تخبرنا العملات في انتقالها من يد لأخرى عن الأشخاص الذين تداولوها، وعن الأمة التي أصدرتها، والحضارة التي تنتمي إليها، وفى التاريخ الإسلامي كانت العملات بوزنها ونقوشها تمثل مرآة صادقة لما كان عليه اقتصاد الدولة، فهي بحد ذاتها وثيقة صادقة لا تقبل الكذب أو التأويل.
موضوعات مقترحة
ولسنوات طويلة ظلت عملات بني نصر في غرناطة متناثرة بين مجموعات أثرية وموزعة بين مصادر ومراجع تاريخية وبعض الكاتالوجات، وهذا ما كان يمثل تحديًا كبيرًا لباحثي المسكوكات النصرية، التي تحتل أهمية كبيرة باعتبارها آخر العملات التي تداولها الناس في الأندلس، حيث مثلت مملكة غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس بين عامي (635ـ897هـ/1238- 1492م).
هذه المشكلات التصنيفية التي كانت تواجه العملات النصرية في غرناط، تلاشت الآن مع قيام مؤسسة "We Are Numismatics" بعمل منهجي دقيق يتمثل في إصدار كاتالوج للنقود الصرية منذ تأسيسها على يد محمد الأول عام 635هـ/1238م، وسقوطها خلال عصر محمد الثاني عشر (أبو عبد الله الصغير) عام 897هـ/ 1492م.
تاريخ مملكة غرناطة
مثّلت مملكة غرناطة النصرية (635-897هـ/1238-1492م) آخر معاقل الإسلام في شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث أسسها محمد الأول بن يوسف بن نصر، المعروف ـ"ابن الأحمر"؛ لشقرة لزمته وسلالته، وظهرت هذه الإمارة في سياق من الانقسام السياسي وتزايد الضغوط من الممالك المسيحية عقب سقوط خلافة قرطبة وإمبراطوريتي المرابطين والموحدين.
على مدى أكثر من قرنين ونصف، طوّر أمراء بنو نصر نظامًا سياسيًا فريدًا قائمًا على الدبلوماسية، والسيطرة على شبكات التجارة المتوسطية، وقد حافظت غرناطة، عاصمتها، على روعة الأندلس، ممثلة في قصر الحمراء، الذي أصبح رمزًا لرقيّ وقوة آخر سلالة إسلامية في شبه الجزيرة الأيبيرية.
في هذا الإطار، لعبت عملة بنو نصر دورًا أساسيًا كأداة لإضفاء الشرعية السياسية، والرقابة المالية، والديناميكية التجارية، يعكس سكّها التعقيد الاقتصادي للإمارة، والتفاعل بين التقاليد الإسلامية والابتكار المحلي والضغوط الخارجية الناجمة عن موقعها الجيوسياسي الفريد.
التداول النقدي وسكّ العملات
من الناحية الاقتصادية، حافظت الإمارة على نشاط تجاري مكثف واقتصاد متنوع للغاية، قائم على الزراعة المكثفة، والحرف اليدوية الحضرية، والتجارة مع البحر الأبيض المتوسط.
ي هذا السياق، كان النظام النقدي أساسيًا، سواءً لإضفاء الشرعية على سلطة السلالة أو لضمان استقرار المعاملات التجارية.
تعكس عملات النصريين، المسكوكة من الذهب (الدينار) والفضة (الدرهم) والنحاس (الفلوس)، ببراعة حياة مملكة كانت دائمًا عالقة بين المقاومة والدبلوماسية وفخامة بلاطها. حافظت عملات النصريين على التقليد الرسمي الذي بدأه الموحدون: تميزت الدنانير الذهبية المضاعفة (Dobla) بالمربع المميز المنقوش داخل إطار دائري ووزنها الاستثنائي الذي يصل 4.6 جرامات، بينما استمر سك الدراهم الفضية على فراغات مربعة.
يتضمن الكتالوج عملات معدنية ذات وظيفة نقدية ضمن النظام النصري، لذلك، استُبعدت بعض القطع الفضية، التي يفوق وزنها وزن الدرهم القياسي، وتحمل نقوشًا طويلة، حيث تتميز هذه القطع بخصائص تُشبه التمائم أو الإصدارات الجنائزية أكثر من العملات المتداولة.
وقد أشار العديد من مؤرخي العملة النصرية، مثل فروتشوسو (1996م)، ولورينتي (2004م)، وخيمينيز بويرتاس (2024م)، إلى أن هذه القطع لا تتوافق مع المعايير القياسية، ولا تُظهر أي علامات على الاستخدام النقدي (علامة دار السك، الفئة النقدية، إلخ)، ويجب تفسيرها في سياقات رمزية أو طقسية، لا علاقة لها بالاقتصاد العادي، لأن إدراجها سيؤدي إلى تشويه البنية النمطية للكتالوج وغرضه التحليلي.
يفتقر جزء كبير من دراهم بني نصر المعروفة إلى التواريخ وأي ذكر للأمير الذي أصدرها؛ مما يحول دون الإسناد الزمني المباشر، نظراً لهذا القيد، اعتمدنا المخطط الذي اقترحه ميغيل خيمينيز بويرتاس (Las monedas de plata nazaríes، 2024)، والذي يُنظّم هذه الإصدارات المجهولة في ست مراحل تطورية بناءً على معايير مترولوجية وكتابية وشكلية.
على أي حال، تُعدّ هذه محاولةً لترتيب زمني مؤقت، نظراً لغياب سياقات أثرية موثوقة، واكتشافات نهائية، وتوثيق معاصر يسمح بتحسين أدقّ. مع مراعاة هذه القيود، يُقدّم هذا النظام أداةً فعّالة لتقريب التطور الفعلي لعملات الفضة النصرية بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، مما يسمح لنا بوضع القطع في سياقها التاريخي بشكل أكثر تماسكاً. لتسهيل المقارنة النمطية، أُدرجت أيضاً التطابقات مع التصنيفات المرجعية لهوهيرتز وفونتينلا باليستا.
فيما يتعلق بالقياسات ونسبها بالنسبة إلى الوحدة، استخدمنا مصطلحي "الدرهم الكبير" و"الدرهم الصغير" بدلاً من "نصف درهم" أو "ربع درهم" لعدم وجود دليل وثائقي يؤكد أن هذه الدراهم صُممت ككسور رسمية، بدلاً من ذلك، يصف "الكبير" و"الصغير" الحجم أو الوزن النسبي للدراهم الفضية، مما يسمح لنا بالتمييز بين النوع الأثقل (كبير) والنوع الأخف (صغير). عندما تكون القطعة أخف من "صغير"، أطلقنا عليها اسم "نصف صغير"، مما يعكس وزنها الأقل دون تحديد رسمي لها. ينطبق هذا المصطلح على جميع عملات الفضة النصرية، باستثناء عملات محمد الأول، التي وُثّقت كسورها صراحةً وفقًا لمقاييس الموحدين.
فيما يتعلق بالفلوس النصرية، فهي عملة نحاسية بسيطة وفريدة من نوعها، صدرت بين عامي (879هـ - 1474 م) في عد السلطان مولاي أبو الحسن على بن سعد واستمرت حتى عهد خليفتيه محمد الثاني عشر الصغير (بوبديل)، ومحمد الثالث عشر (الزغل)، حيث وصلتنا آخر الفلوس النصرية مؤرخة بعام 894هـ/1488م خلال الأزمة الاقتصاية الأخيرة التي عصفت لمملكة غرناطة، حيث ظهرت كرد فعل على ندرة العٌملات الكسرية، وتتميز بتصميمها البسيط، مع نقوش بخط النسخ تشير فقط إلى دار السك والتاريخ، دون أي صيغ دينية، مما يمثل تحولاً غير مسبوق في التقاليد النقدية الأندلسية، وقد مثّل إصدارها نهاية العملات الأندلسية.
أهمية كاتالوج النصر
بدوره يؤكد السيد خوان باريز Juan Barez، نائب رئيس جمعية العملات الإسبانية، أن الكاتالوج الجديد يحمل مصطلح "النصر" العربي، الذي يعني"الانتصار"، وهو بهذا يحمل ثقلًا دلاليًا وتاريخيًا عميقًا فيما يتعلق بسلالة بني نصر في غرناطة (635-897هـ/1238 ـ1492م) وبعيدًا عن معناه العام في المجالين السياسي والديني الإسلامي، فإن مفهوم "النصر" يكمن في أصل اسم السلالة "بنو نصر" أو "أبناء نصر"، حيث يشير هذا الاسم مباشرةً إلى مؤسس السلالة، محمد بن يوسف بن نصر المعروف بـ"ابن الأحمر"، الذي أسس السلطة الجديدة في شبه الجزيرة الأيبيرية بعد انهيار دولة الموحدين.
في هذا السياق، لا ينبغي فهم النصر من منظور عسكري فحسب، بل أيضًا كدليل على الشرعية السياسية والروحية، و يتجلى هذا البعد الرمزي في الشعار الشهير "ولا غالب إلا الله"، المنقوش مرارًا وتكرارًا في قصر الحمراء وعلى نقوش نصرية أخرى، وكأن هذا الشعار يحمل رسالة تؤكد أن انتصار هذه السلالة في نهاية المطاف، تجليًا للإرادة الإلهية، مما عزز سلطة الملك في مواجهة خصومه الداخليين والخارجيين.
في مجال علم العملات، يكتسب استحضار "النصر" دورًا فريدًا، فبالإضافة إلى وظيفتها الاقتصادية، كانت عملات النصر وسيلةً للدعاية، إذ نشرت صيغًا دمجت مفردات النصر في الخطاب السياسي، وهكذا، أصبحت كل عملة دليلًا ملموسًا على هوية السلالة وتطلعها إلى البقاء تحت راية النصر.
لهذه الأسباب، فإن اسم هذا الكتالوج، "النصر"، ليس مجرد اختيار اسمي، بل هو إعلان مبادئ: فالدراسة المنهجية لعملات بني نصر محفورة في ذاكرة سلالة بنت هويتها على مفهوم النصر، رابطةً بين السلالة المؤسسة، والقوة الإلهية، وعمق ثقافتها.
وأضاف باريز أن اختيار اسم الكتالوج ينبع من دافعين:
ـ الدفاع التاريخي: أطلق النصريون على أنفسهم اسم "بني نصر"، ويرتبط أصل المصطلح ارتباطًا مباشرًا بالهوية السياسية للسلالة.
ـ الرمزية الأكاديمية: يهدف الكتالوج إلى "الدفاع" عن المعرفة المتعلقة بعملات بني نصر والحفاظ عليها، موفرًا بذلك مرجعًا دقيقًا ومستقرًا لبحوث علم العملات.
والسيد خوان باريز "Juan Barez" هو جامع متخصص في علم العملات الإسلامية في العصور الوسطى، وقد ركز على دراسة الأنظمة النقدية الإسبانية الإسلامية، مع التركيز بشكل خاص على قضايا بني نصر ومشاكل نسبها ومؤسس مجموعة "العملات الأندلسية" على فيسبوك، حيث يساعد هواة جمع العملات في تحديد وتحليل وتصنيف القطع غير المعروفة سابقًا، مقدمًا منظورًا نقديًا قائمًا على معرفة المصادر ومقارنتها بالاكتشافات الحديثة.
من جانبها أشارت السيدة أنا سيرانو Ana Serano المشرفة على إعداد الكاتالوج، انه يمثل مرجعًا لهواة جمع العملات، ونقطة انطلاق لدراسات جديدة حول عملات مملكة غرناطة النصرية.
وتابعت:"لقد كان شرفًا لي أن أطوّر هذا المشروع بالتعاون مع خوان باريز، الذي أؤمن إيمانًا راسخًا بأن علم العملات يحتاج إلى موارد مفتوحة، متينة، وسليمة علميًا، حيث يُضفي هذا الفهرس تنظيمًا منهجيًا على أحد أكثر الأنظمة النقدية تعقيدًا وإثارةً في الأندلس، ويعتمد هذا العمل على قراءات منقحة لنقوش النقود، ومقارنة أنماطه، وتحليل المتغيرات التي حلت بها مع سرد متخصص يتيح استكشافًا دقيقًا حتى لأكثر القطع صعوبة" .
وأطلقت أنا سيرانو دعوتها لهواة جمع العملات، والأكاديميين، والمؤسسات، والمهتمين إلى التعاون من خلال المساهمة بالمعلومات والصور والمراجع، مما يُثري هذا الكتالوج الوثائقي الذي يهدف إلى الحفاظ على التراث النقدي لمملكة بني نصر ونشره.
وأعربت السيدة أنا سيرانو عن امتنانها بشكل خاص لكبار مؤرخي السكة الأندلسية، وعلى رأسهم السادة: ألمودينا أريزا أرمادا، وإدموند هوهيرتز، وميغيل خيمينيز بويرتاس، الذين كانت معرفتهم ودعمهم أساسيين، وشكرت أيضًا سلفادور فونتينلا باليستا، وديفيد فرانسيس فانيو، وتوفيق إبراهيم على مساعدتهم القيّمة في أي استفسار، وكل هؤلاء أساتذة كبار متخصصون في تاريخ العملات الأندلسية.
والسيدة آنا سيرانو، متخصصة في علم العملات المسيحية والإسلامية في العصور الوسطى، والرئيسة التنفيذية لمؤسسة "We Are Numismatics"، وهي معروفة بعملها في النشر العلمي والدراسة المتخصصة لعملات الأندلس، وقد أشرفت على العديد من مشاريع الفهرسة الرقمية لمجموعات العملات والآثار الخاصة والعامة، وهدفها هو جعل البحث في علم العملات في متناول جمهور واسع دون التضحية بالدقة الأكاديمية.
عملات السلطان محمد الأول (635-671هـ/1238-1273م)
دينار السلطان محمد الثاني (671-701هـ/1273- 1302م)
دينار السلطان أبو الوليد إسماعيل (713-725هـ/1314-1325م)
دينار السلطان محمد الرابع (725-733هـ/1325-1333م)
دينار السلطان يوسف الأول (733-755هـ/1333-1354م)
دنانير السلطان محمد الخامسـ الغني بالله (755-792هـ/1354-1391م)
دينار السلطان إسماعيل الثاني (760هـ/1360م)
دينار السلطان يوسف الثاني (792-793هـ/1391-1392م)
دينار السلطان محمد السابع (794-810هـ/1392-1408م)
دينار السلطان يوسف الثالث (810-820هـ/1408-1417م)
دنانير السلطان محمد الثامن (820-822هـ/1417-1419م 832-835هـ/1427-1429)
عملات السلطان محمد التاسع ـ الأيسر حكم 4 فترات بن عامي (822-857هـ/ 1419-1453م)
دينار السلطان محمد العاشر (857-858هـ/ 1453-1454م)
دينار السلطان سعد بن علي (858-869-1454-1464م)
عملات السلطان أبو الحسن علي بن سعد حكم فترتين بين عامي(869-890-1464-1485م)#
دنانير السلطان محمد الثاني عشر (بوبديل) حكم فترتين بين عامي(887-897-1485-1492م)
عملات السلطان محمد الثالث عشر (الزغل) حكم فترتين بين عامي(887-889-1485-1487م)
السيد خوان باريز
السيدة أنا سيرانو # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # # #