محو الأمية الرقمية

1-12-2025 | 13:14

كانت الأمية بمعناها المعروف هي عدم القدرة على القراءة والكتابة، وكنا نشفع للبعض من الأميين بأن لديهم ثقافة تراكمت من خبرة السنين، ونستشهد بقدرة البعض الآخر على إجراء عمليات حسابية دقيقة من جمع وطرح وضرب أحيانًا. كما كنا وما زلنا نتندر على بعض المتعلمين بأنهم أميون ثقافيًا، حين يغيب عنهم العلم وتتراجع المعرفة.

الآن فإن تعريف الأمية يتسع، ليشمل الأمية الرقمية، وهذه متاهة حقيقية، لأنها تعيق الكثير من الاستخدامات، وتؤدي بالإنسان المتعلم والمثقف إلى عدم معرفة كيفية الاستفادة أو مجرد الحياة بأمان وسط تعقيدات الحياة الرقمية، ما يجعله يشعر بالنقص، ويستمر في الاعتماد على الآخرين لإنقاذه وطلب المساعدة، ويمتد ذلك ليشكل حاجزًا أمام فرص العمل.

وعرفنا من تحذيرات "لا تعطي أحدًا رقم بطاقتك الائتمانية" أن هناك مشاكل تحدث لمن يفعل ذلك، ورغم بساطتها فإنني أجد البعض أمام ماكينات الصرف، ينظر حوله بقلق وخوف، ليلتقط وجهًا طيبًا فيسأله إجراء المعاملة بدلاً منه. هذه قد تكون أبسط المخاوف وأقلها شأنًا لكنها قد تضر البسطاء من الأميين التقليديين، والغلابة. المسألة أكبر من ذلك حين يتطلب إنجاز أعمالك الدخول لملء خانات إلكترونية، فيطلب منك إنشاء رقم سريّ وتكراره وحفظه، ثم أو قبل ذلك إنشاء اسم المستخدم، ثم كتابة المطلوب، وإرسال رسالة، وانتظار الرد، وهذا أيضًا قد يكون أقل شأنًا، من الدخول إلى مواقع شراء أو البحث أو الذكاء الاصطناعي... وهكذا اعتماد متزايد على التكنولوجيا من دون امتلاك أدواتها لكثير من المواطنين.

ربما أبناؤنا الصغار يعرفون ويساعدوننا، ولكن الفجوة تزداد والتحدي يتفاقم؛ لذا فإن العودة للتعليم مهمة مع التركيز الضروري على أمرين.

الأول: محو الأمية التقليدية، فهذه هي الأرضية التي لا غنى عنها، مع الاهتمام بمنع التسرب من التعليم؛ لأن محو الأمية بشكل عام من الأساسيات التي لا غنى عنها.

والثاني: الاهتمام باستخدام أساليب حديثة في محو الأمية تضع في المقدمة أقصر الطرق للمحو الإلكتروني، خصوصًا وأن غالبية الأميين في بلدنا يحملون هواتف نقالة بشاشات، ويتعاملون معها على مدار الساعة. فيكون هنا محو الأمية مصحوبًا، ليس بـ"ورقة وقلم ومراية وتخلوا بالكو معاي"، إنما بشاشات الكمبيوتر، ويكون تدريبًا، في مناخ مجتمع إلكتروني تدعمه الحكومة وتشجع عليه، فتساهم في خفض معدلات الجريمة الإلكترونية مع الوقت.

وقد تساعد برامج طموحة في محو الأمية، تركز هذه البرامج على استغلال الهوس بالفيس بوك والواتس آب والماسنجر وإرسال بريد إلكتروني. يتصل هذا بمحو الأمية الرقمية للمتعلمين، فالكثير منهم لا يجيدونها إلا أمانيّ.

وما سينتج من حصيلة نشر الأبجدية الرقمية، بالإضافة طبعًا إلى المستخدمين الطبيعيين العاديين، والمستخدمين المتفوقين من المتعلمين، والمتخصصين، يمكن أن يحسن مركزنا في المقاييس والمؤشرات المعرفية عالميًا، من دونها سنكون بعيدين.

وقد نشر مركز دعم واتخاذ القرار بمجلس الوزراء مؤخرًا تقريرًا مهمًا حول "مؤشر المعرفة العالمي لسنة 2024" والذي تصدرته السويد، ثم فنلندا وسويسرا، ثم الدنمارك وهولندا، وجاءت معظم الدول الإفريقية في المراكز الأخيرة من المؤشر.

إن الاستعمار الأوروبي لإفريقيا لم يورث التخلف والأمراض والصراعات المسلحة والديون المتراكمة فحسب، إنما تركنا من دون بيئة وبنية أساسية تعليمية. وفي الأبعاد الرئيسة المكونة للمؤشر، فمثلًا: في مؤشر "التعليم قبل الجامعي"، حصلت كندا على المركز الأول، تلتها روسيا البيضاء والبرتغال على التوالي، ثم المملكة العربية السعودية في المركز الرابع عالميًا لتتصدر بذلك قائمة الدول العربية في مؤشر التعليم قبل الجامعي، وهي النقطة المضيئة الوحيدة في المؤشر، بالنسبة لنا كعرب.

أما في مؤشر "التعليم والتدريب المهني"، فتصدرت الصين، تلتها سلوفاكيا وهولندا، ثم النمسا وفنلندا. وفي مؤشر "التعليم الجامعي"، تصدرت لوكسمبورج القائمة، تلتها سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية، ثم النرويج، بينما جاءت قبرص والمملكة المتحدة في المركزين الخامس والسادس.

وفي مؤشر "البحث العلمي والتطوير والابتكار"، حققت السويد وسويسرا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية المراكز العليا في المؤشر. وبالنسبة لمؤشر "تكنولوجيا المعلومات والاتصالات" جاءت سنغافورة في المركز الأول، تلاها كل من السويد وفنلندا، وحلت الإمارات العربية المتحدة في المركز الرابع عالميًا لتتصدر الدول العربية في المؤشر، وهذه نقطة مضيئة ثانية في المؤشر العالمي. وفي مؤشر "البيئة التمكينية"، حصلت أيسلندا على المركز الأول، تلتها النرويج وسويسرا ثم السويد وفنلندا. واقتصاديًا، تصدرت هونج كونج القائمة، تلتها سنغافورة والدنمارك، ثم أيرلندا وكوريا الجنوبية.

خلص تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء (الجمعة 28 نوفمبر 2025) إلى أهمية مناقشة العلاقة بين الأمية والفجوة الرقمية، بوصفها علاقةً متبادلة تُعمِّق فيها كلٌّ من الظاهرتين الأخرى؛ مما يستدعي جهودًا وطنية ودولية متكاملة لمحو الأمية بمفهومها الشامل، الأبجدية والوظيفية والرقمية، وبناء مواطن رقمي قادر على التفاعل مع متطلبات العصر الرقمي والمشاركة الفاعلة في تنمية بلاده.

هل لنا بعبد البديع قمحاوي جديد ليمحو الأمية الرقمية المحدقة بالكثيرين حالياً؟ أتمنى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: