الدراما الممنوعة!!

29-11-2025 | 14:03

بهدوء.. دعونا نتحاور.. ثمة هواجس تظل تلاحقنا كلما خطرت فكرة تجسيد أيقوناتنا الفنية على الشاشة. أرواح لا نستطيع تقبُّل رحيلها، تحوم في فضاء ذاكرتنا الجماعية كنجوم تحترق في أعماقها، لكن ضوءها يصل إلينا إلى الأبد. لم يعودوا مجرد فنانين رحلوا، بل تحولوا إلى كيانات أسطورية، صارت جزءًا من نسيج وجداننا، ومَعلَمًا من ملامح هويتنا.

أي محاولة لاقتحام هذا الحرم الوجداني، وتجسيد هذه الأساطير في قوالب سينمائية، أشبه باقتراب طائش من حقل ألغام. مغامرة محفوفة بتهمة التشويه، وخيانة الصورة النقية التي حفرتها السنون في قلوب الملايين. كأننا نحاول تقييد سراب، أو الإمساك بشعلة ريح.

تتربع أم كلثوم على عرش هذا الحرم بجدارة لا تُنازَع. وسوف تبقى "الست" ظاهرة كونية عابرة للأزمنة، ومُعادلة صعبة من القداسة الفنية والوجدانية. كيف لفيلم أن يحيط بشخصية هي بمثابة "أُمّ" لكل مصري وعربي؟ كيف لممثلة، أيًا كانت براعتها، أن تلبس ذلك الرداء الثقيل من الهيبة والوقار، وأن تُقلِّد نظراتها الثاقبة، وإيماءاتها التي صارت جزءًا من طقوس الاستماع؟ مغامرة لن يغفرها الجمهور، لأن "الست" في وجدانهم أعلى من أن تُمَس.

وعلى النقيض، يقف عبدالحليم حافظ، "العندليب الأسمر"، كلغز آخر. فهو الإمبراطور الذي أقام مملكته على بساط الثورة والمشروع القومي، وارتبط اسمه بزمن كان الفن فيه هو السلطة الحقيقية. كيف لفيلم أن يلتقط كل هذه الأبعاد: الفتى الريفي الطموح، النجم العالمي، رمز الأناقة، الرجل الذي أحبَّ وتألم، وأخيرًا، الأسطورة التي حيكت حولها الأقاويل؟ بحر هادر، وأي قارب سينمائي قد يغرق في أولى أمواجه.

ولا ننسى "سندريلا الشاشة العربية"، سعاد حسني. البنت التي خرجت من حي بولاق أبوالعلا لتملأ الدنيا جمالًا وطُهرًا. هي الحُلم بمستقبل أفضل، والبراءة التي انتصرت على قسوة الحياة في أفلامها. أي تجسيد لسيرتها، خاصة سنواتها الأخيرة الغامضة والمؤلمة، سيشعر الجمهور بأنه انتهاك لتلك البراءة التي ما زالت ماثلة في الأذهان. صورة نمطية ربما، لكنها الصورة التي أراد الجمهور أن يحتفظ بها لها، كأنما بموتها حُفِظَ جمالها من عبث الزمن.

وهنا نأتي إلى المثال الحي، إلى ذلك العمل الذي انفجر بوجه منتجيه، لكن الجماهير اختارت أن تتغاضى عن انفجاره: فيلم "حليم". كان عملًا مليئًا بالمشاكل الفنية والفكرية: سرد مُشتّت، واختزال لشخصية مُعقَّدة في بضعة كليشيهات، وتقديم عبدالحليم كشخصية بطولية أحادية البُعد، وتجاهُل لملامح كثيرة أكثر تعقيدًا وإثارة.

فلماذا سُمح لهذا الفيلم بالمرور؟ الإجابة بسيطة وقاسية في آن: أحمد زكي.

كان "الأسمراني" العبقري في نزعه الأخير مع الحياة. كان الجمهور يرى على الشاشة شبح أحمد زكي الهزيل، المُتصارِع مع المرض، وهو يؤدي دور النجم الخالد. تحوّل المشهد من متابعة عمل فني عن عبدالحليم، إلى تأبين مُبْكٍ لأسطورة أخرى هي أحمد زكي. أصبح الفيلم وثيقة على رحيل "ممثل القرن"، فغضَّ الناس الطرف عن كل عيوبه، كأنهم يقولون: "هذه آخر مرة نراه فيها.. دعوه له".

حَوَّل الحب لأحمد زكي الفيلم من عمل فني قابل للنقد، إلى قطعة أثرية وجدانية، إلى "ذخيرة" نحميها من النار. كانت محاولة لتخليد أسطورة بأخرى.

ربما علينا أن نعترف بأن بعض الشخصيات أكبر من السينما. وأن محاولات "تقييد" هذه الأساطير في إطار سينمائي، مهما بلغت تقنيات الماكياج والمحاكاة، محكوم عليها بالفشل. لأن سر قوة هؤلاء ليس في تفاصيل حياتهم الخاصة، بل في الصورة الكلية التي تشكلت في مخيلة الملايين على مر السنين.

الأفضل، في تقديري، أن نترك أم كلثوم ترفع كفها وتقول "الأُولَة"، وعبدالحليم يشدو "أحلف بسماها وبترابها"، وسعاد حسني تبتسم في "خلي بالك من زوزو". دَعُوهم كما هم.. أطيافًا جميلة في متحف الذاكرة، لا تمسها أيدٍ، ولا تُشوِّهها شاشات. فالفن الحقيقي أحيانًا، هو أن نعرف متى نتوقف عن "تمثيله"، ونكتفي بـ "تَذَكُّره".
خلف الكواليس:
يتجاوز التحدي هنا مجرد صعوبة التمثيل، ليرتبط بعلاقة فريدة بين الجمهور العربي وفنانيه. علاقة "مِلكيَّة" بمعنى ما. فـ "أم كلثوم" التي استمتعنا بأغانيها، هي "مِلكٌ" لكل عربي. وعبدالحليم شقيق أو حبيب افتراضي لكل من عاصره. هذه العلاقة الحميمية تجعل من أي تمثيل لهذه الشخصيات محاولة لـ "استباحة" قدسية ما.

السينما، بطبيعتها، تتعامل مع التفاصيل الصغيرة، مع الهفوات، مع التناقضات الإنسانية. لكن رموزنا تحولوا في الوجدان الجمعي إلى كيانات "مُطهَّرة"، نُزِعَت عنها كل شوائب البشرية. من يجرؤ على أن يُظهِر الست وهي تَغار؟ أو عبدالحليم في لحظة ضعف؟ أو سعاد حسني في حالة غضب؟ تفاصيل ربما تكون حقيقية، لكن الجمهور لا يريدها، لأنه بنى لهذه الشخصيات تماثيل في فضاء روحه، والتماثيل لا تعرق ولا تُخطئ.

هنا مكمن الخلاف الأزلي. السينمائي يبحث عن "الدراما" الإنسانية، عن نقاط التحول، عن الصراعات الداخلية، عن العيوب التي تجعل الشخصية "قابلة للتمثيل". بينما الجمهور يريد فيلمًا أقرب إلى "نصب تذكاري" يُمجِّد الرمز، يُلمِّعه أكثر، يُقدِّسه بدلًا من أن "يُجسِّده". يريد الجمهور فيلمًا عن "أسطورة" وليس عن "إنسان".

لنأخذ فيلم "حليم" مرة أخرى كمثال. لو قدَّم المخرج عبدالحليم "الإنسان" بكل تعقيداته: طموحه اللامحدود، علاقاته المُتشابكة بالسلطة، خوفه الدائم من الفقر والمرض، ربما لكان فيلمًا أكثر عمقًا. لكن الجمهور، في الغالب، كان سيرفض هذه الصورة "التشريحية". إنهم يريدون "الحُلم" وليس "الحقيقة". يريدون ذلك الفتى الوسيم الحزين الذي يُغني للحب ومصر، دون الخوض في دهاليز الشخصية الأكثر إثارة للجدل.

فهل هناك مخرج من هذه المتاهة؟
ربما الحل ليس في التوقف عن صناعة هذه الأفلام، إنما في تغيير الزاوية. ليس المطلوب فيلمًا يسرد الحياة من المهد إلى اللحد، فهذه هي الكارثة. المطلوب ربما "لحظة مُضيئة" واحدة من حياة الرمز. فيلم عن السنوات العشر التي سبقت ظهور أم كلثوم، عن صراع ذلك الفتى في قريته للوصول إلى القاهرة، عن اللحظة التي التقطت فيها سعاد حسني للمرة الأولى بواسطة عدسة المصور.

أيضًا، ربما يكون "التجريب" هو المخرج. لماذا لا تُقدَّم أم كلثوم من خلال عيون مُلحِّنيها؟ أو عبدالحليم من خلال سيرة طاقم الملابس الخاص به؟ أو سعاد حسني من خلال رسائل جمهورها؟ زوايا غير مباشرة قد تلمح إلى عظمة الرمز دون أن تدعي القدرة على احتوائه.

في النهاية، هذه الأفلام مرايا نرى فيها علاقتنا المُعقَّدة بماضينا، برموزنا، وبأنفسنا. خوفنا على رموزنا من السينما هو في الحقيقة خوف على ذاكرتنا الجماعية من التشويه، وخوف على نُسخة "مثالية" من الماضي نتمسك بها في مواجهة حاضر مليء بالانزياح والالتباس.

ربما حان الوقت لأن نثق في فننا أكثر، وأن نسمح لأنفسنا برؤية رموزنا كبشر عاشوا، أحبوا، عانوا، وأخطأوا. ليس لتجريدهم من الهالة، لكن لجعل إنجازهم أكثر إعجازًا. فالعظمة الحقيقية لا تكمن في الكمال الأسطوري، بل في القدرة على التحليق رغم كل الثقل البشري.

لكن يبدو أن الطريق إلى هذا النضج الفني لا يزال طويلًا، مليئًا، بالطبع، بحقول ألغام.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: