من منا لم يقف عند لحظاتٍ فارقةٍ تُغيِّرُ مسارَ حياتِه؛ عملٌ جديد، تفكيرٌ في الزواج، إنجابُ طفل، مسارٌ تعليمي، هجرة، أو حتى قرارٌ بالاستمرار فيما هو عليه؟ في تلك اللحظة، يبدو الطريقُ متشعبًا، والعقلُ منشغلًا بحساب الاحتمالات، فيما ينبضُ القلبُ بخوفٍ ورجاء.
ما يقوله لك العلمُ، أن ما لا نُدركه غالبًا هو أن هذه اللحظةَ الإنسانيةَ البسيطةَ هي واحدةٌ من أعقد العمليات التي يقوم بها دماغُك.
تقول الدراساتُ الحديثةُ إن اتخاذَ القرارِ ليس عمليةً منطقيةً سهلةً كما نعتقد، بل مزيجٌ من التفكير، والعاطفة، والذاكرة، وحتى الحالةِ الجسديةِ في تلك اللحظة.
عالمُ الأعصاب الشهير أنطونيو داماسيو، ورئيسُ معهدِ الدماغِ والإبداعِ في جامعةِ جنوبِ كاليفورنيا، يوضح في دراساته أن الدماغَ أثناءَ اتخاذِ القرارِ يُشبهُ "غرفةَ عمليات" تتفاعل فيها إشاراتٌ قادمةٌ من مناطقَ متعددةٍ؛ أهمها الفصُ الجبهيُ المسئولُ عن التخطيط، والجهازُ المسئولُ عن العواطف. "وأيُّ خللٍ في هذا التوازن قد يدفعُنا إلى اتخاذِ قراراتٍ متسرعةٍ أو مترددة."
ولاحظ باحثون في جامعةِ أكسفورد أن الضغطَ النفسيَّ يؤثرُ مباشرةً في جودةِ القرارات. فحين يتعرضُ الإنسانُ للتوتر، يزدادُ نشاطُ مناطقِ الخوفِ في الدماغ، "هذا النشاطُ المرتفعُ يجعلُ الدماغَ أكثرَ ميلاً لتجنبِ المخاطرة، حتى لو كان التغييرُ في صالحنا!!"
وهذا ما يفسرُ سرَّ تمسُّكِ كثيرين بوظائفَ لا يحبونها أو بعلاقاتٍ مُرهقةٍ، قد تكونُ مُثيرةً لبعضِ المشكلات، فقط لأن التغييرَ يبدو أكثرَ خطرًا من البقاء في المجهول، عملاً بمبدأٍ يعتنقُه الكثيرون مفادُه: "اللي نعرفُه أحسنُ من اللي نجهلُه."
باحثٌ من جامعةِ أكسفورد يُعلِّقُ على هذه الظاهرةِ بقولِه: "إن العقلَ البشريَّ مُبرمجٌ على حمايةِ نفسِه من المجهول، لكن التطورَ لا يحدثُ إلا عندما نغامرُ بالخروجِ من منطقةِ الأمان."
تقول دراسةٌ حديثةٌ باستخدامِ تقنيةِ التصويرِ بالرنينِ المغناطيسيِّ الوظيفيِّ إن الدماغَ عندَ اتخاذِ قرارٍ مهمٍّ يمرُ بثلاثِ مراحلَ: تقييمِ المعلومات، ثم موازنةِ العواطف، ثم التنفيذ.
المثيرُ أن التجاربَ أظهرتْ أن الأشخاصَ الذين يمارسونَ التأملَ أو الكتابةَ اليوميةَ يتخذون قراراتٍ أكثرَ توازنًا، لأنهم يتعاملونَ مع الموقفِ بصفاءٍ ذهنيٍّ لا يُخالطُه التشويشُ العاطفي.
وعلى الجانبِ التطبيقيِّ، جاءتْ دراسةٌ أُجريتْ في جامعةِ إسطنبولَ عامَ 2024 لتؤكدَ أن تدريبًا إلكترونيًا بسيطًا مدَّتُه أربعةُ أسابيعَ على مهاراتِ التفكيرِ التأمليِّ حسَّنَ من جودةِ قراراتِ المشاركين بنسبةٍ تجاوزت 30%.
ومن اللافتِ أن العلمَ لم يعدْ يكتفي بدراسةِ القراراتِ الفردية، بل انتقلَ إلى فهمِ القراراتِ الجماعية، كقراراتِ الشركاتِ أو الحكومات.
ففي الأزمات، تتضحُ بجلاءٍ ظاهرةُ "عدوى القرارِ" أو ما يُوصفُ بـ"ثقافةِ القطيع"، حين يتأثرُ الأفرادُ بقراراتِ الآخرينَ أكثرَ مما يتأثرونَ بالحقائق. ويضربُ الباحثون مثالاً على ذلك بما حدثَ أثناءَ جائحةِ كورونا، حيث كان الخوفُ الجماعيُّ وراءَ تداولِ القراراتِ اليوميةِ المتشابهةِ لدى ملايينِ الناسِ حولَ العالم، دونَ التأثرِ بالحقائق.
خلاصةُ القولِ، ربما يكونُ أجملُ ما في توقفِ الدماغِ عندَ مفترقِ الطرقِ لاتخاذِ قرارٍ ما أنه يُذكِّرُنا بأننا ما زلنا أحياءَ، نُفكرُ، وكما قال أحدُ الفلاسفةِ: "أنا أُفكرُ إذَنْ أنا موجود"، ونخافُ، ونترددُ، ثم نختارُ، وقد نُخطئُ وقد نُصيبُ.. إنها طبيعةُ الحياةِ وصعوبةُ القراراتِ عندَ مفترقِ الطرق.