أسقطت ملك كسرى .. لماذا سُميت معركة نهاوند بـ«فتح الفتوح»؟

28-11-2025 | 13:25
أسقطت ملك كسرى  لماذا سُميت معركة نهاوند بـ;فتح الفتوح;؟ معركة نهاوند

وقعت معركة نهاوند في شهر محرم سنة 21 هـ/ 642م، وعُرفت في التاريخ الإسلامي بـ "فتح الفتوح"؛ لأنها كانت نقطة حاسمة في الفتح الإسلامي لبلاد فارس، وهي المعركة التي أسقطت عرش كسرى، وحدثت في سهول نهاوند الوعرة، وحددت مصير الإمبراطورية الساسانيين العريقة التي حكمت أربعة قرون ونصف.  

موضوعات مقترحة

كان كسرى يزدجرد الثالث، بعد هزيمة القادسية المريرة، قد جمع آخر ما تبقى له من قوة، فجمع جيوشاً ضخمة من أذربيجان والري وأصفهان والسند، وولّى عليها القائد المخضرم العجوز «ذا الحاجب» المعروف بالفيرزان.  

أمر الفيرزان جنوده أن يحولوا نهاوند إلى قلب الإمبراطورية الأخير، فحفروا خندقاً عميقاً يطوق المدينة، وزرعوا أمامه الحسك الحديدي الشائك الذي يمزق حوافر الخيل، وصفوا الرماة على الأسوار كسحابة سوداء لا تنقشع.  

وقال الفيرزان لجنوده بثقة: «هنا سيكون قبر العرب».

على الضفة الأخرى وقف جيش المسلمين، أقل عدداً بكثير، لكنه يقوده رجل اختاره عمر بن الخطاب بعناية فائقة وهو النعمان بن مقرن المزني، الفارس الهادئ العينين، الذي قال عنه الخليفة: «لو كان النعمان في الأمم السابقة لكان نبياً»، وكان عدد جيش المسلمين 30 ألف وعدد جيش الفارس على حسب الروايات 150 ألف. 

وكان الجيش المسلم يضم نخبة من أسود العرب مثل: القعقاع بن عمرو، وحذيفة بن اليمان، وطليحة بن خويلد الذي كان يوماً مُدعيًا النبوة، ثم صار سيفاً من سيوف الله.

ولثلاثة أيام متتالية، هاجم المسلمون الحصون فلم يستطيعوا اختراقها، كانت السهام تنهمر كالمطر الغزير، والخيول تعرج، والشهداء يتساقطون.  

وكان النعمان يطوف بالليل على جواده صامتاً، يرفع بصره إلى السماء كأنه يستفتي ربه.

وفي الليلة الرابعة، جمع أصحابه في خيمته، فتقدم طليحة بن خويلد وقال بصوت خافت لكنه هز القلوب:«يا أمير، إن الله لا ينصر بالعدد، بل بالحيلة والصبر، دعنا نريهم أننا انكسرنا، فنغريهم بالخروج من حصنهم، ثم نلتفت عليهم كالذئاب على الغنم».  

ابتسم النعمان ابتسامة نادرة، وقال: «هذا ما كنت أنتظره من الله» ومع أول ضوء الفجر انطلقت طلائع المسلمين في هجوم يبدو يائساً، ثم بدأوا يتراجعون ببطء أولاً، ثم أسرعوا يثيرون الغبار، يلقون بعض الأسلحة، يصرخون كأن الرعب أصابهم.  

رأى الفيرزان الغبار من فوق السور فصاح مزهواً: «انظروا! هرب العرب! افتحوا الأبواب، اليوم ننهي أمر محمد كله!».

فُتحت أبواب نهاوند، واندفع الفرس كالسيل الجارف، يركضون وراء ظلال المسلمين الهاربين، قطعوا خنادقهم، تجاوزوا حسكهم، ابتعدوا عن أسوارها، ثم دوّى صوت كالرعد من الخلف، وكان القعقاع بن عمرو ومعه ألف فارس قد كمنوا في وادٍ ضيق طوال الليل، فانقضوا كالصواعق.  

وفي اللحظة نفسها استدار النعمان ومن معه كالإعصار، صار الفرس محاصرين فجأة في أرض مفتوحة، بلا خندق ولا حسك ولا سور.

اختلطت الصفوف، ارتفعت السيوف، صرخت الخيول، وقُتل الفيرزان في أول الزحام، وسقط جنوده في الحسك التي زرعوها بأيديهم، أو غرقوا في الخنادق التي حفرها آباؤهم لحمايتهم.  

قيل إن  مائة ألف من الفرس قُتلوا في ذلك اليوم، حتى قال الرواة: «ما رؤيت أرض قط أكثر قتيلاً من نهاوند».

وكان آخر ما رآه النعمان بن مقرن، وهو يطعن في قلب المعركة، رمحاً فارسياً يخترق صدره، فسقط البطل شهيداً، لكنه سمع قبل أن تفارق روحه جسده صياح إخوانه: «الله أكبر… فتح الله!».

دخل المسلمون نهاوند، ثم الري، ثم أصفهان، ثم فتحوا فارس كلها.  

وفرَّ يزدجرد شرقاً حتى قُتل في مرو بعد سنوات، فسقطت آخر إمبراطورية قديمة عظيمة على يد عدد من المؤمنين آمنوا أن النصر ليس بالعدد والعدة، بل بمن كانت معية الله معه، ولذلك سُمّيت هذه المعركة في المصادر التاريخية بـ"فتح الفتوح"؛ لأنها لم تفتح مدينة أو بلداً فحسب،  بل فتحت بوابات التاريخ كله.

نتائج المعركة

- انهزمت فلول الفرس وقتل منهم ما يزيد عن مئة ألف مقاتل. 

- أُطلِقَ على هذه المعركة اسم "فتح الفتوح"؛ لأنها كانت الضربة القاضية التي مزقت الدولة الفارسية وسهلت سيطرة المسلمين على ما تبقى من بلاد فارس.

-لم يقم للفرس بعدها قائمة، ولم يتمكنوا من حشد جيش قوي مرة أخرى، مما أدى إلى انهيار الإمبراطورية الساسانية.

- سمح عمر بن الخطاب بعد هذه المعركة لقواته بالانتشار في جميع أنحاء مملكة يزدجرد بعد أن كان يخشى عليهم القيام بذلك قبلها.

- عثر المسلمون في نهاوند على كنوز ثمينة من كنوز كسرى، والتي وصفها عمر بن الخطاب بأنها كانت ستسبب في الفتنة. 

د. سليمان عباس البياضي

عضو اتحاد المؤرخين العرب 


الدكتور سليمان عباس البياضيالدكتور سليمان عباس البياضي
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: