أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم القطاعات التي يُنظر إليها على أنها المُحرِّك للاقتصاد العالمي، والذي يمتلك مفاتيح التقدم وتوفير الحلول الناجزة للتنمية الشاملة في المجتمعات. وعلى هذه القاعدة، يعتبر الخبراء أن الذكاء الاصطناعي بات يحدد مستقبل الشعوب في التطور، ويتم التعويل عليه في الكثير من المجالات التنموية والحياتية للبشر. ومن ثَم، فإن الاستثمار فيه لم يعد خيارًا للدول، بل ضرورة حتمية تفرضها مقتضيات العصر، والبقاء في سباق المنافسة.
ومن يتابع حالة الهوس بالذكاء الاصطناعي التي أصابت العالم، وفي القلب منها دول كبرى مثل الولايات المتحدة والصين، سيتأكد أن العالم يشهد سباقًا محمومًا في امتلاك هذه التكنولوجيا الجبارة، عبر ضخ استثمارات ضخمة وأموال طائلة لبناء مراكز بيانات عملاقة، وتشييد شركات كبرى لإنتاج الرقائق وشرائح البيانات بأرقام فلكية.
وكأن العالم على أعتاب ثورة كبرى لا بقاء فيها إلا لمن يمتلك هذه التقنية المذهلة التي ستعيد تشكيل مستقبل العالم وخريطة النشاط الاقتصادي العالمي. الأمر الذي دفع الدول الكبرى والمؤسسات العملاقة إلى ضخ استثمارات ضخمة في مشروعات الذكاء الاصطناعي، للدرجة التي دفعت العديد من مراكز الأبحاث والمؤسسات الدولية للتحذير من الإفراط في الاستثمار الضخم في العديد من تلك المشروعات التي لم تُختبر بعد، ولم تحقق عوائد تبرّر الإنفاق الضخم على البنية التحتية وبناء مراكز البيانات التي تدعم تشغيل الذكاء الاصطناعي، على حد قولها.
لكن هناك من شكك في مصداقية هذه التحذيرات التي تُطلقها بعض المؤسسات، واعتبرها البعض أنها مغرضة ومُخطَّطة لحصر خدمات الذكاء الاصطناعي في يد المؤسسات الكبرى، وضمان احتكار إنتاج الشرائح الإلكترونية وتشغيل مراكز البيانات من خلال هذه الشركات، وبالتالي تجد لها سوقًا في المستقبل. أما إذا انتشرت هذه التكنولوجيا، فهو يعني حدوث فقاعة في الذكاء الاصطناعي وانهيارات مالية في القطاع بالكامل، ومن ثَم تتراجع فرص تسويق هذه الصناعة في العالم.
المُؤكَّد أن الذكاء الاصطناعي بات ضرورة وسلاحًا لا يمكن الاستغناء عنه في التنمية وتقدم الشعوب. وبالتالي، لم يعد خيارًا أمام أي دولة إلا أن تمتلك هذه التكنولوجيا وتحقيق الاكتفاء الذاتي منها. ولعل ذلك ما يفسر حالة السباق المحموم بين عدد من الدول لتوطين الذكاء الاصطناعي، واستغلال فرصة توافر هذه التكنولوجيا الحتمية للمستقبل. لكن الأمر بالطبع ليس سهلاً، والوصول إلى هذه التكنولوجيا يحتاج إلى خطط مدروسة بدقة، وتمويلات كبرى لإنشاء البنية التحتية اللازمة للتشغيل، وفي مقدمتها محطات الطاقة. إذ إن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات تعتمد بالدرجة الأولى على الطاقة، ما يتطلب استثمارات ضخمة ليست في المتناول. بل إن هذه التكلفة الباهظة دفعت شركات أمريكية كبرى للبحث في الخروج إلى الفضاء لإقامة مراكز بيانات عملاقة لتشغيل الذكاء الاصطناعي، تعتمد على الطاقة الشمسية وتبتعد عن تعقيدات البنية التحتية واشتراطات البيئة واللوائح التي ترى أنها تشكل عوائق أمام الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
والحقيقة حين ترصد هذا السباق المحموم بين الشركات المدعومة من دول كبرى، وتتّبع تطوراته المذهلة في كل المجالات والتي يتخذ كل يوم أشكالاً مخيفة، يجعلك تتساءل عن موقعنا نحن على خريطة العالم الجديد الذي يديره الذكاء الاصطناعي، ويرسم به مستقبل البشرية. وهل لدينا خططنا لمواجهة هذا الإعصار التكنولوجي وآثاره المتوقعة اقتصاديًا واجتماعيًا، بل وأمنيًا؟ وهل لدينا الإمكانيات والموارد اللازمة لتوطين هذه التكنولوجيا قبل فوات الأوان؟ أسئلة كثيرة وتساؤلات عديدة تطرح نفسها على وَقْع هذا السباق المحموم في عالم لا بقاء فيه إلا لمن يمتلك التكنولوجيا.
الحقيقة الدقيقة أن مصر لديها فرصة كبيرة لتوطين الذكاء الاصطناعي، عبر استراتيجية واضحة ترتكز على عدة محاور، في مقدمتها وجود برنامج مدروس لتوطين الذكاء الاصطناعي وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لهذه الصناعة، كونها تمتلك الموقع الجغرافي المتميز ومصادر الطاقة سواء في الطاقة الشمسية، حيث النسبة العالية في سطوع الشمس، أو في الطاقة النووية بعد تشغيل محطة الضبعة. ولدينا أيضًا الثروة البشرية والمراكز البحثية والكوادر الشابة المتميزة في تكنولوجيا المعلومات، وهي عناصر مهمة ومُكوِّن يمكن الاعتماد عليه في هذه الصناعة الواعدة الصاعدة، وقبل كل ذلك أن يكون القطاع الخاص هو قاطرة هذا الاستثمار، سواء في إنشاء محطات الطاقة أو مراكز البيانات وتقديم الخدمة.
ولمن لا يعلم، أن هناك دولاً في المنطقة لا تمتلك الإمكانيات المتاحة في مصر قد شرعت في تنفيذ برنامج طموح للذكاء الاصطناعي، بغية توطين هذه التكنولوجيا.
ربما تكون بعض الإجراءات التي تتخذها الحكومة في هذا المجال مهمة، مثل إطلاق مبادرة "الرواد الرقميين" التي تهدف إلى تأهيل وتدريب 12 ألف شاب سنويًا على المهارات الرقمية المتقدمة، لتمكينهم من العمل في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، أو إدخال مادة الذكاء الاصطناعي في مناهج التعليم.
لكن المؤكد أنها ليست كافية ولا يمكن الاعتماد عليها. بل كما قلت، نحن في حاجة إلى برنامج قومي طموح يحدد مستهدفات الدولة لتوطين الذكاء الاصطناعي، ويضع مرتكزات الانطلاق والتنفيذ بمشاركة مجتمعية وبحثية وجامعية واسعة، تحقق هدف دخول مصر إلى نادي الذكاء الاصطناعي.
[email protected]