تحولات العصر تفتح الكاميرا على أدق الأسرار.. فلقد مرت السينما التسجيلية برحلة تحول عميقة لم تقتصر على الشكل التقني فحسب؛ بل امتدت لتشمل المضمون وفلسفة السرد نفسها فمنذ عقود كانت صورة الفيلم الوثائقي مرتبطة بالعين الموضوعية التي ترصد الوقائع والأحداث الكبرى بمسافة تُبقي على "الحياد"، بل كان الفيلم التسجيلي يهدف إلى توثيق العالم الخارجي شاهدًا على التاريخ، أو مفسرًا للظواهر الاجتماعية.
ولكن مع تسارع إيقاع الزمن وتغير اهتمامات الأجيال الجديدة من صُنّاع الأفلام والجمهور، بدأت هذه الحدود تتلاشى ولم يعد صانع الفيلم مجرد ناقل للمعلومة، بل تحول إلى طرف فاعل ومشارك باحثًا عن طرق أكثر حميمية للتعبير عن الحقائق التي يراها هذا التحول مع ظهور أدوات تسجيل وتوثيق خاصة أبرزها "كاميرا المنزل" (Handycam) التي وضعت قوة التسجيل السينمائي في متناول الأفراد، جاعلة من أدق تفاصيل الحياة اليومية مادة خامًا للسرد وصعود "الفيلم الذاتي" وثورة الأرشيف الخاص.
إن اللجوء إلى المقاطع المصورة الخاصة، التي قد تكون شخصية للغاية وتم تصويرها بعفوية بكاميرا منزلية مثلت نقطة تحول جوهرية شكلًا ومضمونًا، هذه المقاطع التي كانت محصورة في صندوق الذكريات العائلية أصبحت اليوم تُطوَّع بعناية لتكون جزءًا أساسيًا من النسيج الوثائقي هذه الخطوة ولَّدت المصطلح الفني الأفلام الذاتية (Autobiographical Films)
في هذه الأفلام، يضع مخرج العمل نفسه في قلب السرد يصبح الفيلم مساحة للتعبير عن التناقضات والتحولات العميقة لشخصيته مثل فيلم “الحياة بعد سهام" لم يعد الهدف توثيق العالم بل توثيق الذات في مواجهة العالم.
هذا النوع من الأفلام يقدم جرعة عالية من الصدق والشفافية مستخدمًا الأرشيف الشخصي كدليل ملموس على حقيقة المشاعر والخبرات ومحاولة جريئة للإجابة عن سؤال "من أنا؟" من خلال عدسة السينما.
تأثير هذه التجارب ونشر ثقافة البوح ودرجة نجاحها في سياق التجارب التي أثبتت قوة هذا النهج ترك فيلم "أبوزعبل" أثرًا عميقًا في الوجدان وشجع جيلًا من المخرجين على التعبير عن أنفسهم بصدق وفيلم "ثريا حبي" الذي فاز بجائزة أحسن فيلم وثائقي، مما أكد أن القصص الشخصية الصادقة قادرة على تحقيق الصدى الفني والجماهيري.
لقد كسر نجاح هذه التجارب حاجز الخوف من البوح، وأكد أن القصص الشخصية يمكن أن تحمل طابعًا عالميًا، وأن أعمق أشكال التوثيق ليس فقط في رصد الأحداث الكبرى، بل في تفكيك التحولات الداخلية التي تُشكِّل شخصية الفرد وتجربته، هنا أصبح الفيلم التسجيلي شكلًا من أشكال الاعتراف الفني.
البحث عن شريك في الرحلة - علاقة المخرج بالجمهور، هذه العلاقة الحميمة تولد سؤالًا جديدًا: ما هي طبيعة العلاقة بين المخرج التسجيلي وجمهوره في هذا السياق؟ إنها ليست علاقة مراقب بمراقب بل هي أشبه بـ"علاقة اعتراف"؛ عندما يفتح المخرج صندوقه الخاص ويستخدم مقاطع الكاميرا المنزلية التي تظهر ضعفه وتحولاته، فإنه يدعو الجمهور إلى مقعد الشريك في هذه الرحلة، وهنا يتجاوز الجمهور في هذا النوع من الأفلام دور المشاهد السلبي ليصبح شاهدًا نشطًا على عملية البحث عن الذات، هذا المستوى من الصدق يخلق رابطًا عاطفيًا عميقًا بين طرفي المعادلة ويحوّل العرض السينمائي إلى تجربة مشتركة؛ حيث يرى المشاهد انعكاسًا لتحولاته الشخصية في قصة المخرج؛ مما أكد أن الذاتي هو بوابتنا للوصول إلى العام، والإنساني المشترك، فالجمهور هنا لا يرى قصة مخرج الفيلم فقط، بل يرى انعكاساته هو؛ حيث تتأكد الفكرة الجوهر.. أن الذاتي هو باب للوصول إلى العام، وأن أعمق الوثائق هي تلك التي تكشف ما يحدث في الداخل لا في الخارج فقط.
وهكذا، لم تعد السينما التسجيلية مرآة للواقع فقط، بل أصبحت مرآة للنفس، ومساحة يتقاطع فيها الخاص مع العام، وتتحول فيها الكاميرا من أداة رصد إلى أداة فهم، ومن وسيلة للتوثيق إلى وسيلة لاكتشاف الإنسان ذاته.