نجوم SHINE الخمسة أضاءت الهان والنيل

30-11-2025 | 14:36

زرت جمهورية كوريا أربع مرات على مدار العقدين الماضيين (2002-2004-2006-2024)، ولا أخفي على القارئ الكريم مشاعري الممزوجة بالإعجاب والغيرة معًا، بعد الانتهاء من كل زيارة، لما حققته هذه الدولة الفتيَّة من معجزات.

الغيرة يعود سببها إلى أن مصر وكوريا الجنوبية مرَّتا بظروف سياسية وأمنية واجتماعية تكاد تكون مماثلة في الخمسينيات والستينيات، مع ترجيح كفة التفوق -وقتها- في صالح مصر ببعض المجالات، وتسجيل تقارب نسبي بمستويات الدخل وحجم الإنتاج والخدمات والتعليم، وأيضًا عدد السكان، 21 مليونًا لكل منهما.

ووفقًا لأحدث البيانات، وصل عدد سكان مصر إلى نحو 110 ملايين نسمة، أي أكثر من 5 أضعاف ما كان عليه في منتصف الخمسينيات، في حين ارتفع عدد سكان كوريا الجنوبية مرتين ونصف المرة -فقط- ليصل إلى نحو 52 مليون نسمة. كذلك، يبلغ حجم الناتج القومي الكوري حوالي 1665 مليار دولار، أي 4 أمثال نظيره المصري، وحجم الصادرات 630 مليارًا، أكثر من 10 أضعاف المصري، والاستثمار الأجنبي المباشر 82 مليارًا، أكثر من 8 أضعاف نظيره المصري.

أيضًا، وفيما يخص موقع الصناعة الكورية على خريطة العالم، تستحوذ جمهورية كوريا على إنتاج 33% من صناعة السفن، 24% من إنتاج البطاريات، 18% من أشباه الموصلات، 8% من صناعة السيارات، ويصل حجم إنتاج شركة سامسونج -بمفردها مثلاً- إلى نحو 250 مليار دولار سنويًا، وهو ما يفوق اقتصاد دول بكاملها.

السؤال الذي ظل يتردد في سماء المحروسة منذ أيام هو: هل لا تزال هناك فرصة أمام مصر للحاق بكوريا، وربط معجزة الهان بنهر النيل، في قادم الوقت والأوان؟!

الإجابة نعم، وتكفي القراءة المتأنية لتفاصيل التفاصيل، المصاحبة لنتائج القمة المصرية-الكورية بالقاهرة، وكذلك، الإرادة السياسية الكبيرة جدًا التي أظهرها كل من الرئيس عبدالفتاح السيسي، ونظيره الرئيس الكوري، لي جيه-ميونج، لتطوير التعاون القائم على الاحترام المتبادل، ودعم السلام والتنمية والرخاء في الدولتين.

الرئيس لي جيه-ميونج كرر الحديث بالقاهرة عن "فتح صفحة جديدة من العلاقات الوثيقة بين مصر وكوريا، مؤكدًا أن بلاده سوف تصبح هي الشريك الأكثر جدارة بالثقة، لتنفيذ رؤية مصر الطموحة 2030، وأن كوريا التي حققت معجزة نهر الهان، ستنضم إلى الرحلة العظيمة للمصريين الذين حققوا معجزة نهر النيل".

قال الرئيس الكوري نصًا: "إن التاريخ مرآة تعكس الحاضر، وأنا أستلهم من حكمة التاريخ لحضارتينا، لأرتقي بعلاقتنا إلى مستوى أسمى. ورغم مسافة 8 آلاف كيلومتر التي تفصلنا، إلا أن أمتنا أقرب إلى مصر مما تبدو المسافة، وكما كانت مصر مركزًا إستراتيجيًا دائمًا، فإن شبه الجزيرة الكورية تظل نقطة الاهتمام العالمي".

مؤشران في غاية الأهمية، ويدعوان للتفاؤل بإمكانية الربط على المدى المنظور بين المعجزة التي حققتها كوريا على ضفاف نهر الهان، ومثيلتها في نهر النيل.

  • الأول ثنائي: يتعلق بنتيجة المفاوضات المرتقبة بين القاهرة وسول، للتوصل إلى اتفاقية شراكة شاملة لإرساء إطار مؤسسيّ دائم لتوسيع نطاق التعاون بين البلدين.
  • المؤشر الثاني إقليمي ودولي: جاء في شكل مبادرة تحمل اسم "شاين SHINE" كشفها الرئيس لي جيه-ميونج، في محاضرة أمام حشد كبير من طلاب جامعة القاهرة، قائلاً نصًا: "إن القلب يقود صاحبه دائمًا، لم آتِ -أولاً- لزيارة حضارة مصر العظيمة، أم الدنيا، بل جئت مسرعًا إلى أم الجامعات المصرية، للالتقاء بالشباب المصريين الواعدين، القادرين على فتح مستقبل أكثر إلهامًا وإشراقًا لبلدينا".

في مقال سابق، نوّهت للمبادرة، واليوم أعرض لها بالتفصيل لما تمثله من جسر بالغ الأهمية لتحقيق الربط بين معجزة الهان ونهر النيل من ناحية، وتوسيع الدائرة لتشمل رؤية مشتركة للسلام والازدهار، بالشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية.

ترتكز مبادرة SHINE على 3 محاور: السلام، الازدهار، والثقافة. ويشير الحرف الأول إلى الاستقرار (Stability)، الثاني: الانسجام (Harmony)، الثالث: الابتكار (Innovation)، الرابع: الشبكة (Network)، والخامس: التعليم (Education).

أولاً: يعد التعاون في مجال الطاقة أساس الاستقرار والانسجام بالنسبة لكوريا والشرق الأوسط. فالطاقة هي مسألة بقاء مصيريّ لكوريا، في حين تستعد الدول الشرق أوسطية لعصر ما بعد النفط، من خلال الاستثمار في الطاقة النووية ومصادر الطاقة المتجددة. وتوفر كوريا تكنولوجيا متقدمة في الطاقة النظيفة، لكنها تعتمد على الشرق الأوسط في أكثر من 70% من وارداتها من النفط الخام.

إذن، طرفا المبادرة يشتركان في منظومة اقتصادية مترابطة قائمة على الطاقة، واستقرار الشرق الأوسط وتوقعاته، يؤثران بشكل مباشر على استقرار الصناعات والأسواق الكورية، بينما يعد استقرار السلام في شبه الجزيرة الكورية أمرًا حيويًا لصادرات الطاقة من الشرق الأوسط.

وتؤكد المبادرة استعداد كوريا للمساهمة في استقرار وأمن المنطقة، مع دعوتها لشركائها في الشرق الأوسط لدعم استقرارها.

ثانيًا: يعد الابتكار قوة دافعة نحو توسيع التعاون إلى ما بعد القطاعات التقليدية. فإذا تعمق التعاون بين الجانبين في مجالات إستراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي، المدن الذكية، أنظمة الطاقة المتقدمة، التكنولوجيا التعليمية، وغيرها من القطاعات الناشئة، فقد يتجاوز تأثيره التعاون الثنائي ليعيد تشكيل المشهد الصناعي. ويوفر الجمع بين القوة المالية والتقنية الكورية ميزة تنافسية فريدة بالسوق العالمية.

ثالثًا: توسيع الشبكات والتعاون التعليمي يعني الاستثمار الهيكلي طويل الأمد في رأس المال البشري. فبرامج البحث المشتركة، والشهادات المزدوجة، وتبادل الطلاب والأساتذة، والتعاون الأكاديمي بين المناطق ليست مجرد مبادرات تعليمية؛ بل تمثل منصات استراتيجية، لإعداد المواهب الضرورية للصناعات المستقبلية.

رابعًا: بناء السلام من خلال تراكم التعاون، بحيث تتحول كوريا إلى مُساهِم فعال في تعزيز السلام من خلال الخبرات والشبكات والأدوات الدبلوماسية التي تطورها في الشرق الأوسط. وسيؤدي تعزيز الثقة السياسية في الشرق الأوسط إلى توسيع مساحة كوريا للانخراط البنَّاء في التحديات العالمية، كما سيقوي النظام الدولي الداعم للمبادرات السلمية على شبه الجزيرة الكورية.

ومن هذا المنظور، سوف تصبح مبادرة SHINE -ذات النجوم أو الحروف الخمسة- بمثابة رافعة دبلوماسية مهمة جدًا على المديين القصير والبعيد، وتقدم نموذجًا أساسيًا للقوة الناعمة للتخفيف من التوتر، وبناء الثقة تدريجيًا، وتعزيز التعاون الاقتصادي والإنساني.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة