صناعة اقرأ في الحضارة الإسلامية.. «الأمة التي لا تقرأ تموت قبل أوانها»

30-11-2025 | 19:13
صناعة اقرأ في الحضارة الإسلامية ;الأمة التي لا تقرأ تموت قبل أوانها;صورة تعبيرية

كان للقراءة دور محوري في الحضارة الإسلامية، حيث شكلت ركيزة أساسية لنهضتها في مختلف المجالات، مُنطلقة في ذلك من الأمر الإلهي في القرآن الكريم بالقراءة كأول كلمة نزلت على النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ "إقرأ" .

وعلى مدى الأزمان ساهمت القراءة في بناء المعرفة ونقلها عبر الأجيال، وظهر أثرها في ازدهار العلوم من طب وفلك وهندسة، وتأسيس مكتبات عظيمة، وازدهار ترجمة الكتب الأجنبية، وإنشاء حركة علمية واسعة النطاق. 

القراءة مفتاح المعرفة والتطور

وقد شُكلت الحضارة الإسلامية من خلال تشجيعها للعلم والاكتشاف، حيث كانت القراءة وسيلة لتوسيع المدارك واكتساب الحكمة، وأعطت الحياة الإنسان حياةً أخرى من خلال غناها المعرفي والأخلاقي. 

يقول عملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد:"أحب الكتاب، لا لأنني زاهد في الحياة، ولكن لأن حياة واحدة لا تكفيني"، ويصف الجاحظ الكتاب بأنه "الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يقليك، والرفيق الذي لا يّمِّلك"، بينما يرى فرانسيس بيكون أن "القراءة تصنع إنساناً كاملاً".

لقد شكلت القراءة ركيزة أساسية في الحضارة الإسلامية، بدءًا من الأمر الإلهي الأول في القرآن الكريم "اقرأ"، مرورًا بالاهتمام بنقل العلم والمعرفة في العصور الذهبية من خلال مهنة الوراقة والأسواق المخصصة، وصولًا إلى اعتبار القراءة ضرورة لنهضة الفكر والعقل لدى الفرد والمجتمع ككل، ولم تقتصر القراءة على العلوم الدينية، بل شملت مجالات متنوعة كالكون والإنسان والفنون والسياسة؛ مما أدى إلى ازدهار حضاري واسع.

وأكدت الأحاديث النبوية على القراءة كفريضة وسبيل للوصول إلى الجنة، حيث قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"طلبُ العلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ"، كما حث على كتابة العلم ليحفظ به، مستشهداً بقوله:"اكتبوا العلم قبل ذهاب العلم".

وتشير الأحاديث إلى الأجر العظيم الذي يناله القارئ، ومن ذلك قوله:"من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غُفر له". 

ويرى المفكر عبد الوهاب المسيري أن القراءة يجب أن تكون قراءة عميقة وهادفة، وليست مجرد استهلاك سطحي للمعلومات، مُحذراً من الرغبة المعلوماتية التي تجعل الإنسان يقرأ كل شيء فيفقد التركيز، مما يؤدي إلى معرفة كل شيء ولا يعرف شيئًا، كما يشدد على أن القراءة ينبغي أن تهدف إلى الفهم العميق للقضايا، وأن المثقف هو من يترجم قراءته إلى فعل ملموس، وليس مجرد جمع للمعلومات دون تطبيق.

أولاً :- أهمية القراءة

- فريضة دينية طلب العلم واجب على كل مسلم ومسلمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلبُ العلمِ فَريضةٌ علَى كلِّ مُسلِمٍ"، ومن سلك طريق العلم، سهّل الله له طريقًا إلى الجنة ويضاعف الله الأجر لمن يقرأ ويكتب العلم، فكل حرف مكتوب يمكن أن يصبح مدناً واسعة في الجنة.

ـ استمرارية العمل بعد الموت: العلم النافع الذي يُنتفع به يبقى أجره مستمرًا بعد وفاة صاحبه،أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بكتابة العلم قبل ذهابه بموت العلماء، لكي لا يضيع.

- القراءة غذاء للعقل والروح و القراءة تفتح آفاقًا جديدة وتنمي الروح وتعطي الفرد فهمًا أعمق للعالم من حوله.

- تساعد في تطوير القدرة على التحليل والنقد وتمييز الأفكار القوية والضعيفة.

تمنح القراءة القدرة على العيش في عصور مختلفة واستكشاف ثقافات متنوعة، مما يزيد من ثقافة الفرد.

- تعزز من مستوى اللغة ومهارات الكتابة والتواصل لدى القارئ وتعتبر القراءة المصدر الرئيسي للمعرفة والمعلومات حول الحياة والكون وتجارب الشعوب الأخرى.

ثانيا : أثر القراءة في الحضارة الإسلامية

أول كلمة نزلت في القرآن الكريم كانت "اقرأ"؛ مما جعل القراءة أساسًا لدين بدأ بالعلم والمعرفة.

ـ ساهم تشجيع القراءة والبحث في تأسيس حضارة إسلامية ازدهرت في مجالات العلوم والفلسفة والفن؛ وذلك بسبب اهتمامها بالعلوم الكونية والاجتماعية وغيرها.

ـ يسعى المسلمون من خلال القراءة إلى بناء جيل واعٍ ومثقف يدرك رسالته ويسعى لتطوير نفسه والارتقاء بمجتمعه.

ـ  تُمكن القراءة من التعلم من تجارب الأمم السابقة لتجنب الأخطاء في الحاضر، وتُعد أداة رئيسية لتحقيق التنمية والنهضة في وقتنا الحاضر.

ثالثاً: فوائد القراءة 

- تساعد القراءة علي  تطوير الذات والمعرفة وتزيد من المعرفة في مختلف المجالات كالعلوم والأدب والتاريخ، حيث تساعد على اتخاذ قرارات أفضل في الحياة الشخصية والمهنية، وتمنح شعورًا بالقوة والتمكن من خلال تبديد الجهل ويقول أحد العلماء " القراءة غذاء الروح ودواء العقل، فيها نعيش ألف حياة ونكسب معرفة الآخرين." 

- تعمل على تنمية المهارات مثل تحسن المهارات اللغوية علي سبيل المثال المفردات والقواعد وأسلوب التعبير، وتعزز مهارات التفكير النقدي والتحليل والفهم العميق،تزيد القدرة على حل المشكلات بطرق مبتكرة.

- تساعد القراءة على  الصحة النفسية للقارئ وتعتبر وسيلة للاسترخاء وتخفيف التوتر والهروب من ضغوط الحياة، فتُهدئ العقل والجسم، مما يحسن من جودة النوم،تولد شعورًا بالسكينة والطمأنينة.

- تعمل القراءة على النمو الإبداعي والاجتماعي وتحفز الإبداع، وتفتح آفاقًا لأفكار جديدة،تساعد على فهم الآخرين بشكل أفضل وتزيد الوعي الثقافي التعاطف،تسمح بالتواصل الفعال مع الآخرين من خلال مناقشة المواضيع المختلفة.

مسيرة الجاحظ مع القراءة 

ذاع اسم الجاحظ كأيقونة عربية في عالم القراءة والكتب؛ لأن ولعه لم يكن ترفًا معرفيًا أو اجتماعيًا، فعلاقته بالكتاب حالت حتى دون مواجهته لأعباء الحياة رغم فقره، وأكسبته ميلا للتحرر من تقاليد المجتمع، ليشق سبيله للمعرفة بعيدا عن الأطر الجاهزة.

ولقد حكى عنه أبو هفان الشاعر قائلا:"لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنا ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر".

ولما صار اقتناء الكتب الفاخرة عنوانا للرفاهية، حرص الجاحظ على أن توجهه بصيرة القارئ الفذ ليسعى خلف النفيس من العلوم والآداب والحكمة. فإذا عُرضت عليه حتى الأوراق المقطعة التي لا يرى غيره فيها فائدة، فإنه كان يطيل فيها النظر، ويؤدي لها مقابلا. ولما سخر منه أصحابه يوما، قال: أنتم حمقى والله، إن فيها مالا يوجد إلا فيها، ولكنكم جهال لا تعرفون النفيس من الخسيس!. 

حتى موته كان تعبيرُا عن الولع بالكتب، فمن عادته أنه يضع المجلدات كالحائط من حوله ثم يجلس ليقرأ، ولما أصيب بالفالج وعجز عن الحركة وقع عليه مجلد فمات.

في النهاية برز العديد من الخلفاء المسلمين باهتمامهم بالقراءة والعلم، يقول أحد العلماء "عالم بلا قراءة كبيت بلا نوافذ"، ومن أبرزهم:الخلفاء الراشدين مثل علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ لغزارة علمه وتفسيره للقرآن، وعمر بن الخطاب لاهتمامه بالتعليم ونشر العلم الشرعي، والخلفاء العباسيون، مثل أبي جعفر المنصور الذي اهتم بترجمة العلوم وشجع الأطباء والعلماء، والمأمون الذي أنشأ "بيت الحكمة" وشجع البحث العلمي وترجمة المخطوطات من مختلف أنحاء العالم.

ويركز المفكر الجزائري مالك بن نبي على أهمية القراءة كجزء من عملية بناء حضاري فعّالة، وليس مجرد استهلاك للمعرفة. من أقواله:"العلم الذي لا يُترجمه عمل يظل ترفًا لا مكان له"، و"الكتاب هو الخطاب الموجه إلى الأصدقاء المجهولين على وجه الأرض"، ويشير إلى أن "الجهل في حقيقته وثنية لأنه لا يغرس أفكارًا بل يُنصّب أصنامًا"؛ مما يدل على أن القراءة يجب أن تكون قوة تحويلية حقيقية.

الدكتور سليمان عباس البياضي

عضو اتحاد المؤرخين العرب 


د. سليمان عباس البياضي د. سليمان عباس البياضي
كلمات البحث
الأكثر قراءة