقفتني طويلًا، لم أهضمها أو أستسيغ حجتها ومنطقها الذي ساقه، حتى كدنا نتعارك.
هل يمكن فعلاً أن يختار الإنسان شريكة حياته بناءً على هذا المعيار؟ معيار الصلاحية!
وليت حديثه تضمن الصلاحية الأخلاقية أو التربوية أو الاجتماعية، لكنها فقط -وبكل ما تحمله كلمة "فقط" من معنى- الصلاحية العمرية والجسدية! نعم، هذا هو ما قصده تمامًا وما كرره عدة مرات، فإن ذكرته بتلك الصلاحيات الأخلاقية والتربوية قال: "طبعًا طبعًا.. ماشي ماشي.. أكيد أكيد"، دون أن يتوقف عندها طويلاً.
أعلم تمام العلم أن تلك الصلاحيات مهمة أيضًا بالنسبة له ولن يهملها، فهو من الصنف الذي يريد الحصول على كل شيء من مال وجمال وحسب ونسب وأخلاق! لكن المؤكد -وفقًا لحديثه- أنها لن تكون على قمة أولوياته، التي يجتهد في وضعها وحسابها بالورقة والقلم بمنتهى الدقة.
فإذا سلمنا بمعيار الصلاحية الجسدية، كان من حق الرجل أن يتساءل -كما نفعل عندما نشتري ثلاجة أو غسالة- عن العمر الافتراضي لتلك العروس، وعن ضمان عيوب الصناعة... إلى آخره من الضمانات التي تحفظ له حقه في الرجوع على البائع -أقصد ولي أمر العروس- إن ظهر بها أحد تلك العيوب.
بالطبع لا داعي أن نتساءل عن حقوقه إذا استلمها بحالة جيدة -حالة المصنع- وبعد فترة قصيرة فوجئ بانتهاء عمرها الافتراضي، ماتت مثلاً أو أصبحت غير قادرة على الإنجاب، أو تعبت وأصبحت غير قادرة على مجاراته في متطلباته الزوجية، التي يبدو وكأنه ما تزوج إلا للوفاء بها. أو اكتشف بعد فترة أن عندها مرض وراثي ورثته عن عمتها أو جدتها.
ولماذا نتساءل وحقه واضح وضوح الشمس، هي عيوب صناعة صريحة لا تقبل الجدال، تعطيه كل الحق في الرجوع على البائع -عفوًا للمرة الثانية، أقصد أبيها- لاسترجاع بضاعته الفاسدة. وأظن كل الظن أنه -وهو رجل يعرف حقوقه جيدًا- سوف يرجع على أبيها بتعويض مناسب يستطيع أن يحصل به على عروسة من معرض آخر أكثر أمانة في عرض بضاعته دون غش أو تدليس.
نسي صاحبنا وهو يحسب حسبته أن يتساءل ماذا يفعل إن استلم العروس من أبيها سليمة خالية من العيوب، ثم أصابها عيب بعد عدة سنوات بسبب سوء الاستخدام من جانبه؟ ماذا لو مرضت بسبب زيادة الأحمال، أقصد كثرة الحمل أو التعب بسبب رعايته ورعاية منزله وأولاده؟
والسؤال الأكثر إلحاحاً أيها الأحمق: ماذا لو فقدت أنت صلاحيتك؟ أليس لهذا اعتبار في خطتك؟ أم أنه حق حصري لك فقط؟
ماذا لو فكرت كل النساء بنفس منهجك؟ ماذا أنت فاعل وهي تطالبك بشهادة ضمان وخلو من العيوب؟
أنت تبحث عن الصلاحية وفرق السن بينكما لأن منطقك أخبرك بهذا، أكد لك أنه الطريق الوحيد حتى تضمن أنها سوف تعيش فترة طويلة ولا يصيبها العجز "بدري"! لا تنسَ إذن أن تضع بندًا في عقد الشراء – أقصد وثيقة الزواج – يقضي بالعودة على أبيها بالتعويض المناسب إن ماتت قبل مرور عشرين سنة على الأقل من تاريخ الزواج. أو بحقك في فسخ العقد إن لم تلد صبيانًا. وبالتأكيد حقك في الفسخ والتعويض وضرب أبيها وإخوتها وكل عائلتها "بالقبقاب" إن تعبت يومًا ورقدت مريضة عاجزة عن القيام بمهامها الزوجية!
لا تلتفت لمن يقول لك إن فتيات كثيرات تزوجن وهن في سن مبكرة ثم توفين وما زلن في سن مبكرة لمرض عارض أَلَمَّ بهن، رغم أن شهادة الضمان كانت سليمة مئة بالمئة! لا تشغل بالك بذلك، ما لك أنت وتلك الاحتمالات الضعيفة، لقد أدرت آلتك الحاسبة ووصلت لنتائجك بكل دقة.. لا تنصت إليهم إن أخبروك عن تلك التي عاينها الزوج وانبهر بجمالها وصحتها وجرى مسرعًا ليوقع عقدها مع أبيها قبل أن يحصل عليها غيره، ثم تركها ومات وهي ما زالت في ريعان شبابها، وللأسف لم تجد في عقدها بندًا يسمح لها بالرجوع على المشتري بالتعويض المناسب.. أنت مختلف، لست نذلًا لتتركها وتموت وهي في ريعان شبابها كما يفعل الآخرون. انصرف فورًا عمن يقول إنك أنت من قد يمرض ويرقد ويصبح غير قادر على الحركة.. فأنت وحدك من يحق له أن يسأل تلك الأسئلة.
لكنني توقفت عن الحديث وأدركت أن فائدته مُنعدمة لما وجدت صاحبنا يحدثني عن عروس رآها وعاينها معاينة نافية للجهالة، ورجحها لنفسه عروسًا مستقبلية لما شاهده عليها من الجمال الأخاذ والصحة الوفيرة، وقبل كل شيء هي تصغره بتسعة أعوام.. يعني قمة الصلاحية التي يبحث عنها.
ثم وجدته يضيف إلى ميزة الصلاحية أن راتبها ممتاز، كما أنها تملك سيارة! ولما لفتُّ نظره أن هذه سيارتها الخاصة؟ تعجب قائلاً: وهل يوجد فرق بين الرجل وزوجته؟ لقد أصبحنا شركاء في الحياة بأكملها!
نسي هذا الأحمق أنها شركة من نوع خاص يحكمها قانون خاص.. هي عقد فريد من نوعه يتضمن شراكة في الحياة -كما قال- لكن ليس فقط في حلوها، بل ومُرّها أيضاً الذي يحاول البعد عنه... بمنتهى المنطق.