السيادة الرقمية… معركة الحاضر وخريطة القوة في المستقبل

30-11-2025 | 22:22

في السنوات الأخيرة أصبح مصطلح “الحرب السيبرانية” الأكثر شيوعًا في وصف أي هجوم سيبراني يستهدف القطاعات الحكومية، أو المرافق المرتبطة بتقديم الخدمات الحيوية، أو مكونات البنية التحتية الحرجة للدول بشكل عامّ، للترويج لفكرة أن الحرب السيبرانية تمثل الخطر الأكبر على الدول، في ظل الموجة العالمية للتحول الرقمي في مختلف المجالات. 

والحقيقة أن هذا الضجيج يخفي وراءه معركة أشد وأخطر من التعرض للهجمات السيبرانية، هي معركة السيطرة على مستقبل الدول ذاتها، معركة امتلاك التكنولوجيا، وإدارة البيانات، والتحكم في البنى الرقمية التي أصبحت العمود الفقري للحياة الحديثة، فالهجمات السيبرانية مهما ترتب عليها من نتائج لا تُسقِط أنظمة ولا تُغيّر الحدود الجغرافية على الخرائط، أما فقدان السيادة الرقمية فيعني شيئًا واحدًا: أن تصبح الدولة تحت رحمة من يملك بياناتها، ومن يدير منصاتها الرقمية، ومن يتحكم في قدراتها التكنولوجية.

وبعيدًا عن مدى دقة استخدام مصطلح الحرب لوصف استخدام التقنيات التكنولوجية الحديثة في إدارة الصراع بين الدول في الفضاء السيبراني، والذي يفتقر للعديد من المقومات الرئيسية لوصفه بالحرب، فلا يسبق تنفيذ أي دولة للهجمات السيبرانية وتوظيف قدراتها التكنولوجية في إدارة الصراع إعلانٌ للحرب، ولا يوجد ميدان معركة واقعي تدور المواجهات من خلاله، بل إن هوية الفاعل نفسه غالبًا ما تكون مجهولة أو غير قابلة للإثبات. 

وأظهرت الصراعات الرقمية في العصر الحديث أن امتلاك قدرات تقنية عالية تتيح توجيه هجمات سيبرانية قادرة على التأثير على قدرة أجهزة الدولة في القيام بمهامها، وإحداث حالة من عدم الاستقرار في البنية التحتية الرقمية الحرجة، من تعطيل أنظمة الكهرباء، أو إرباك حركة المطارات، أو توقف الخدمات الحكومية، لا يُعد نصرًا حقيقيًا، ولا يمنح الدول تفوقًا إستراتيجيًا، بل يمكن اعتبارها حوادث عابرة يمكن التغلب على الآثار المترتبة عليها، في مقابل صراع عميق يدور حول السيطرة على الفضاء الرقمي نفسه.

وعلى عكس الشائع في العديد من الأطروحات التي تضمنت أن الصراع الحالي في العصر الرقمي يدور حول أن امتلاك الأسلحة السيبرانية القادرة على توجيه هجمات شديدة التأثير يمثل أحد أبرز مظاهر القوة السيبرانية، قدم المفكر الأمريكي جوزيف ناي (Joseph Nye) مفهومًا للقوة السيبرانية يتجاوز في مضمونه إمكانية الدولة على تنفيذ الهجمات من خلال الفضاء السيبراني؛ إذ يطرح ناي مفهوم القوة السيبرانية باعتبارها الركيزة الأساسية لتوازنات القوى في القرن الحادي والعشرين، وتتمثل في قدرة الدولة على توظيف التكنولوجيا الرقمية، واستخدام الفضاء السيبراني لخدمة أهدافها الإستراتيجية، إذ إن جوهر الصراع في العصر الرقمي يكمن في القدرة على الهيمنة على الفضاء السيبراني، والتحكم في تدفق المعلومات والبنى التحتية، وليس في امتلاك القدرات التقنية اللازمة لشن الهجمات السيبرانية كأحد صور إدارة النزاعات بين الدول.

ويتجسد ذلك المفهوم من خلال الأحداث الجارية بين الدول ذات القدرات التكنولوجية المتقدمة على المسرح الدولي، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، والذي يكمن في التنافس على إنتاج الشرائح الإلكترونية، والتفوق في الذكاء الاصطناعي، والسيطرة على شبكات الجيل الخامس والسادس، وبناء الكابلات البحرية، وإدارة الحوسبة السحابية، وتطوير أنظمة التشغيل والمنصات الرقمية العالمية، في إطار سعيها لتصبح القوة المهيمنة على الفضاء السيبراني، بعيدًا عن المنافسة على إنتاج الفيروسات والبرامج الخبيثة التي تُستخدم في الهجمات السيبرانية.

وفي حقيقة الأمر يبدو أن الترويج المتعمد للحرب السيبرانية وكأنه صورة من صور تحويل جهود الدول عما ينبغي أن تدركه وتعمل على تحقيقه؛ فالمعركة الحقيقية التي ينبغي أن تخوضها الدول هي معركة بناء القدرات السيبرانية وتعزيز سيادتها الرقمية، التي تتعلق بمستقبلها في العصر الرقمي، ليست تلك المرتبطة بالهجمات الإلكترونية؛ بل إن التركيز المتعمد على مفهوم الحرب السيبرانية يُغفل أحد أبرز الحقائق التي فرضتها التطورات التكنولوجية على الساحة الدولية، وهو أن امتلاك الدولة لقدرتها على حماية بياناتها وبنيتها الرقمية الحرجة، والقدرة على بناء قدراتها التكنولوجية بشكل مستقلّ، هو أحد أهم متطلبات التواجد على الساحة الرقمية الدولية، أما الدول التي تنشغل بمجابهة الهجمات السيبرانية دون أن تُطوّر قدراتها الذاتية، فإنها تسقط في هوة التبعية الرقمية، ويتحكم في صياغة مستقبلها القوة المهيمنة في الفضاء الرقمي.

وسط هذا السباق التكنولوجي المحموم، يصبح الحفاظ على السيادة الرقمية هو المعركة الحقيقية التي تخوضها الدول في القرن الحادي والعشرين. لم يعد خيارًا، بل عنصرًا أساسيًا من أمنها القومي، في عالم تُحسم فيه القرارات باستخدام الخوارزميات ومن داخل مراكز البيانات؛ وفي واقع الأمر إننا نعيش صراعًا لم يعد فيه السؤال: من يملك القدرة على مهاجمة مَن؟ … بل: من يهيمن على الفضاء الرقمي؟ وأصبحت السيادة الرقمية هي الحد الفاصل بين الدول التي تصنع مستقبلها… وتلك التي يُكتب المستقبل عنها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: