"لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ" نهي إلهيٌّ مُوجَّه إلينا جميعًا، وجَبَ علينا اتباع ما اشتمل عليه وجاء به؛ فكل ما أمرنا الله به أو نهانا عنه كان فيه ضمانُنا وسلامُ أنفسنا الداخليّ. إن هذا النهي يختصر كل ما تحويه صفحات كتب التربية والتنشئة المفروضة والواجبة، إنه اختصار للقصة الكاملة التي تعهَّدت بشرح ما يختلج بصدر الإنسان المتطلِّع دائمًا؛ ذلك الكائن المتمرد بطبعه، المخلوق الذي عصى خالقه واستمع لنصيحة شيطانه، بعد أن حذَّره الله تعالى منه.
إنها البداية، الحكاية المتكرِّرة في كل زمن وفي كل عصر، حكاية اشتهاء ما لا تملكه اليد، مع الرغبة الجامحة في امتلاك كل شيء، حتى وإن كان هذا الشيء لم تخطَّه يد الرحمن وتقسِّمه له. وعلى الرغم أنه لم يُدوَّن في اللوح المحفوظ بالأعلى، يتمناه ويريده، ما أجهله! إنها الطامَّة الكبرى التي تنتظره، وإن كانت تبتعد عن المعنى الدقيق للطموح والرغبة في الصعود للأعلى، بشكل يجمع بين ضرورة السعي والرضا بما سيكتبه الله له في النهاية.
كم من قصص كانت وقودًا لخلافات وقعت على أثر مقارنة بين حالة ونقيضتها! كم من جدل دار مُستعِرًا أشعل غضبًا، وكسر خاطرًا، ثم ألحق ضررًا! في كل بيت ستجد هناك ركنًا خاصًا تم إعداده لعقد المقارنات، وإعلان الشكوى والضجر. ميادين للمنازلة والمطالبة بما ليس في متناول يد زوج أو زوجة، وعلى عَجَلٍ، دون تروٍّ أو دراسة جيدة لمشهد يصف حالة خاصة بصاحبها، فلسنا سواءً.
كم من مشكلات نسجت خيوطها مُحكَمة، تلتف كمشنقة حول عنق رجل أو امرأة لم يملكا من المال ما يكفيهما لتحقيق رغبات الطرف الآخر! تشكَّلت بحنق وببراعة، فأصبحت قذيفة توشك على الانفجار بين اللحظة والأخرى.
تهدِّد حياة أبناء صغار، وقد تدفع بهم لمصير مجهول، لا ملمح له ولا خارطة. يبني السقوط فيها مملكته بحرفية، فيهدِّد بمحو حياة كانت من قبله هادئة، حياة خالية من المقارنات والنظر لما في يد الغير، مبتعدة عن اللهاث خلف أحلام وأمنيات لم يقدِّرها لنا خالقنا ومولانا. نتساءل حينها: كيف غاب الرضا، وإلى أين كانت هجرته؟ وهو الذي كان يزيِّن بالود والصبر نفوسنا.
إلى متى سيظل الإنسان هكذا مُغيَّبًا؟ لا يلتفت لمعنى الاكتفاء الذي يحميه مرارة الشعور بالضجر الناتج عن قلة حيلة. متى سيتعلم قيمة توجيه الحمد والشكر لربه؟ فهو الذي خلقه وعلِمَ بمكنون ذاته، لعله إن بَسَطَ له الرزق ضل وأضل، واتبع أهواءه وطاردها؛ فالنفس عطشى لاتباع هواها، وهي جُبِلت على هذا. لم ينجُ منها إلا من كان بقلبه إيمان حقّ، أبعده عن اتباع شرور وآثام تدمِّر لا تبقي ولا تَذَر، وأدرك أن الحياة الآخرة هي الخير وهي الأبقى.