صراع الساعة البيولوجية والوجبة الليلية..هل عشاء ما بعد المغرب يهددك بالسكري؟

1-12-2025 | 13:16
صراع الساعة البيولوجية والوجبة الليليةهل عشاء ما بعد المغرب يهددك بالسكري؟مرض السكرى
إيمان عباس

لطالما ساد الاعتقاد بأن زيادة الوزن والسمنة هما الخطران الوحيدان لتناول الطعام في أوقات متأخرة من الليل، لكن الأبحاث العلمية الحديثة أخذت منحى أكثر عمقاً، لتكشف عن علاقة مباشرة ومقلقة بين توقيت الوجبات المسائية وخطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني واضطراب مستويات السكر في الدم.

موضوعات مقترحة

هذا النمط الغذائي، الذي أصبح شائعاً بسبب متطلبات الحياة العصرية وساعات العمل غير المنتظمة، بات يثير جرس إنذار بين الأوساط الطبية حول العالم، ويدعو إلى إعادة النظر في العادات اليومية التي قد تبدو بسيطة لكن عواقبها الصحية جسيمة على المدى الطويل، إن فهم كيف يتفاعل الجسم مع الطعام في أوقات الراحة البيولوجية أصبح محور تركيز رئيسي، مما يؤكد أن القضية تتجاوز مجرد عدد السعرات الحرارية المستهلكة إلى توقيت استهلاكها.

اضطراب الإيقاع اليومي وارتفاع السكر

أكدت دراسات عدة في السنوات الأخيرة، أن تناول الطعام في وقت متأخر من الليل يمكن أن يؤدي إلى تغييرات سلبية وملموسة في مستويات الجلوكوز (سكر الدم)، مما يضع أساساً صلباً لزيادة خطر الإصابة بالسكري. ويوضح الخبراء أن هذا التأثير لا يقتصر فقط على الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، بل يشمل أيضاً الأفراد الأصحاء، مما يسلط الضوء على أهمية الإيقاع اليومي أو ما يُعرف بالساعة البيولوجية للجسم في عملية التمثيل الغذائي، ففي ساعات الليل، تنخفض قدرة الجسم الطبيعية على معالجة الجلوكوز بكفاءة، وهي عملية حيوية تتأثر بعوامل هرمونية وسلوكية تتغير تبعاً لدورة النوم والاستيقاظ.

وأضاف باحثون أن هذه الظاهرة تُعزى بشكل أساسي إلى ضعف تحمل الجلوكوز وانخفاض حساسية الأنسولين خلال ساعات المساء المتأخرة، وهو ما يعزز فكرة أن التوقيت هو عامل مستقل ومهم عن مكونات الوجبة نفسها. واستطردوا في شرح الآلية البيولوجية، حيث يمر الجسم بحالة من الاستعداد للراحة، مما يقلل من إفراز هرمون الأنسولين – المسؤول عن نقل السكر من الدم إلى الخلايا لاستخدامه كطاقة – كما تنخفض حساسية الخلايا لهذا الهرمون الحيوي.

إقرأ أيضا

قنبلة موقوتة تُهدد الأعصاب والذاكرة.. 6 إشارات حمراء لنقص فيتامين B12 لا تحتمل التأجيل

كظم الغيظ.. القوة الحقيقية في الإسلام وكيف نبني بها قلوبًا أصفى وعلاقات أمتن؟

متى يتحول العشاء إلى عبء؟

في هذا السياق، قال الدكتور محمد عادل، استشاري الأمراض الباطنية والغدد الصماء، إن قدرة الجسم على التعامل مع الجلوكوز تتضاءل بشكل ملاحظ مع تقدم ساعات الليل، حيث تكون الكفاءة الأيضية في أدنى مستوياتها، وهذه حقيقة مرتبطة بإفراز هرمون الميلاتونين الذي يشير إلى بدء الليل البيولوجي. وحذر من أن تناول وجبة غنية بالكربوهيدرات أو السكريات في وقت متأخر، على سبيل المثال بعد الساعة الثامنة مساءً أو في الساعات القليلة التي تسبق النوم مباشرة، "يُجبر البنكرياس على العمل بجهد كبير في وقت يفترض أن يكون فيه في حالة راحة، مما يزيد من احتمالية تقلبات سكر الدم وعدم معالجته بالطريقة المناسبة".

أشار الدكتور عادل، إلى دراسات بينت أن الأشخاص الذين يتناولون نسبة كبيرة من سعراتهم الحرارية اليومية في المساء، كانت لديهم مستويات أعلى بكثير من سكر الدم بعد الوجبة مقارنة بمن تناولوا نفس الوجبة في وقت مبكر. وتابع قائلاً، "لقد أظهرت الأبحاث أن مستويات ذروة السكر في الدم تكون أعلى بنسبة قد تصل إلى 20% تقريباً عند تناول عشاء متأخر، الأمر الذي يشكل ضغطاً متزايداً على نظام تنظيم السكر في الجسم، ومع تكرار هذا النمط، يمكن أن تتطور الحالة إلى مقاومة للأنسولين، وهي الخطوة الأولى نحو الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني".

آثار تتعدى السكري.. تحذيرات أخرى

لم يقتصر الأمر على خطر السكري، بل استكمل الدكتور عادل، موضحاً أن تناول الطعام المتأخر يرتبط أيضاً بزيادة تراكم الدهون وإبطاء عملية الأيض، مما يؤدي إلى زيادة الوزن والسمنة، وهما من عوامل الخطر الرئيسية للعديد من الأمراض المزمنة الأخرى. وأضاف: "إن الأكل المتأخر يعطل الإيقاع الطبيعي لعمليات الأيض، مما يوجه الجسم نحو تخزين الدهون بدلاً من حرقها كطاقة، خاصة وأن النشاط البدني يكون صفراً تقريباً بعد تناول تلك الوجبات".
ولافت إلى أن هناك مشكلات صحية أخرى لا تقل أهمية، مثل اضطرابات النوم وزيادة خطر الإصابة بارتجاع المريء وحرقة المعدة، وقال إن "الأكل قبل النوم مباشرة يرفع احتمالية ارتجاع الحمض المعدي إلى المريء، مما يسبب الإزعاج ويقطع دورة النوم الصحية، والنوم غير الجيد هو بذاته عامل إجهاد يزيد من مقاومة الأنسولين".

توصيات للحفاظ على صحة الأيض

أكد استشارى الباطنة، على ضرورة وضع قواعد صارمة لتوقيت الوجبة الأخيرة من اليوم. وحذر بشدة من تناول أي وجبة دسمة أو غنية بالسكريات والدهون قبل النوم بثلاث ساعات على الأقل، وذلك لإعطاء الجهاز الهضمي والبنكرياس فرصة للراحة وإعادة ضبط مستويات السكر في الدم. ويوضح أنه "بالنسبة لأولئك الذين يشعرون بالجوع الشديد ليلاً، يجب أن تكون الوجبة الخفيفة صحية جداً ومنخفضة السعرات الحرارية والسكريات، مثل الزبادي  أو بعض الخضروات النيئة، لتقليل التأثير السلبي على مستويات الجلوكوز".

واستطرد أن التركيز يجب أن يكون على جودة الطعام وتوقيته معاً، فتناول الوجبات الرئيسية خلال الفترة النشطة من اليوم يساهم في تحسين كفاءة التمثيل الغذائي والوقاية من الأمراض المزمنة". وحث على جعل الفترة الزمنية لتناول الطعام محدودة في ساعات النهار، بما يتماشى مع الإيقاع البيولوجي للجسم، فهذا الإجراء الوقائي يمكن أن يقلل بشكل كبير من احتمالية الإصابة بمرض السكري ومضاعفاته القلبية الوعائية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: