التسامح وإضعاف النفس

29-11-2025 | 11:26

نرفض التشدد في التعاملات بأنواعها، وما يتبعه من حدة وقطع للعلاقات وصنع عداوات وضياع للطاقات، وإجهاد للنفس وتصيد للأخطاء البسيطة وتضخيمها، ورفض الاعتذار عنها، وحرمان النفس من التمتع بالمرونة الذكية ومكاسبها، وليس إضاعة الحقوق.

نفضل التسامح "الذكي"، وعدم الاحتفاظ بالمشاعر السلبية التي تؤذي صاحبها نفسيًا وصحيًا وتفسد العلاقات.

ننبه إلى شروط مهمة للتسامح، حتى لا يكون بابًا لإضعاف النفس وضياع الحقوق والندم بعد فوات الأوان، وهو بريء من ذلك.

التسامح نعمة نرفض تحويلها إلى نقمة "بالسماح" بتكرار الإساءة، ونؤكد أن التسامح مع من "يتعمدُ" ارتكاب الخطأ ويستخف به من أسوأ الأخطاء في حق النفس.

التسامح "مشروط" بندم الطرف الآخر واعتذاره، واحترامه لمن أخطأ بحقه، وسعيه لرد اعتباره ومصالحته وتعويضه.

ولا مجال هنا للحديث عن طيبة القلب؛ فالطيبة لا تعني أبدًا قبول الإساءة أو إضعاف النفس، وتحريض المسيء على التمادي بلا شعور بالذنب.

وعندما نضيق بتجاوزاته وننفجر غضبًا، يتهمنا بمضايقته والاعتداء عليه؛ وللأمانة، فهو يشعر عندئذ بالظلم ولا يكذب؛ فقد "اعتادَ" على قبولنا الإساءة ورأى ذلك حقًا له.

وما كان أغنانا عن ذلك لو قمنا "بردعه" بحزم وبلا عدوانية أو كلمات مسيئة، و"منعه" من تكرار الإساءة بعد اعتذاره الصادق، وتعهده بعدم تكرار ما يضايقنا، وإن عاد ضاعفنا الردع ولجأنا إلى العقاب المناسب لما فعله.
فالعقاب الصحيح هو الذي يتناسب مع الخطأ، ونسارع به ولا نبالغ فيه أيضًا، ونوضح سببه "بهدوء"، ونخبره إذا اعترض بالمثل الرائع: "من لا يتحمل العقاب عليه ألّا يرتكب الجريمة".

الحزم مطلوب بشدة إذا تكرر نفس الخطأ، حتى لا نحرض الآخرين على الاستهانة بنا.

مع التأكيد على رفض التكرار، وإذا أصرّ فلابد من الابتعاد أو وضعه على الهامش -بلا عتاب- إن كان ممن نتعامل معهم يوميًا، حتى يتوقف عما يضايقنا، وعدم التراجع.

التسامح يجب ألّا يرتبط بالمَنّ والمعايرة وتذكير المخطئ بالخطأ من وقت لآخر والتشهير به. نستطيع تمثيل التسامح حتى يكون واقعًا لإغلاق الصفحة، ولندخر طاقتنا ومشاعرنا لما يستحق.

التسامح الذكي لا بد أن ينبع من قوة، وليس من حالة اضطرار أو للهروب من المشاكل؛ فلم يحل الهروب أي مشكلة، بل دومًا يجعلها تكبر بعيدًا عن سيطرتنا؛ وعندئذ "سنضطر" إلى مواجهتها مُرغمين، ونبذل الجهد المضاعف وندفع ثمنًا غاليًا كان بإمكاننا تجنبه.

عدم التسامح لا يعني أبدًا الاحتفاظ بالضيق والغضب وإيذاء النفس، فلابد من المسارعة بطردهما، "فلن" نعاقب أنفسنا بسبب المخطئ، مع إفهامه بأن التعامل معه لن يعود كالسابق إلا بعد الاعتذار وعدم التكرار، ووضعه في "مكانة" تتناسب مع ما فعله بدون تهوين أو مبالغة، مع تجنب الكلام عن ذلك حتى لا نجدد الغضب داخلنا.

وقد نستمع إلى تحريض يؤذينا ويجعلنا نبالغ في رد الفعل، أو نستمع إلى من يقلل الخطأ فنتشاجر معه ونرى أننا نستحق المعاملة السيئة.

لنتذكر أننا لا نستطيع منع الآخرين من الإساءة إلينا أحيانًا؛ لكننا نستطيع "التحكم" في رد الفعل الحازم والمناسب والسريع أيضًا؛ فالتأخر في الردع خطأ.

التسامح لا يعني نسيان الخطأ؛ ولكن يعني "مَنحَ" المخطئ فرصة "مشروطة" بالاعتذار والندم والعزم على عدم التكرار وإخباره بذلك؛ وهذا ليس من قبيل المَنِّ، بل للتوضيح وتنبيهه لمنع تكرار الخطأ أيضًا.

التسامح الواعي يحمي صاحبه من الأحقاد والمرارة، ويجعله لا ينسى أيضًا، فلا يسمح لأحد بأن يكرر إيذاءه. وفي كل العلاقات يجب أن يكون التسامح متبادلًا من الطرفين، وليس من طرف واحد.

التسامح مع النفس مطلوب، بشرط التعلم من الخطأ والتنبه لمنع تكراره.

التسامح نعمة وراحة لمن يتسامح، ويجب منحه لمستحقيه "فقط"؛ يخسر ويندم ويصنع أوجاعه من "يتناسى" ذلك.

ومن لا يحترم ويُجيد تقدير تسامحنا لا يستحقه "مجددًا"، ويجب وضع مسافات بيننا وبينه، ولا نعاتبه ولا نتناقش معه؛ فسيجادل هربًا من الاعتراف بالخطأ ويُجهدنا نفسيًا وصحيًا، وليس مطلوبًا أن نسامحه لإرضائه أو لإرضاء الناس.

التسامح راحة لمن يتسامح، وليس "اعترافًا" ببراءة من أخطأ، بل التسامح مرونة وذكاء.
والتسامح مع الخطأ الكبير -بعد الاعتذار عنه- لا يعني التعامل كأصدقاء، بل فض الاشتباك وإنهاء الصراع والتعامل الرسمي وبأضيق نطاق، والاهتمام بما يفيدنا دينيًا ودنيويًا، وعدم الحديث في هذا الموضوع ثانية.

بين التسامح "واختيار" إضعاف النفس وتزيينه "بادعاء" التسامح مساحات "واضحة".

من "يقررُ" خداع نفسه لا يلومنَّ إلّا نفسه، ولا شيء يبرر التفريط في الحقوق المعنوية الذي يؤدي لتناقص احترام الإنسان لنفسه، وتحريض الآخرين على النيل منه.

ننبه لخطورة الخضوع للإلحاح بالتسامح أو توسيط البعض دون اعتذار واضح وصريح وتعهد بعدم التكرار.

التسامح الزائد ليس دليلًا على النقاء والنية الحسنة؛ فما زاد على الحد تحول إلى الضد، ونحن مطالبون دينيًا بإعطاء النفس حقها. وعندما يعتاد المخطئون على التسامح الزائد، ستتم الاستهانة بالحقوق ويتم المساس بالكرامة ولو بعد حين، والكثيرون "يتمادون" في الغلط بعد التسامح الزائد معهم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: